↰🏠 
🔝

إشعياء

فهرس الاصحاحات 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66

الاصحاح 11

فهرس الاعداد1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16
📖 - + 🔊
⏭ 1 وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، هذا الإصحاح هو نبوة صريحة عن المسيا، ويقدم وصفاً له بحسب الجسد؛ ولمؤهلاته لمنصبه كقاضٍ وملك؛ ولأدائه لهذا المنصب؛ وللسلام الذي سيسود ملكوته؛ ولانتشار ملكوته بين الأمم من خلال كرازة الإنجيل؛ وأخيراً عن الرجوع العام لليهود. أصله (آية 1): يُوصف انحداره من داود بن يسى تحت لقبي "قضيب" و"فرع"، ويصوَّر أصله بكونه متواضعاً ومغموراً، يُعبر عنه بـ "جذع" و"أصول". مؤهلاته (آية 2): مواهبه الروحية لعمله بشكل عام وخاص. أداؤه (آية 3-5): كيف سيتصرف مع الأخيار والأشرار بمخافة الرب وبالعدل والحق. سلام ملكوته (آية 6-9): يُعبر عنه مجازياً بانسجام الحيوانات المفترسة مع الأليفة، وفقدانها لطبيعتها المؤذية بفعل انتشار معرفة المسيح. انتشار الملكوت (آية 10-16): انضمام الأمم، وجمع شتات اليهود من كل الأراضي بقوة الله ونعمته، وزوال الخصومات بينهم. وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، ليس المقصود هنا حزقيا (كما ذهب الحاخام موسى الكاهن وآخرون) لأنه كان مولوداً بالفعل حينها؛ بل المقصود هو المسيا، كما يظهر من النص والسياق، وكما يقر بذلك الكثير من المفسرين اليهود القدامى والمحدثين. دُعي بـ "قضيب" (أو غصن صغير) إما بسبب مظهره المتواضع الذي لا يوحي بشيء، لكونه خارجاً من "جذع يسى"؛ أي من نسل يسى في خط داود، عندما أصبحت تلك العائلة كشجرة قُطعت ولم يبق منها سوى جذورها في الأرض؛ وهو ما كان عليه الحال عند ميلاد الرب يسوع. فعائلة يسى كانت في بدايتها متواضعة، ثم عظمت في زمن داود، ومنذ السبي البابلي وحتى زمن المسيح تدنى شأنها جداً؛ فعند ميلاد المسيح كان يوسف (أبوه بالتبني) نجاراً، ومريم (أمه الحقيقية) عذراء فقيرة في الناصرة؛ ولم يكن متوقعاً في ظل هذه الظروف أن يكون هو الملك المسيا. أو دُعي كذلك إما إشارةً لسلطانه الملكي وعظمته، حيث يُستخدم "القضيب" أو "الغصن" كرمز للصولجان؛ وهو ما يتفق معه الترجوم في تفسيره: "وَيَخْرُجُ مَلِكٌ مِنْ بَنِي يَسَّى" والمعنى أنه رغم انحطاط عائلة يسى لدرجة أنها صارت كالجذع المتبقي من شجرة بلا أغصان ولا أوراق، إلا أنه من هناك سيقوم ملك قدير، وهو الملك المسيا. وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، أي من عائلة يسى التي شُبهت بجذع شجرة؛ و"الفرع" اسم معروف للمسيا (انظر تعليق إشعياء 4: 2). وكلمة "نِتْصِر" (Netzer) المستخدمة هنا هي أصل اسم مدينة "الناصرة"؛ ولعلها سُميت كذلك بسبب النباتات والأشجار التي نمت هناك؛ وبذلك فإن سكنى ربنا هناك حققت النبوة بأنه سيُدعى "ناصرياً" (أي ساكن نِتصر) (متى 2: 23). ومن المثير أن اليهوديتحدثون عن شخص يدعى "بن نتصر" ويصفونه باللص والمخرب، واستولى على المدن، وحكمها، وأصبح رأس اللصوص؛ ويجعلونه هو القرن الصغير في دانيال 7: 8، ويقولون بخبثٍ وبغضٍ إنه كان يسوع؛ ومع ذلك، تحت كل هذا الخبث، يعترفون ضمنيًا بأن يسوع الناصري هو نتزر الذي تتحدث عنه هذه النبوءة؛ والغرض من ذلك هو إظهار ضآلة نزول المسيح كإنسان، وأنه سيكون كجذر من أرض يابسة. مدراش رباه للتكوين (85: 9) ["فقال: ما الرهن الذي أعطيك؟ فقالت: خاتمك وعصابتك وعصاك التي في يدك" (تك 38: 18)؛ إن "عصاك -מטך-" تشير هنا إلى الملك المسيح، وهذا ما تؤكده بقولك: "ويخرج قضيب من جذع يسى" (إش 11: 1)، وأيضاً قوله: "يرسل الرب قضيب -מטה- عزك من صهيون" (مز 110: 2)]. مدراش رباه للمراثي (1: 51) [ذكر الرابي يهوشع بن ليفي: أن اسمه هو "الغصن" (تسمخ/צמח) لقوله: "هوذا الرجل الغصن اسمه ومن مكانه ينبت" (زك 6: 12). بينما رأى الرابي يودان باسم الرابي إيبو: أن اسمه هو "المعزي" (منحم/מנحם) لقوله: "لأنه قد ابتعد عني المعزي" (مرا 1: 16). وعقب الرابي حنينا قائلاً: لا تعارض بينهما، فقيمة حساب هذا (الغصن) كقيمة حساب ذاك (المعزي). وهذه الرواية تدعم ما ذهب إليه الرابي يودان باسم الرابي إيبو؛ حيث حُكي أن رجلاً كان يفلح أرضه فخارت إحدى بقره، فمر به أعرابي وقال له: "من أنت؟"، فأجاب: "أنا يهودي". فقال له الأعرابي: "فكّ نير ثورك وفكّ محراثك (دلالة على الحزن)". فسأله: "ولماذا؟" قال: "لأن الهيكل اليهودي المقدس قد خُرّب". فسأله: "وكيف عرفت؟" قال: "عرفته من خوار ثورك". وبينما هو يحاوره، خار الثور مرة أخرى، فقال الأعرابي: "اربط نير ثورك ومحراثك (دلالة على زوال الحزن)، فقد وُلد مخلص اليهود". فسأله: "وما اسمه؟" قال: "اسمه المعزي". "وما اسم أبيه؟" قال: "حزقيا". "وأين يقطنون؟" قال: "في عاصمة العربة ببيت لحم يهوذا".. وعلق الرابي أبون: لماذا أتعلم هذا الكلام من أعرابي والقرينة ثابتة في المكتوب (المكرا)؟ إذ ورد: "ويسقط لبنان بقدير" (إش 10: 34)، وأتبعها مباشرة قوله: "ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله" (إش 11: 1)].
2 وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ. وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، أي على الملك المسيا. وهذا يوضح أن ملكوت المسيح ذو طبيعة روحية، ويُدار بطريقة روحية. والمقصود هو الأقنوم الثالث في الثالوث؛ وقد مُسح المسيح به ليكون نبياً وكاهناً وملكاً، ونال مواهبه ونعمه بلا كيل، وهي التي تظل معه والمذكورة في الكلمات التالية. رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، وهو ما ظهر في محاججته مع الحكماء، وفي إجاباته على أسئلة الكتبة والفريسيين الماكرة، وفي كامل خدمته، وفي سلوكه أثناء محاكمته وموته؛ وأيضاً في الحكمة والمعرفة التي منحها لتلاميذه وشعبه. رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، "المشورة" التي جعلته "المشير العجيب" المؤهل لإعطاء النصيحة السديدة لبني البشر؛ و"القوة" ليكرز بالإنجيل بسلطان، ويصنع المعجزات، ويحمل خطايا شعبه وعقابهم، وينجز الفداء الأبدي لهم، ويغلب كل أعدائهم. رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ. فبكونه إنساناً كانت له "معرفة" الآب ومشيئته، ومعرفة الكتب وما فيها؛ و"مخافة الرب" فكان له توقير للآب واحترام شديد لمشيئته، وصنع دائماً ما يرضيه؛ انظر (عبرانيين 5: 7). وهذه الآية تُطبق أيضاً على المسيا في الكتابات اليهودية القديمة والحديثة. بسيكتا راباتي (33) ["أنا أنا هو معزيكم" (إش 51: 12)؛ يُفهم هذا في ضوء قوله في المكتوب: "أنت الذي أريتنا ضيقات كثيرة ورديئة تعود فحيينا ومن أعماق الأرض تعود فتصعدنا" (مز 71: 20). إنك لتجد أن الملك المسيح قد وُلد منذ بزوغ فجر الخليقة، فقد صعد في الحُسبان الإلهي حتى قبل أن يُخلق العالم؛ ولأجل ذلك يقول النص: "וְיָצא قضيب من جذع يسى" (إش 11: 1)، إذ لم يقل "يخرج" (וְיֵצֵא) بصيغة المستقبل، بل قال "خرج" (וְיָצָא) بصيغة الماضي. وبالمثل، تجد في قصة خلق العالم (تكوين 1) إشارات إلى عبودية الممالك وإلى خلاص الملك المسيح.. ومن أين لنا الجزم بأن الملك المسيح وُجد منذ بداية الخليقة؟ من قوله: "وروح الله يرف" (تك 1: 2)، فهذا الروح هو الملك المسيح، ومصداق ذلك قوله: "ويحل عليه روح الرب" (إش 11: 2). ومتى يرف هذا الروح؟ – "على وجه المياه" (تك 1: 2)، والمقصود بذلك عندما تسكبون قلوبكم كالماء أمام وجه الرب؛ ولأجل هذا قيل: "أنا أنا هو معزيكم" (إش 51: 12)]. يالكوت شمعوني للعدد (27: 776) [خاطب موسى ربه قائلاً: إن الرجل الذي ستقيمه عليهم قائداً يجب أن يمتلك روحاً تكافئ "الستين ربوة"، ليكون قادراً على مسح وتلبية حاجة كل فرد وفرد بحسب فكره الخاص. فقال له القدوس تبارك اسمه: يا موسى، بما أنك طلبت هذا، فسأريك رؤية تجمع كافة القضاة والأنبياء الذين سأقيمهم على بنيّ من الآن وإلى وقت قيامة الأموات. وذكر الرابي سيمون: أن الرب أراه كل الأرض (تث 34: 1)، ورأى يشوع واقفاً خلفه وهو يُسلم القيادة لعثنئيل، وهكذا دواليك. فقال له القدوس تبارك اسمه: إن كل هؤلاء الذين رأيتهم يمتلكون فكراً واحداً وروحاً واحدة، غير أن الذي طلبت رؤيته في البداية سيأتي في النهاية، وهو الشخص الذي يمتلك روحاً واحدة تزن كافة الأرواح؛ وهذا هو المسيح كما قيل: "ويخرج قضيب من جذع يسى.. ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم" (إش 11: 1-2). وهكذا يقول المكتوب: "يجعل للروح -רוח- وزناً" (أي 28: 25)، أي أن روحه ستكافئ وتعادل أرواح الخلائق أجمعين].
3 وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ، وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، أو "يُجعله يَشتمُّ مخافة الرب"؛ أي يميز ببراعة فيمن تكمن هذه المخافة. وهذا أحد آثار حلول الروح عليه، وبخاصة كونه روح الفهم ومخافة الرب، حيث يمتلك بصيرة حادة وسريعة في إدراكها؛ ليس مجرد معرفة ماهية نعمة المخافة وكيفية ممارستها، بل التمييز الدقيق لأين توجد وفيمن تتوفر أو تغيب؛ فكان بإمكانه التمييز بين من يخاف الله ومن لا يخافه. فلقد عرف أن نثنائيل إسرائيلي حق لا غش فيه (يوحنا 1: 47)، وعرف أن الكتبة والفريسيين مرائون (متى 22: 18). وبما أن اليهود يفهمون هذا النص عن المسيا وعن "حاسة الشم الحادة" لديه (كما يوحي أصل الكلمة)، أو قدرته على تمييز الأخيار من الأشرار، فقد جعلوا ذلك قاعدة للحكم على "المسيا"؛ وبناءً عليه طبقوا ذلك على من ادعى أنه المسيا واتخذ اسم "بار كوخبا" (ابن الكوكب)، واختبروه فيما إذا كان يستطيع تمييز الرجل الصالح من الشرير؛ ولما عجز، رفضوه كمسيا كاذب وسموه "بار كوزيبا" (ابن الكذبة). وقارن هذا بـ (لوقا 7: 39) حيث يتضح أن ذات المفهوم كان سائداً بين اليهود في زمن المسيح. فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، أي بحسب المظهر الخارجي، أو هيئة القداسة والتدين الظاهري التي قد يتصنعها الرجال؛ فالفريسيون والكتبة كانوا أبراراً في الظاهر أمام الناس، لكن ليس أمام المسيح الذي عرف قلوبهم؛ لقد بدا أنهم "شيء ما" بالنسبة للآخرين، لكنهم كانوا "لا شيء" بالنسبة له، لأنه لا يقضي بحسب ما تراه العين. وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ، لم يكن بحاجة لشهادة إنسان، لأنه علم ما في الإنسان؛ ولم يلتفت لكلمات البشر أو مفاخر الفريسيين أكثر من التفاتِه لأفعالهم الظاهرية؛ ولن يوبخ أو يدين بناءً على شهادة بشرية. التلمود البابلي (سنهدرين 93 – أ،) [أوضح الرابي تانحوم ما شرحه ابن كبارا السيبوري بخصوص المكتوب: "هذه الستة من الشعير أعطاني" (را 3: 17)؛ وتساءل: ما هي هذه الستة من الشعير؟ هل يُعقل أن تكون ست حبات من الشعير فقط؟ وهل هذه هي شيمة بوعز أن يقدم هدية بهذا القدر الزهيد! بل المقصد هو ستة أكيال. ولكن هل تقوى امرأة على حمل ستة أكيال؟ إنما كان ذلك رمزاً وإشارة إلى أبنائها الستة المزمع خروجهم من نسلها، والذين سيُباركون بست بركات، وهم: داود، والمسيح، ودانيال، وحنانيا، وميشائيل، وعزريا. أما بخصوص المسيح فذلك لأنه مكتوب: "ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب" (إش 11: 2)، ومكتوب أيضاً: "ولذته تكون في مخافة الرب" (إش 11: 3). وعقّب الرابي ألكسندري على هذا التعليم بأن القدوس قد حمّله بالوصايا والآلام كحجر الرحى]. نوفاتيان: علاوة على ذلك، يقول الرسول بولس: "إذ لنا روح الإيمان عينه، حسبما هو مكتوب: 'آمنت لذلك تكلمت'؛ نحن أيضاً نؤمن ولذلك نتكلم". فهو إذن روح واحد وعينه الذي كان في الأنبياء والرسل، إلا أنه في الأولين كان وقتياً، وفي الأخيرين دائماً. لكن في الأولين لم يكن كمن يسكن فيهم دائماً، أما في الأخيرين فكمقيم فيهم دائماً؛ وفي الأولين وُزع بتحفظ، وفي الأخيرين سُكب بالكامل؛ وفي الأولين أُعطي باقتصاد، وفي الأخيرين وُهب بسخاء؛ لم يظهر بعد قبل قيامة الرب، ولكنه مُنح بعد القيامة. لأنه قال: "أنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق". وأيضاً: "متى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق". وأيضاً: "إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي؛ ولكن إن ذهبت أرسله إليكم". وأيضاً: "متى جاء روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق". ولأن الرب كان مزمعاً أن ينطلق إلى السموات، أعطى الباراقليط (المعزي) ضرورة للتلاميذ؛ لكي لا يتركهم بأي درجة يتامى، وهو أمر لم يكن مرغوباً فيه، ويتركهم بلا معزٍ ونوع من الحامي. فهذا هو الذي قوى قلوبهم وعقولهم، ورسم أسرار الإنجيل، وكان فيهم المنير للأمور الإلهية؛ وبتقويتهم لم يخشوا، من أجل اسم الرب، لا سجوناً ولا قيوداً، بل وطأوا تحت أقدامهم قوى العالم وعذاباته. لأنهم صاروا منذ ذلك الحين مسلحين ومتقويين بنفس الروح، إذ يملكون في أنفسهم المواهب التي يوزعها هذا الروح نفسه ويخصصها للكنيسة، عروس المسيح، كزينة لها. هذا هو الذي يضع الأنبياء في الكنيسة، ويعلم المعلمين، ويوجه الألسنة، ويعطي القوات والشفاءات، ويصنع الأعمال العجيبة، وغالباً تمييز الأرواح، ويمنح قوى التدبير، ويوحي بالمشورات ويرتب وينظم أية مواهب أخرى من المواهب الروحية (الكاريزماتا). هذا هو الذي، على هيئة حمامة، عندما اعتمد ربنا، جاء واستقر عليه، حالاً في المسيح بملئه وكامله، وليس ناقصاً بأي مقياس أو جزء؛ بل مع فيضه الكامل الموزع بغزارة والمُرسل، لكي ينال الآخرون منه بعض التمتع بنعمه: مصدر تمام الروح القدس الباقي في المسيح، لكي تُستقى منه جداول المواهب والأعمال، بينما حل الروح القدس بغنى في المسيح. حقاً إن إشعياء، متنبئاً بهذا، قال: "ويحل عليه روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة والتقوى؛ ويملاه روح مخافة الرب". وهذا الشيء نفسه قاله أيضاً بلسان الرب نفسه في مكان آخر: "روح السيد الرب عليَّ؛ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين".
4 بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، أي الخاطئ المسكين، الذي يدرك فقره الروحي، ويأتي مقراً بآثامه ومعاصيه، ويصلي لأجل نعمة الصفح والرحمة، ويجوع ويعطش إلى البر؛ مثل هذا يبرره المسيح ببره الخاص، ويعتقه ويبرئه من كل خطية ودينونة، كما يحميه ويدافع عنه ضد كل أعدائه ومضطهديه. وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، أي ينحاز لجانب الودعاء والمتواضعين الذين يشعرون بخطاياهم وعدم استحقاقهم ويطلبون منه النعمة والبر والحياة الأبدية؛ ولأجلهم يوبخ الأشرار الذين يسعون لمضايقتهم وسحقهم؛ وبطريقة عادلة ومنصفة، وبأسلوب المجازاة العادلة، يجازي الذين يضايقونهم بضيق. وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، المعنى إما أنه يضرب ضمائر الأرضيين وغير المتجددين بواسطة كرازة كلمته (قضيب قوته)، فينظرون لخطاياهم ويتواضعون ويقادون للتوبة نحو الله والإيمان به؛ أو أنه يضرب أمم الأرض (الممالك المعادية للمسيح) ويدمرها (رؤيا 19: 15). وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. إما بكلمات فمه كما سبق (هوشع 6: 5)، فيصبحون كأموات في نظر أنفسهم بلا رجاء في حياة أو خلاص بأعمالهم؛ أو يُفهم هذا عن دمار الأشرار في اليوم الأخير بقرار الدينونة الذي ينطق به المسيح عليهم؛ وبخاصة "ضد المسيح" (الأثيم)، إنسان الخطية وابن الهلاك، الذي سيبيده الرب بروح فمه ويفنيه بظهور مجيئه (2 تسالونيكي 2: 8)، وهو النص الذي يبدو أن الرسول يشير فيه إلى هذه الآية. والترجوم ليس بعيداً عن هذا المعنى حيث يقول: "يَضْرِبُ خُطَاةَ الأَرْضِ بِكَلِمَةِ فَمِهِ، وَبِحَدِيثِ شَفَتَيْهِ يُمِيتُ الشِّرِّيرَ أَرْمِيلُوسَ" و"أرميلوس" اسم منحوت على الأرجح من "رومولوس"، ويقصد به "ضد المسيح"؛ إذ يقول اليهود صراحة في موضع آخر إن أرميلوس هو الذي تسميه الأمم "ضد المسيح". وهذه الآية بالكامل تُطبق على المسيا عند المفسرين اليهود القدامى والمحدثين. مدراش المزامير (72: 3) ["أعط أحكامك -משפטיך- للملك" (مز 72: 1)؛ والمقصود هنا هو الملك المسيح، كما ورد في النص: "ويخرج قضيب من جذع يسى.. يقضي -שפט- بالعدل للمساكين" (إش 11: 1-4)]. ترجوم يوناثان لإشعياء [سيقوم ملك من ذرية يسى، ويُمسح مسيحٌ من أبناء أبنائه؛ فتحل عليه روح النبوة من قِبل الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب. فيجعل مخافة الرب قريبة منه، فلا يقضي بحسب ما تراه عيناه ولا يحكم بما تسمعه أذناه. بل يدين بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي أهل الأرض، ويضرب المذنبين في الأرض بكلمة فمه، وبنطق شفتيه يميت (أرميلاوس) الشرير. وسيكون الأبرار محيطين به، والمتمسكون بالأمانة مقربين منه]. يالكوت شمعوني للمزامير (72: 805) ["اللهم أعط أحكامك -משפטיך- للملك وبرك -צדקתך- لابن الملك" (مز 72: 1)؛ والمقصود بهذا هو الملك المسيح، كما قيل: "ويخرج قضيب من جذع يسى.. يقضي -שפט- بالعدل للمساكين" (إش 11: 1-4)، ومسطور كذلك: "ويكون البر -צדק- منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه" (5)]. الزوهار (ڤييَّر: 158 / 1: 103) [مكتوب: "ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب" (إش 11: 2)؛ وجميع هذه الصفات ستحل على الملك المسيح لكي يدين العالم، كما ورد في المكتوب: "بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض" (4)]. مدراش تانحوما للتثنية (شوفتيم – 19) [بخصوص قوله: "حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح" (تث 20: 10)؛ فإن الحديث هنا ينصرف إلى الملك المسيح، الذي يستهل دعوته للأمم بالسلام، كما ورد: "يتكلم بالسلام للأمم وسلطانه من البحر إلى البحر" (زك 9: 10). وقوله: "فإن أجابتك بالسلام" (تث 20: 11)؛ أي أنهم سيتعهدون بالالتزام، كما قيل: "فيطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل، لا ترفع أمة على أمة سيفاً ولا يتعلمون الحرب فيما بعد" (إش 2: 4). وقوله: "فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك" (تث 20: 11)؛ أي أنهم سيحملون إليه الهدايا والقرابين، كما قيل: "يأتي شرفاء من مصر" (مز 68: 31)، أي أنهم سيهرعون لتقديم عطاياهم، "كوش تسرع بيديها إلى الله" (31)؛ أي أنهم سيسابقون الزمن لإحضار تقدماتهم. أما قوله: "وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً" (تث 20: 12)؛ فذلك حين تتسلل إليهم روح نجسة فيتمردون على الملك المسيح؛ وعندها سيبيدهم المسيح في الحال، كما قيل: "ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت الشرير بنفخة شفتيه" (إش 11: 4)، ولن يتبقى حينئذٍ سوى إسرائيل، كما ورد: "هكذا الرب وحده اقتاده وليس معه إله أجنبي" (تث 32: 12)]. مدراش رباه لراعوث (5: 6) [ثمة تفسير آخر أُثر عن الملك المسيح في قوله: "تقدمي إلى ههنا" (را 2: 14)؛ أي اقتربي من سدة الملكوت، "وكلي من الخبز" (14)؛ والمقصود به الخبز السلطاني، "اغمسي لقمتك في الخل" (14)؛ وهي إشارة إلى الآلام والضيقات، كما قيل: "وهو مجروح لأجل معاصينا" (إش 53: 5)، "فجلست بجانب الحصادين" (14 هـ)؛ وذلك لأنه عتيد أن يُنزع منه الملك لفترة وجيزة، كما ورد: "وأجمع كل الأمم على أورشليم للمحاربة، فتؤخذ المدينة" (زك 14: 2). وقوله: "فناولها فريكاً"؛ لأن السيادة ستعود إليه (للمسيح) ثانية، كما قيل: "ويضرب الأرض بقضيب فمه" (إش 11: 4)]. مدراش المزامير (21: 3) ["شهوة قلبه أعطيته، وملتمس شفتيه لم تمنعه" (مز 21: 2)؛ وما هو المعنى الكامن في عبارة "ملتمس -ארשת- شفتيه"؟ – إنه السلطان -רשות- الذي أُودع في شفتيه؛ إذ سيُقال للمسيح: "إن المدينة الفلانية قد تمردت"، فيقضي بقوله: "ليأتِ الجراد ويخربها"، ويُقال له: "إن المقاطعة الفلانية قد تمردت"، فيقضي بقوله: "ليحل بها ملاك الموت فيخربها"، كما قيل في المكتوب: "ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه" (إش 11: 4). فعبارة "ملتمس شفتيه" تعني أنه متى نطق بحكم، فإن كلامه نافذ ومستقر].
5 وَيَكُونُ الْبِرُّ مِنْطَقَهَ مَتْنَيْهِ، وَالأَمَانَةُ مِنْطَقَةَ حَقْوَيْهِ. وَيَكُونُ الْبِرُّ مِنْطَقَهَ مَتْنَيْهِ، سيتزين بالبر، ويتقوى به، ويكون مستعداً في كل حين لممارسته؛ لقد أحب البر وصنع أعمال البر طوال حياته؛ وبطاعته الفعالة والسلبية، صنع براً أبدياً لشعبه؛ هو ملك يملك بالبر، والبر هو صولجان ملكوته؛ وكل تدابير حكومته عادلة، وطرقُه حق واستقامة. وَالأَمَانَةُ مِنْطَقَةَ حَقْوَيْهِ. كان أميناً لله الذي أقامه ملكاً ورأساً للكنيسة؛ وأميناً كـ "نبي" في إعلان فكره ومشيئته؛ وهو رئيس كهنة أمين ورحيم. ويفسر الترجوم هذا عن الأبرار والأمناء كالتالي: "وَيَكُونُ الأَبْرَارُ حَوْلَهُ، وَالَّذِينَ يَعْمَلُونَ (عَمَلَ) الإِيمَانِ يَقْتَرِبُونَ إِلَيْهِ" لكن النص قيل عن شخص واحد، عن المسيا وحده، الذي يخصه هذا الوصف تماماً. الزوهار (بَلَق: 258- 262 / 3: 198 ب - 199) ["ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه" (إش 11: 5)؛ إن هذه الآية كلها تحمل دلالة واحدة، فما هو الجديد الذي أرادت أن تسمعنا إياه؟ أليس البر هو ذاته الأمانة، والأمانة هي البر؟ وهل تختلف منطقة المتن عن منطقة الحق؟ الحق أنه رغم كونهما واحداً في الجوهر، إلا أنهما يمثلان مستويين مختلفين؛ أحدهما علوي والآخر سفلي. فالعلوي يُدعى "المتن"، وما تحته يُدعى "الحق"، كما ورد: "وتنطقن على الأحقاء" (إش 32: 11). ولأجل التعبير عن القوة والمنعة في الحرب قيل: "ويكون البر منطقة متنيه" (5)، إذ في المتن تكمن قوة الإنسان. وللتعبير عن الرحمة والجود قيل: "الأمانة منطقة حقويه" (5). فبأحد هذين المستويين يدين المسيح العالم، وبالآخر يفيض بالرحمة على إسرائيل، فيكون في آنٍ واحد رحيماً بشعبه ودياناً لسائر الأمم]. ترجوم يوناثان لإشعياء [سيقوم ملك من ذرية يسى، ويُمسح مسيحٌ من أبناء أبنائه؛ فتحل عليه روح النبوة من قِبل الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب. فيجعل مخافة الرب قريبة منه، فلا يقضي بحسب ما تراه عيناه ولا يحكم بما تسمعه أذناه. بل يدين بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي أهل الأرض، ويضرب المذنبين في الأرض بكلمة فمه، وبنطق شفتيه يميت (أرميلاوس) الشرير. وسيكون الأبرار محيطين به، والمتمسكون بالأمانة مقربين منه]. يالكوت شمعوني للمزامير (72: 805) ["اللهم أعط أحكامك -משפטיך- للملك وبرك -צדקתך- لابن الملك" (مز 72: 1)؛ والمقصود بهذا هو الملك المسيح، كما قيل: "ويخرج قضيب من جذع يسى.. يقضي -שפט- بالعدل للمساكين" (إش 11: 1-4)، ومسطور كذلك: "ويكون البر -צדק- منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه" (5)].
6 فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعًا، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا. فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، تصف هذه الآية والآيات الثلاث التالية لها (7-9) الطبيعة السلمية لملكوت المسيا؛ والتي يستهلها الترجوم بهذا النحو: "فِي أَيَّامِ مَسِيحِ إِسْرَائِيلَ، يَكْثُرُ السَّلَامُ فِي الأَرْضِ". سوف تتفق المخلوقات البرية والأليفة معاً، وتتحول الأولى إلى طبيعة الثانية؛ وهذا لا يُفهم حرفياً عن الحيوانات المفترسة -بمعنى أنها تفقد طبيعتها وتعود إلى حالتها الفردوسية كما يُفترض في وقت رد كل شيء- بل يُفهم مجازياً عن البشر المشبهين بالوحوش؛ الذين بفعل النعمة الإلهية المصاحبة للكلمة المكروز بها، يصبحون ودعاء ومتواضعين. فأولئك الذين كانوا كالذئاب الخاطفة، يضطهدون خراف المسيح ويعيثون فيها فساداً وينفثون تهديداً وقتلاً ضدهم (كما فعل شاول الطرسوسي)، يصبحون بنعمة التغيير لطيفين وغير مؤذين كالحملان، ويتخذون مقرهم في حظيرة المسيح، بل إن بعضهم صار يطعم حملان وخراف المسيح كالشخص المذكور آنفاً. وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، أولئك الذين يشبهون النمر في شراسة طبعه وتعدد بقع ألوانه؛ الذين لا يستطيعون تغيير قلوبهم وأفعالهم أكثر مما يستطيع هذا المخلوق تغيير طبيعته وبقعه؛ تتأثر قلوبهم بقوة النعمة الإلهية لدرجة أنهم يتركون غيظهم ضد القديسين، ويغيرون مسار حياتهم، ويواظبون على الكلمة والوصايا، ويربضون بجوار خيام الرعاة حيث تغذي الكنيسة جداءها (أو الداخلين الجدد للإيمان). وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعًا، يسكنون ويرعون معاً، أو يربضون أو يسيرون معاً كما يتبع: وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا. يصبحون بنعمة الله منقادين جداً، حتى أنهم يُقادون ويُوجهون ويُحكمون بواسطة خُدام الإنجيل، أولئك "الأطفال والرضع" في نظر العالم الذين يعلن لهم المسيح عظائم إنجيله، ومن أفواههم يهيئ تسبيحاً. ويفسر "بوهليوس" هذا الصبي الصغير بأنه المسيح نفسه الذي يقودهم ويوجههم (انظر إشعياء 9: 6). ويحيل المفسرون اليهود هذه المقاطع إلى أزمنة المسيا؛ ويلاحظ موسى بن ميمون على وجه الخصوص أنها لا تُفهم حرفياً (كما لو أن نظام العالم سيتوقف أو يتجدد كما في بدء الخليقة)، بل تُفهم بمعنى رمزي ولغزي عن سكنى بني إسرائيل بأمان بين أشرار أمم العالم المشبهين بوحوش البرية.
7 وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعًا، وَالأَسَدُ كَالْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْنًا. وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. أي معاً، في حالة كنسية واحدة، وعلى مائدة واحدة، أو في مرعى واحد، يتغذيان على طعام الإنجيل الصحيح وعقائد المسيح المحيية. فبعد أن كانا من طباع مختلفة (أحدهما أليف ونافع يقدم لبن الكلمة الإلهية، والآخر شرس وضار يضطهد حملان المسيح)، صار لهما الآن ذات الطبيعة، بلا ضغينة وبلا خوف من أحدهما للآخر. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعًا، أولئك المشبهون بالعجل وجرو الدب، يربضون في المراعي الخضراء لوصايا الإنجيل، ولا يؤذي الأخيرُ الأولَ، لكونهما بفكر واحد ومتفقين في العقيدة والعمل. وَالأَسَدُ كَالْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْنًا. الملوك سيكونون آباءً مربين للكنيسة، ويتغذون على ذات مؤن الإنجيل؛ وسيكون هناك توافق عظيم بين من كانوا مشبهين سابقاً بالأسود في قوتهم وبطشهم، وبين خدام الإنجيل المشبهين بالثيران في قوتهم وجلدهم في العمل (1 كورنثوس 9: 9). وكلمة "تبن" هنا تشير إلى العقيدة الصحيحة (رغم أنها في موضع آخر تشير للباطلة، انظر 1 كورنثوس 3: 12). مدراش رباه للخروج (15: 21) [في تفسير "هذا (الشهر/الجديد) يكون لكم" (خر 12: 2)؛ نجد ما كُتب في النص: "هوذا الأوليات قد أتت والحديثات -חדשות- أنا مخبر بها" (إش 42: 9). وهل يُعقل أن تظهر مستجدات في المستقبل الآتي؟ أليس المكتوب يقول: "ما كان فهو ما يكون والذي صنع فهو الذي يصنع فليس تحت الشمس جديد" (جا 1: 9)؟ – بلى، إلا أننا نجد عشرة أمور عظيمة سيُحدثها القدوس تبارك اسمه في المستقبل الآتي.. والأمر السادس منها هو: "والبقرة والدبة ترعيان" (إش 11: 7)]. مدراش الأجاداه للتكوين (79: 6) ["والأسد كالبقر يأكل تبناً" (إش 65: 25)؛ وبما أن "بكر ثوره زينة له" (تث 33: 17)، فإنه يُرسل الأسد عند البقر، ومصداق ذلك قوله: "فأرسل يهوذا أمامه" (تك 46: 28). وقوله: "والأسد كالبقر يأكل تبناً" (إش 11: 7)؛ ما علته؟ – علته أنه لن تبقى ضغينة أو كراهية بينهم، كما قيل: "فيزول حسد إفرايم وينقرض المضايقون من يهوذا" (إش 11: 13). وكذلك سيكون في المستقبل الآتي عندما يقوم الممسوح للحرب من نسل يوسف، والمسيح بن داود من نسل يهوذا، كما ورد: "إفرايم لا يحسد يهوذا ويهوذا لا يضايق إفرايم" (13)].
8 وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ. وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، بلا خوف أو خطر. وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ. ولا يصيبه ضرر. ويُفسر المعنى في الكلمات التالية بأنه يخص الأشخاص المتجددين، سواء كانوا أطفالاً مولودين حديثاً في الإيمان، أو أولئك الذين فُطموا عن برهم الذاتي ويعيشون بالإيمان بالمسيح؛ فهؤلاء لن يتضرروا من سم المعلمين الكذبة، ولا من بطش المضطهدين العنيفين الذين لن يكون لهم وجود بعد الآن.
9 لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ. لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، أي في الكنيسة، التي دُعيت بهذا الاسم إشارة إلى جبل صهيون المقدس؛ ففي الأيام الأخيرة، وبعد دمار "ضد المسيح"، لن يكون هناك اضطهاد للقديسين؛ ولن يتعرضوا للأذى أو المضايقة من الأشرار الذين شُبّهوا بالوحوش آنفة الذكر في قسوتهم أو مكرهم؛ والسبب يتبع: لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ. ستمتلئ الأرض بالإنجيل، وهو الوسيلة لنقل معرفة المسيح، ومعرفة الله في المسيح، ومعرفة شخصه وعمله، ونعمته وبره، وسلامه وصفحه، والحياة والخلاص به. وتُشير العبارة إلى وفرة وعمق المعرفة بالأمور الإلهية، والانتشار الواسع للإنجيل، وجمهور الأشخاص الذين سيتبركون به؛ بحيث لا يبقى من يزعج أو يضايق شعب الله (انظر حبقوق 2: 14). ولقد كان لهذه النبوة بوادر تحقيق في عدة أزمنة: مثل بدايات الإنجيل حين ذهب صوت الرسل إلى كل الأرض، وفي زمن قسطنطين حين أُلغيت الوثنية وأصبح السلام؛ لكن التحقيق الكامل لم يأتِ بعد، حين يطير الملاك وسط السماء ومعه إنجيل أبدي ليكرز لكل الناس، وتستنير الأرض بمجده. وقد طبّق اليهود، القدماء والمعاصرون، هذا النص على زمن المسيح. الزوهار (تروماه: 383 / 2: 147) [بكى الرابي شمعون بن يوحاي وقال: "إنني على يقين تام بأن الروح القدس العلوية تسري فيكم. طوبى لهذا الجيل، فلن يشهد العالم جيلاً مثله حتى يظهر الملك المسيح، حيث ستعود التوراة إلى بهائها ومجدها القديم. فطوبى لأولئك الأبرار في هذا العالم وفي العالم الآتي"].
10 وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَصْلَ يَسَّى الْقَائِمَ رَايَةً لِلشُّعُوبِ، إِيَّاهُ تَطْلُبُ الأُمَمُ، وَيَكُونُ مَحَلُّهُ مَجْدًا. وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَصْلَ يَسَّى أي المسيا؛ ودُعي بهذا الاسم إما بالنسبة لطبيعته البشرية التي ستنبت من يسى؛ كما جاء في الترجوم: "وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْنٌ مِنْ أَبْنَاءِ يَسَّى". الذي كان عند تجسده كجذر تحت الأرض، مخفياً عن الناس من جهة مجد شخصه وملء نعمته؛ أو بالأحرى بالنسبة لطبيعته الإلهية، تماماً كما دُعي "أصل وذرية داود" (رؤيا 5: 5)؛ "الأصل" بكونه الله، و"الذرية" بكونه إنساناً؛ فتشير العبارة إلى أزليته بكونه قبل يسى وقبل أي مخلوق، وبكونه الخالق والحافظ ليسى وللجميع. واليهود قديماً وحديثاً يفهمون هذا عن المسيا. الْقَائِمَ رَايَةً لِلشُّعُوبِ، في خدمة الإنجيل، لجمع شعب الله إليه، ليتجندوا في خدمته ويحاربوا تحت رايته حيث النصر مؤكد؛ فالراية المرفوعة هي لجمع الجنود، وعلامة للاستعداد للحرب، واتجاه يعرفون من يتبعون؛ وهكذا هو التبشير بالمسيح وإنجيله. إِيَّاهُ تَطْلُبُ الأُمَمُ، أي تطلب المسيح؛ ليس عن فضول أو بمآرب دنيوية، بل بإخلاص وبكل قلوبهم؛ يطلبون فيه ملكوت الله وبره، والمجد والسعادة الأبدية، والبر الذي يبررهم. أو "إليه يفزعون" كما إلى راية أو حصن للحماية من الأعداء؛ أو "إياه يستشيرون" لطلب النصيحة، فهو "المشير العجيب" (إشعياء 9: 6). هذه نبوة عن دعوة الأمم التي بدأت في عصور الإنجيل الأولى وستكتمل في الأيام الأخيرة. وَيَكُونُ مَحَلُّهُ مَجْدًا. إما الراحة التي يمنحها المسيح لمن يطلبونه (راحة روحية هنا، وكما يمكن ترجمة الكلمات راحة في المجد هناك)؛ أو هي الراحة التي يتمتع بها المسيح نفسه بعد إتمام عمله وجلوسه عن يمين العظمة؛ أو بالأحرى يقصد بها "كنيسته" التي هي محل راحته (مزمور 132: 13)، والتي هي مجيدة ببره ونعمته وحضوره. ترجوم يوناثان لإشعياء [في أيام مسيح إسرائيل، سيعظم السلام في كافة أرجاء الأرض؛ إذ يسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر بجانب الجدي، ويجتمع العجل والأسد والماشية المسمنة معاً، ويقودهم صبي صغير. وترعى البقرة والدبة جنباً إلى جنب، ويربض أولادهما معاً، ويقتات الأسد على التبن كالبقر. ويلعب الرضيع فوق جحر الثعابين، ويمد الفطيم يده على مقلة عين الحية السامة. فلا يسوؤون ولا يفسدون في كل جبل قدسي؛ لأن الأرض ستمتلئ من مخافة الرب كما تغمر المياه قاع البحر. ويكون في ذلك الزمان أن ابن أبناء يسى، العتيد قيامه ليكون رايةً للشعوب، ستطيعه الملوك قاطبة، ويكون مستقره ومحله مكللاً بالمجد]. مدراش المزامير (21: 2) ["لإمام المغنين مزمور لداود؛ يا رب بقوتك يفرح الملك" (مز 21: 1)؛ إن هذا القول هو ذاته المسطور في قوله: "ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم (يكون) رايةً للشعوب" (إش 11: 10). وهذا هو المسيح بن داود الذي يظل مخبأً ومحجوباً حتى وقت النهاية. وذكر الرابي تانحوما: أن الملك المسيح لن يأتي إلا ليعطي أمم العالم ست وصايا (أمثال فريضة المظال، وحمل اللولب، ووضع التفيلين). أما إسرائيل، فستتعلم التوراة من القدوس تبارك اسمه مباشرة، كما قيل: "وكل بنيك تلاميذ الرب" (إش 54: 13). ولماذا لا يتعلمون من المسيح؟ – لأجل ما كُتب: "إياه تطلب الأمم" (10)، أي أن طلبه سيكون من قِبل الأمم. وأورد الرابي حنينا باسم الرابي أحا: في معنى قوله "ويكون محله مجداً" (10)؛ أي أن الله سيمنحه من مجده العُلوي، ولأجل هذا قيل: "بقوتك يفرح الملك" (مز 21: 1)]. مدراش رباه للتكوين (98: 9) ["رابطاً بالكرمة جحشه وبالجفنة ابن آتانه" (تك 49: 11)؛ ذكر الربوات (الحكماء) أن الرب يقول: "أنا سأرتبط بالكرمة وبالجفنة"، والمقصود بقوله "جحشه.. آتانه"؛ هو وقت مجيء ذاك الذي كُتب فيه: "هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان" (زك 9: 9)]. الزوهار (تروماه: 860 / 2: 172) [وحينئذٍ تنفتح الكوة السابعة في أرجاء العالم كله، ويظهر نجمها الذي هو "نجم يعقوب"، وهو ما تنبأ به بلعام بقوله: "يبرز نجم من يعقوب" (عد 24: 17). وسيظل هذا النجم ساطعاً لمدة أربعين يوماً وليلة. وعندما يتجلى الملك المسيح وتتحلق حوله كافة أمم العالم، يتحقق ما ورد في المكتوب: "أصل يسى القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجداً" (إش 11: 10)].
11 وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ السَّيِّدَ يُعِيدُ يَدَهُ ثَانِيَةً لِيَقْتَنِيَ بَقِيَّةَ شَعْبِهِ، الَّتِي بَقِيَتْ، مِنْ أَشُّورَ، وَمِنْ مِصْرَ، وَمِنْ فَتْرُوسَ، وَمِنْ كُوشَ، وَمِنْ عِيلاَمَ، وَمِنْ شِنْعَارَ، وَمِنْ حَمَاةَ، وَمِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ. وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ الذي سبق ذكره، ويشمل كل عهد الإنجيل. أَنَّ السَّيِّدَ يُعِيدُ يَدَهُ ثَانِيَةً تشير "ثانية" إلى وجود "مرة أولى" بذل فيها الرب قوته لاستعادة شعبه، وهي الخروج من مصر الذي كان رمزاً لخلاص شعب الرب في زمن المسيح؛ ومن المعتاد عند اليهود تسمية موسى "الفادي الأول" والمسيا "الفادي الأخير"؛ لذا فهذه المرة الثانية تشير لأزمنة المسيا، وليس للرجوع من سبي بابل (الذي لم يكن فداءً كاملاً كما يلاحظ راشي وكيمحي). لِيَقْتَنِيَ بَقِيَّةَ شَعْبِهِ، أو "الحصول" أو "امتلاك"؛ بثمن دم المسيح، ودعوتهم واهتدائهم، عندما يطالب بهم الرب، ويمتلكهم ويتمتع بهم، كما لو كانوا خاصته؛ ولأنهم ليسوا سوى بقية اختارها الله لشعبه، وفداهم المسيح بدمه، فهم ليسوا مدعوين آخرين؛ مع أنه يمكن هنا تسميتهم بقية، أو ما تبقى، بالنسبة لأولئك الذين دُعوا بالفعل: الَّتِي بَقِيَتْ، مِنْ أَشُّورَ، وَمِنْ مِصْرَ، ذكر مصر وأماكن أخرى مع أشور يؤكد أن هذا لا يخص سبي بابل؛ بل الأماكن التي سيكون للمسيح فيها شعب في أزمنة الإنجيل؛ وبعضها حدث بالفعل (بابل ومصر 1 بطرس 5: 13)، أو الخلاص من طغيان "ضد المسيح" (المدعو روحياً مصر وبابل). وَمِنْ فَتْرُوسَ، يرى البعض أنها "بارثيا" (Parthia)؛ والبعض الآخر يرى أنها جزء من صعيد مصر (طيبة/Thebais) المتاخم للحبشة. يفهم البعض من ذلك أنها بارثيا مثل منسى بن إسرائيل، ويرجح كالفن هذا التفسير؛ فقد اعتنق كثيرون من هذه البلاد المسيحية في بدايات انتشار الإنجيل؛ وتُعرف رسالة يوحنا الرسول الأولى عند القدماء برسالة الفرثيين (انظر أعمال الرسل 2: 9)، ومن المرجح أن يكون هناك المزيد منهم في الأيام الأخيرة. ويعتقد آخرون أن المقصود هو الجزيرة العربية البتراء؛ ويبدو أنها جزء من مصر ذُكرت آخر مرة، كما يظهر في حزقيال 29: 14، وقد ذُكرت مع بعض المدن المصرية (إرميا 44: 1)، ومن المرجح أن اسمها مشتق من بتروسيم، ابن مصرايم (تكوين 10: 14). والمقصود هنا طيبة، أقصى مصر، المجاورة لإثيوبيا، والتي قصدها بعض العلماء، وفقًا للسير جون مارشام وبوشارت ، وآخرين من بعدهم. وَمِنْ كُوشَ، أي إثيوبيا؛ أو بلاد العرب (غلاطية 1: 17). والترجوم يترجمها: "من الهند". وَمِنْ عِيلاَمَ، إقليم في فارس (دانيال 8: 2)؛ وقد سمع العيلاميون عجائب الله يوم الخمسين (أعمال 2: 9). وَمِنْ شِنْعَارَ، في كلدة، حيث بُني برج بابل؛ ولذا يترجمها الترجوم: "من بابل". وَمِنْ حَمَاةَ، ويقصد بها أنطاكية أو قيليقية، أو بلاد في شمال لبنان. وَمِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ. أو جزر الغرب؛ الجزر الأوروبية (إنجلترا، أيرلندا، اسكتلندا وغيرها). جيروم (هيرونيموس): المعنى هنا هو: موته سيكون مجيداً لكي يتحقق ما صلاه المخلص في الإنجيل: "يا أبتِ، مجدني بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم". قيل هذا عن ميلاده وعن أسرار أخرى في المشهد العام. لقد جاء إلى الموت ذاك الذي لم يعتد أن يحمل اسم الموتى، ولكن لأن الحياة الأبدية كانت في المسيح، فقد سُمي (الموت) "راحة". أما نحن، ومن أجل جعل المعنى واضحاً للقارئ، فقد استبدلنا "الراحة" و"الرقاد" بكلمة أخرى لها نفس المعنى: "القبر". في ذلك الوقت إذن، عندما يشرق إنجيل المسيح في كل العالم وتمتلئ الأرض من معرفة الله، كمياه البحر التي تغطي البر، سيكون أصل يسى وذاك الذي يقوم من جذعه راية لجميع الشعوب، لكي يروا علامة ابن الإنسان في السماء. ستكون له قرون (أشعة) في يديه، حيث تكمن قوته، لكي عندما يرتفع يجذب إليه الجميع.
12 وَيَرْفَعُ رَايَةً لِلأُمَمِ، وَيَجْمَعُ مَنْفِيِّي إِسْرَائِيلَ، وَيَضُمُّ مُشَتَّتِي يَهُوذَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَطْرَافِ الأَرْضِ. وَيَرْفَعُ رَايَةً لِلأُمَمِ، لأجل جمعهم ودعوتهم؛ وهذا ما فعله في خدمة الإنجيل حيث رُفع المسيح كمخلص وحيد وقائد للخلاص لكي يهرب إليه الخطاة؛ وسيستمر في ذلك حتى يُجمع كل شعبه من أطراف العالم. وَيَجْمَعُ مَنْفِيِّي إِسْرَائِيلَ، أولئك من الأسباط العشرة الذين تشتتوا، فدُعوا بواسطة الرسل وجُمعوا في كنائس الأمم؛ وسيكون ذلك في الأيام الأخيرة حين يخلص جميع إسرائيل. وَيَضُمُّ مُشَتَّتِي يَهُوذَا اليهود المشتتين كالخراف الضالة بين أمم العالم. مِنْ أَرْبَعَةِ أَطْرَافِ الأَرْضِ. وهذا يؤكد أن النبوة لا تخص العودة من بابل (التي كانت من جهة واحدة فقط). وجاء في الترجوم: "مِنْ أَرْبَعِ رِيَاحِ الأَرْضِ" وهي ذات العبارة الموجودة في (رؤيا 7: 1). مدراش المزامير (107: 4) [خاطب القدوس تبارك اسمه إسرائيل قائلاً: "عندما كنتم في ديار مصر كنتم مشتتين، فجمعتكم في وقت يسير إلى رعمسيس. والآن، وأنتم متفرقون في شتى بقاع الأرض، فكما جمعتكم في غابر الأزمان، كذلك سأجمع شملكم في المستقبل الآتي"، كما ورد في النص: "ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانيةً ليقتني بقية شعبه. ويرفع راية للأمم ويجمع منفيي إسرائيل ويضم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض" (إش 11: 11-12). ولأجل ذلك قيل: "ومن البلدان جمعهم" (مز 107: 3)].
13 فَيَزُولُ حَسَدُ أَفْرَايِمَ، وَيَنْقَرِضُ الْمُضَايِقُونَ مِنْ يَهُوذَا. أَفْرَايِمُ لاَ يَحْسِدُ يَهُوذَا، وَيَهُوذَا لاَ يُضَايِقُ أَفْرَايِمَ. فَيَزُولُ حَسَدُ أَفْرَايِمَ، ذلك الحسد الذي كان يكنّه ليهوذا بسبب مملكة بيت داود ووجود الهيكل في ذلك السبط؛ وليس المقصود هنا الحدث التاريخي بحد ذاته، بل الإشارة إليه؛ والمعنى أن أي حسد أو غيرة كانت قائمة بين الأمم واليهود، أو بين اليهود والأمم، ستزول تماماً عندما يُجمعون في حالة كنسية واحدة؛ وكل ما ظهر من هذا القبيل بين الطوائف المسيحية سيتبخر عندما يسود الإنجيل بقوته ونقائه الأرضَ ويملأها. وَيَنْقَرِضُ الْمُضَايِقُونَ مِنْ يَهُوذَا. أي أعداء شعب الله المجاهر بعبادته، فلن يكون لهم وجود بعد الآن. أَفْرَايِمُ لاَ يَحْسِدُ يَهُوذَا، وَيَهُوذَا لاَ يُضَايِقُ أَفْرَايِمَ. تكرر العبارة لتأكيدها؛ والمعنى أن كل الضغائن والخصومات والشقاقات ستنتهي بين شعب الله، وسيسود بينهم سلام وانسجام تام. ويفسر "راشي" هذا عن "المسيحين" اللذين يحلم بهما اليهود: مسيح بن يوسف، ومسيح بن يهوذا. مدراش الأجاداه للتكوين (79: 6) ["والأسد كالبقر يأكل تبناً" (إش 65: 25)؛ وبما أن "بكر ثوره زينة له" (تث 33: 17)، فإنه يُرسل الأسد عند البقر، كما قيل: "فأرسل يهوذا أمامه" (تك 46: 28). وقوله: "والأسد كالبقر يأكل تبناً" (إش 11: 7)؛ ما سببه؟ – سببه تلاشي روح العداء بينهم، لقوله: "فيزول حسد إفرايم وينقرض المضايقون من يهوذا" (إش 11: 13). وكذلك سيكون في المستقبل الآتي حين يقوم الممسوح للحرب من نسل يوسف، والمسيح بن داود من نسل يهوذا، كما قيل: "إفرايم لا يحسد يهوذا ويهوذا لا يضايق إفرايم" (13)].
14 وَيَنْقَضَّانِ عَلَى أَكْتَافِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ غَرْبًا، وَيَنْهَبُونَ بَنِي الْمَشْرِقِ مَعًا. يَكُونُ عَلَى أَدُومَ وَمُوآبَ امْتِدَادُ يَدِهِمَا، وَبَنُو عَمُّونَ فِي طَاعَتِهِمَا. وَيَنْقَضَّانِ عَلَى أَكْتَافِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ غَرْبًا، أي أن أفرايم ويهوذا لن يتفقا فيما بينهما فحسب، بل سينضمان ببهجة معاً ضد العدو المشترك؛ "ينقضان بكتف واحدة" كما يُستخدم التعبير في (هوشع 6: 9 وصفنيا 3: 9) للدلالة على الإجماع؛ وكما جاء في الترجوم: "وَيَتَّحِدَانِ مَعاً بِكَتِفٍ وَاحِدَةٍ لِضَرْبِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ" ويرى "أبرابانيل" أنها تشير إلى سفن الفلسطينيين والغربيين (أهل جنوة والبندقية) التي ستأتي بالإسرائيليين من الغرب إلى الشرق. وعندما أُرسل الإنجيل للعالم، بدأ التبشير في أجزاء من فلسطين حيث آمن الكثيرون؛ و"الوثوب على أكتافهم" يشير لغزوهم وإخضاعهم للإنجيل، وسرعة الرسل (وكلهم يهود) في حمل الرسالة إليهم. كما قد تشير إلى الدول "ضد المسيحية" التي ستنبذ الضلال وتعتنق الإنجيل. وَيَنْهَبُونَ بَنِي الْمَشْرِقِ مَعًا. السوريين والعرب شرق يهوذا؛ ولعل المقصود تدمير القوى التي تعيق انتشار الإنجيل في المشرق ليتمكن ملوك المشرق من معرفة المسيح (رؤيا 16: 12). يَكُونُ عَلَى أَدُومَ وَمُوآبَ امْتِدَادُ يَدِهِمَا، أي يبسطان سيطرتهما عليهما؛ ويُفهم ذلك عن إرسال الإنجيل بأيدي خدامه إلى تلك البلاد لإخضاعها للمسيح. وَبَنُو عَمُّونَ فِي طَاعَتِهِمَا. أي يخضعون لشرائع ووصايا المسيح في بيت الله.
15 وَيُبِيدُ الرَّبُّ لِسَانَ بَحْرِ مِصْرَ، وَيَهُزُّ يَدَهُ عَلَى النَّهْرِ بِقُوَّةِ رِيحِهِ، وَيَضْرِبُهُ إِلَى سَبْعِ سَوَاق، وَيُجِيزُ فِيهَا بِالأَحْذِيَةِ. وَيُبِيدُ الرَّبُّ لِسَانَ بَحْرِ مِصْرَ، يفسرها كيمحي وأبرابانيل بنهر "شيحور" أو النيل؛ ويرى آخرون أنه خليج في بحر مصر سُمي باللسان لشكله؛ وإبادته تعني "تجفيفه" ليعبر الناس عليه بغير بلل؛ والإشارة هنا إلى تجفيف البحر الأحمر عند الخروج. ومجازيًا تشير إلى الدمار التام لروما التي تُدعى روحيًا "مصر" (رؤيا 11: 8) بلعنة من الرب؛ وهو ما سيحدث في معركة "هرمجدون". وَيَهُزُّ يَدَهُ عَلَى النَّهْرِ بِقُوَّةِ رِيحِهِ، إشارة إلى مد موسى يده فوق البحر الأحمر وتجفيفه بريح شرقية (خروج 14: 21). ويرى راشي وكيمحي أن "النهر" المعرف هنا هو نهر الفرات، وهو المقصود عادة في الكتاب المقدس عندما يُذكر "النهر" دون تفسير؛ وجاء في الترجوم: "وَيُجَفِّفُ الرَّبُّ لِسَانَ بَحْرِ مِصْرَ، وَيَرْفَعُ ضَرْبَةَ قُوَّتِهِ عَلَى الْفُرَاتِ بِكَلِمَةِ أَنْبِيَائِهِ؛"وَيُبِيدُ الرَّبُّ لِسَانَ بَحْرِ مِصْرَ، يفسرها كيمحي وأبرابانيل بنهر "شيحور" أو النيل؛ ويرى آخرون أنه خليج في بحر مصر سُمي باللسان لشكله؛ وإبادته تعني "تجفيفه" ليعبر الناس عليه بغير بلل؛ والإشارة هنا إلى تجفيف البحر الأحمر عند الخروج. ومجازياً تشير إلى الدمار التام لروما التي تُدعى روحياً "مصر" (رؤيا 11: 8) بلعنة من الرب؛ وهو ما سيحدث في معركة "هرمجدون". وَيَهُزُّ يَدَهُ عَلَى النَّهْرِ بِقُوَّةِ رِيحِهِ، إشارة إلى مد موسى يده فوق البحر الأحمر وتجفيفه بريح شرقية (خروج 14: 21). ويرى راشي وكيمحي أن "النهر" المعرف هنا هو نهر الفرات، وهو المقصود عادة في الكتاب المقدس عندما يُذكر "النهر" دون تفسير؛ وجاء في الترجوم: "وَيُجَفِّفُ الرَّبُّ لِسَانَ بَحْرِ مِصْرَ، وَيَرْفَعُ ضَرْبَةَ قُوَّتِهِ عَلَى الْفُرَاتِ بِكَلِمَةِ أَنْبِيَائِهِ؛" وهذا يشير إلى تدمير القوى المعادية التي يرمز إليها تجفيف نهر الفرات في (رؤيا 16: 12). وَيَضْرِبُهُ إِلَى سَبْعِ سَوَاق، ظن البعض أن المقصود النيل لفروعه السبعة؛ لكن يُلاحظ أن نهر الفرات جُفف بسبع قنوات بواسطة "كورش" عند فتح بابل ليدخل جنوده بغير بلل، ولعل الإشارة هنا إلى ذلك؛ وهي ترمز للدمار الشامل لتلك الإمبراطورية بكل فروعها؛ فـ "سبعة" ترمز للكثرة. وَيُجِيزُ فِيهَا بِالأَحْذِيَةِ. أي يعبرون وأحذيتهم في أرجلهم دون حاجة لخلعها لأن المجاري قد جفت؛ والمقصود "ملوك المشرق" (رؤيا 16: 12)، وكل هذه التعبيرات تشير لإزالة كافة العوائق من طريق شعب الله لاعتناق المسيحية. وهذا يشير إلى تدمير القوى المعادية التي يرمز إليها تجفيف نهر الفرات في (رؤيا 16: 12). وَيَضْرِبُهُ إِلَى سَبْعِ سَوَاق، ظن البعض أن المقصود النيل لفروعه السبعة؛ لكن يُلاحظ أن نهر الفرات جُفف بسبع قنوات بواسطة "كورش" عند فتح بابل ليدخل جنوده بغير بلل، ولعل الإشارة هنا إلى ذلك؛ وهي ترمز للدمار الشامل لتلك الإمبراطورية بكل فروعها؛ فـ "سبعة" ترمز للكثرة. وَيُجِيزُ فِيهَا بِالأَحْذِيَةِ. أي يعبرون وأحذيتهم في أرجلهم دون حاجة لخلعها لأن المجاري قد جفت؛ والمقصود "ملوك المشرق" (رؤيا 16: 12)، وكل هذه التعبيرات تشير لإزالة كافة العوائق من طريق شعب الله لاعتناق المسيحية.
16 وَتَكُونُ سِكَّةٌ لِبَقِيَّةِ شَعْبِهِ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ أَشُّورَ، كَمَا كَانَ لإِسْرَائِيلَ يَوْمَ صُعُودِهِ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. وَتَكُونُ سِكَّةٌ لِبَقِيَّةِ شَعْبِهِ أي طريق عبر النهر؛ فبعد تجفيفه وإزالة كل العوائق، سيصبح الطريق واضحاً للجموع للسير دون انقطاع، كأنه طريق عام ممهد؛ فبعد زوال الممالك والديانات المعادية، يتضح طريق الحق والقداسة لبقية شعب الرب. الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ أَشُّورَ، وتقرأ السبعينية والعربية: "التي بقيت في مصر"؛ ويقصد بها البقية بحسب اختيار النعمة في أي من تلك البلاد، والذين سيُساقون في ذلك الوقت لمعرفة المسيح والسلوك في طرقه. كَمَا كَانَ لإِسْرَائِيلَ يَوْمَ صُعُودِهِ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. أي تماماً كما شُق طريق عبر البحر الأحمر عبر فيه إسرائيل كأرض يابسة عند خروجهم نحو كنعان.
 ⏮