⪡ 1تَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ، وَيَبْتَهِجُ الْقَفْرُ وَيُزْهِرُ كَالنَّرْجِسِ. هذا الأصحاح هو تنبؤ بمجد وازدهار كنيسة الإنجيل، وبالبركات التي تنالها من المسيح. ويُعبّر عن حالتها المزدهرة بخصوبة القفر الذي يصير مثل لبنان وكرمل وشارون؛ وبرؤية سكانها لمجد وعظمة المسيح (العدد 1). ويُوجَّه فيه النصح والحث لخدام الكلمة لكي يشددوا الأيادي المسترخية ويعزوا صغار النفوس، بتأكيد مجيء المسيح لتخليصهم (العدد 3)، حيث ستُجرى المعجزات في الطبيعة والنعمة على حد سواء، وستطرأ تغييرات عظيمة على البرية بقدرة الله (العدد 5). كما يصف الطريق الذي سيُمهد، ويشير إلى الأشخاص الذين يسلكون فيه، وإلى الغاية التي سيؤولون إليها: الفرح والسعادة الأبدية (العدد 8).
تَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ،
إما "لهؤلاء" الوحوش والسباع والبوم والشواهين التي ستسكن "أدوم" أو "روما"، وكونها صارت مسكناً لهم؛ أو تفرح "بسببهم" أي بسبب الأدوميين وهلاكهم؛ وهذا يعني كما يفسر الترجوم:
"يفرح الساكنون في القفر وفي الأرض اليباس"؛
وهي الكنيسة التي في البرية، التي اضطرت للهرب إلى هناك من اضطهاد "ضد المسيح"، فصارت موحشة كالبرية؛ وسُميت كذلك تشبيهاً ببني إسرائيل في البرية (أعمال 7: 38)؛ فهي ستفرح الآن لخراب بابل والدول المعادية للمسيح، وبذلك ستنتقل إلى حالة أكثر ازدهاراً؛ انظر (رؤيا 12: 14).
وَيَبْتَهِجُ الْقَفْرُ وَيُزْهِرُ كَالنَّرْجِسِ.
أو "كالسوسن" كما في السبعينية والفولجاتا والعربية؛ وهكذا الترجوم: "كالسوسن". ليس المقصود هنا أرض يهوذا أو أورشليم التي صارت كالقفر بسبب ويلات جيش ملك آشور ثم ازدهرت برحيله؛ بل بالأحرى عالم الأمم، الذي كان كالبرية قاحلاً وغير مثمر قبل وصول الإنجيل إليه؛ ولكن بواسطة الإنجيل، الذي جلب معه الفرح واتسم بعبير طيب، إذ نشر رائحة معرفة المسيح في كل مكان، صار العالم مثمراً ومزدهراً وذا رائحة ذكية، وبدا مبهجاً وساراً. وإن كان الأفضل فهمها عن "كنيسة الأمم" في الأيام الأخيرة، بعد دمار ضد المسيح، حين ستكون في وضع مريح ومرغوب للغاية. هذه الكلمات ترتبط اتصالاً وثيقاً بالأصحاح السابق (إشعياء 34: 1) وتتبعه بانسجام تام.
غريغوريوس النيسي: وأين نضع ذلك القول من إشعياء، الذي يصرخ إلى القفر: "افرحي أيتها البرية العطشى. ولتبتهج القفر وتزهر كالسوسن، وتزهر قفار الأردن وتبتهج"؟ فمن الواضح أنه ليس للأماكن التي بلا نفس أو حس يعلن بشائر الفرح، بل هو يتكلم، برمز البرية، عن النفس العطشى وغير المزينة ..... ويُعطى "بهاء الكرمل" للنفس التي تحمل شبه البرية، أي النعمة الممنوحة من خلال الروح. فلأن إيليا سكن في الكرمل، وصار الجبل شهيراً ومرموقاً بفضيلة مَن سكن هناك، وبما أن يوحنا المعمدان، المتألق بروح إيليا، قد قدس الأردن، فقد تنبأ النبي بأن "بهاء الكرمل" سيُعطى للنهر ..... وينقل "مجد لبنان"، من شبه أشجاره الشامخة، إلى النهر. فكما يقدم لبنان العظيم سبباً كافياً للعجب في الأشجار ذاتها التي يخرجها ويغذيها، هكذا يتمجد الأردن بتجديد الناس وغرسهم في فردوس الله. وعنهم، كما تقول كلمات المرتل، إذ يزهرون دائماً ويحملون أوراق الفضائل: "ورقهم لا يذبل"، والله سيفرح بقبول ثمرهم في أوانه، مبتهجاً كغارس صالح بأعماله الخاصة.
2يُزْهِرُ إِزْهَارًا وَيَبْتَهِجُ ابْتِهَاجًا وَيُرَنِّمُ. يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَجْدُ لُبْنَانَ. بَهَاءُ كَرْمَلَ وَشَارُونَ. هُمْ يَرَوْنَ مَجْدَ الرَّبِّ، بَهَاءَ إِلهِنَا. يُزْهِرُ إِزْهَارًا وَيَبْتَهِجُ ابْتِهَاجًا وَيُرَنِّمُ.
تكرار في الألفاظ للتعبير عن حالة الازدهار البالغ للكنيسة والفرح العظيم الذي سيسود في تلك المناسبة، وكذلك بسبب دمار أعدائهم وخلاصهم منهم.
يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَجْدُ لُبْنَانَ.
وهو جبل في يهوذا (فلسطين التاريخية)، مشهور بأشجار الأرز المختارة والسامقة التي كانت مجده؛ ويشير هذا إلى أن كنيسة الله، التي كانت في حالة خراب، ستفيض بالمسيحيين المختارين والممتازين، المشبهين بأرز لبنان. يفسرها "راشي" عن "المقدس" أو "الهيكل"؛ الذي قد يُسمى كذلك لأنه بُني من خشب لبنان. لقد كان الهيكل رمزاً ونمطاً لكنيسة الإنجيل؛ ومجده لم يكن في شكله وبنائه الخارجي فحسب، بل في تلك الأشياء التي كانت في مقادسه، لاسيما قدس الأقداس، والتي كانت كلها رموزاً لأمور روحية في أزمنة الإنجيل؛ وبناءً عليه، فإن كل مجد حالة الكنيسة اليهودية وهيكلها يُنقل إلى كنيسة الأمم، إلى حالة كنيسة الإنجيل المسيحية؛ وهو ما سيظهر جلياً أكثر في الأيام الأخيرة عندما يُفتح هيكل الله في السماء وتظهر تابوت عهده؛ انظر (رؤيا 11: 19).
بَهَاءُ كَرْمَلَ وَشَارُونَ.
وهما مكانان في أرض يهوذا مشهوران بالخصوبة والمراعي؛ وبذلك يشيران إلى الخصوبة العظيمة جداً لكنيسة الإنجيل؛ التي كلمتها ووصاياها هي "مراعٍ خضر" لخراف المسيح تتغذى عليها، وبها تسمن وتزدهر.
هُمْ يَرَوْنَ مَجْدَ الرَّبِّ، بَهَاءَ إِلهِنَا.
يستهل الترجوم هذه العبارة بقوله: "بيت إسرائيل، الذين قيلت لهم هذه الأشياء، هم سيرون..."؛ ولكن ليس المقصود هنا "إسرائيل" بالمعنى الحرفي، بل كنيسة الأمم التي كانت سابقاً في البرية؛ أو على أي حال، الأشخاص المهتدون، سواء كانوا يهوداً أم أمماً، في الأيام الأخيرة، الذين سيرون مجد القدرة الإلهية في دمار أعدائهم؛ وجمال وعظمة النعمة الإلهية في البركات المسبغة عليهم؛ سيرون مجد الرب الذي سيشرق عليهم حينئذ (إشعياء 60: 1). "الرب إلهنا" هو الرب يسوع المسيح، الذي هو رب وإله؛ والذي يرى الذين استنارت عيونهم بروح الله مجد وعظمة شخصه ووظائفه، وبره وخلاصه في الإنجيل؛ وسيُدرك ذلك بوضوح أكبر عندما يكون هناك فيض أعظم للروح كروح حكمة وإعلان في معرفته؛ وإلى هذه الرؤية لمجد وعظمة المسيح سيعود الفضل الكبير في فرح الكنيسة وخصوبتها. يترجمها السبعينية والعربية: "شعبي سيرى...".
مدراش تانحوما للتثنية (دڤاريم – 1)
[يتساءل المدراش عن سبب قوله: "تفرح البرية والأرض اليابسة" (إش 35: 1)؛ والسبب هو لتعليمك أن القدوس تبارك اسمه حين يظهر "شكينته" (جلال حضوره) لإسرائيل، لن يفعل ذلك مباغتةً أو دفعة واحدة؛ لأنهم لن يقووا على الصمود أمام هذا الحسن الإلهي، ولو أظهره لهم مرة واحدة لماتوا جميعاً. والدليل ما كُتب: "ومنذ الأزل لم يسمعوا ولم يصغوا لم تر عين إلهاً غيرك يصنع لمن ينتظره" (إش 64: 4).
ويُستدل على ذلك من قصة يوسف؛ فعندما كشف عن نفسه لإخوته بعد طول غياب قائلاً: "أنا يوسف" (تك 45: 3)، صعقوا جميعاً ولم يستطيعوا الإجابة (3). فكم بالأحرى يكون جلال حضور القدوس؟ لذلك سيظهر لهم بالتدرج (رويداً رويداً):
1.البداية من رمال البرية: "تفرح البرية والأرض اليابسة" (إش 35: 1).
2.ثم القفر: "يبتهج القفر ويزهر كالنرجس" (1).
3.ثم تزايد الازدهار: "يزهر إزهاراً" (2).
4.ثم الجلال: "يُدفع إليه مجد لبنان" (2).
5.والغاية القصوى: "هم يرون مجد الرب بهاء إلهنا" (2).
ولأجل هذا التدرج في البناء والتجلي قال داود: "إذ بنى الرب صهيون، يُرى بمجده" (مز 102: 16)، وقيل: "لأنهم يبصرون عيناً لعين عند رجوع الرب إلى صهيون" (إش 52: 8)، ويُقال في ذلك الزمان: "هوذا هذا إلهنا انتظرناه فخلصنا" (إش 25: 9)].
مدراش تانحوما للتثنية (دڤاريم – 1)
[يقرر المدراش أن كل المعجزات التي صنعها الرب لإسرائيل في البرية قديماً، سيعيد صنعها لهم في صهيون في آخر الأيام؛ ففي البرية: "الأرض ارتعدت، السماوات أيضاً قطرت" (مز 68: 8)، وفي صهيون: "فأزلزل السماوات والأرض" (حج 2: 6). وفي البرية: "وكان الرب يسير أمامهم" (خر 13: 21)، وفي صهيون: "لأن الرب سائر أمامكم" (إش 52: 12). وفي البرية قيل: "لأن الرب يرجع ليفرح لك" (تث 30: 9)، وفي صهيون: "فأبتهج بأورشليم وأفرح بشعبي" (إش 65: 19).
أما عن قوله: "تفرح البرية والأرض اليابسة" (إش 35: 1)؛ فيتساءل المدراش: ماذا رأى إشعياء ليقول ذلك؟ – والسبب هو أنه عندما تعدى إسرائيل وصايا التوراة، تنبأ هوشع بالعقوبة قائلاً: "وأجعلها كقفر وأصيرها كأرض يابسة" (هو 2: 3)، ولذلك جاء إشعياء ليبشر برجوع الفرح إلى ذات الموضع الذي أصابه الجفاف والقفر].
3شَدِّدُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ، وَالرُّكَبَ الْمُرْتَعِشَةَ ثَبِّتُوهَا. شَدِّدُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ،
هذه كلمات النبي، كما في الترجوم: "قال النبي: شددوا الأيادي الضعيفة"؛ أو بالأحرى هي كلمات الله عبر النبي إلى الأمم المهتدين، إلى أولئك الذين رأوا مجد الرب؛ وخصوصاً إلى خدام الإنجيل، الذين يتعاملون مع أشخاص ضعفاء وعاجزين، بالكاد يستطيعون رفع أيديهم أو الوقوف على أرجلهم بسبب شعورهم بالخطية، أو رؤيتهم للغضب والخراب المحدق بهم، والذين هم على وشك الغرق والإغماء بسبب أعدائهم أو بسبب نقص القوت؛ ومهمة الخدام هي تعزيتهم وتشديهم بالكرازة بالإنجيل وتوجيههم إلى وعوده.
وَالرُّكَبَ الْمُرْتَعِشَةَ ثَبِّتُوهَا.
لكي يثبتوا في مواقعهم ضد أعدائهم؛ وينفضوا عنهم مخاوفهم ورعدتهم؛ ويمضوا في طريقهم بشجاعة وابتهاج؛ يركضون ولا يتعبون، يمشون ولا يعيون. لقد خُصت "الأيادي" و"الركب" بالذكر لأن قوة الإنسان تكمن فيهما بشكل كبير، ويظهر ضعفه من خلال وهنهما وارتعاشهما.
4قُولُوا لِخَائِفِي الْقُلُوبِ: «تَشَدَّدُوا لاَ تَخَافُوا. هُوَذَا إِلهُكُمُ. الانْتِقَامُ يَأْتِي. جِزَاءُ اللهِ. هُوَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُكُمْ». قُولُوا لِخَائِفِي الْقُلُوبِ:
أو "المندفعين بقلوبهم"؛ الذين يميلون للهرب من العدو فوراً؛ "المتسرعين" في استخلاص استنتاجات سوداوية عن أنفسهم وحالتهم؛ "غير المتفكرين" في الوعود الممنوحة لهم؛ والمستعدين للشك والتساؤل في إتمام الأمور المذكورة أعلاه بخصوص حالة الكنيسة المثمرة والمزدهرة؛ لذلك يجب أن يقال لهم:
«تَشَدَّدُوا لاَ تَخَافُوا.
تشددوا بالإيمان، لا تخافوا من العدو، ولا تشكوا في إتمام الوعود الإلهية المتعلقة بخرابهم وسلامتكم.
هُوَذَا إِلهُكُمُ. الانْتِقَامُ يَأْتِي.
المسيح، الذي هو الله في طبيعتنا، الله الذي ظهر في الجسد، والذي جاء باتخاذ الطبيعة البشرية؛ وعندما جاء أول مرة، جاء بانتقام، وانتقم من الشيطان وأعماله؛ منه ومن رياساته وسلطانه الذين غنمهم وأبادهم، كما أنهى الخطية وأبطل الموت؛ انظر (إشعياء 61: 2). وكذلك جاء في ملكوته وقدرته وانتقم من الأمة اليهودية لعدم إيمانهم ورفضهم له؛ وهذا الوقت يُسمى صراحة "أيام انتقام" (لوقا 21: 22). وفي وقت مجيئه الروحي سيدمر "ضد المسيح" بظهور مجيئه، وينتقم لدم عبيده (رؤيا 18: 20). وفي مجيئه الشخصي سينتقم من الذين لا يعرفون الله ولا يطيعون إنجيله (2 تسالونيكي 1: 8). وقد صِيغت الكلمات لتشمل مختلف أوقات مجيئه؛ وبما أنه قد جاء بالفعل وانتقم في بعض الحالات، فإن هذا يخدم في تشجيع -ولعل الغرض منه هو تشجيع- إيمان شعب الله فيما يتعلق بمجيئه المستقبلي وغايته ونتيجته.
جِزَاءُ اللهِ.
أو "إله الجزاء هو يأتي"؛ وهكذا الترجوم: "رب الجزاء"؛ فهو يجزي الأشرار جزاءً عادلاً أو عقاباً على خطاياهم، إذ هو عادل عنده أن يجازي الذين يضايقون شعبه بضيق؛ وللقديسين، إذ يكون وقت ملكه الروحي هو الوقت لإهلاك الذين يهلكون الأرض، ولإعطاء الأجر لعبيده الأنبياء وللقديسين ولخائفي اسمه (رؤيا 11: 18).
هُوَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُكُمْ».
كان الهدف من مجيئه الأول هو خلاص شعبه من الخطية، ولعنة ودينونة الناموس، ومن الجحيم والغضب والخراب والدمار؛ والهدف من مجيئه الروحي في الأيام الأخيرة سيكون خلاص شعبه من أعدائهم "أضداد المسيح"، ومن الوثنية والخرافة والعبودية.
أوغسطينوس: هذا هو التدبير الإلهي، بقدر ما يستطيع أي كائن بشري استقصاءه؛ العقول الأسمى بطريقة أفضل، والعقول الأقل فاعلية بشكل أقل؛ هذا التدبير الإلهي يعطينا إشارات إلى سر عظيم وهام. فالمسيح، كما ترون، كان سيأتي في الجسد، ليس أي أحد على الإطلاق، ليس ملاكاً، ولا سفيراً؛ بل "هو نفسه يأتي ويخلصكم". لم يكن أي شخص هو الذي سيأتي؛ ومع ذلك كيف كان سيأتي؟ كان سيولد في جسد مائت، ليكون طفلاً صغيراً، يوضع في مذود، ويُلف في قمط، ويُغذى باللبن؛ وكان سينمو، وفي النهاية يُسلم للموت. ففي كل هذه المؤشرات على التواضع يوجد بالفعل نمط لتواضع أقصى.
5حِينَئِذٍ تَتَفَقَّعُ عُيُونُ الْعُمْيِ، وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ. حِينَئِذٍ تَتَفَقَّحُ عُيُونُ الْعُمْيِ،
وهو ما تحقق حرفياً في مجيء المسيح الأول (متى 9: 27، يوحنا 9: 1)؛ وروحياً، بين اليهود والأمم على حد سواء؛ ولاسيما الأخيرين، تحت خدمة الرسل، عندما انفتحت عيون أذهان أولئك الذين كانوا عمياً عن الأمور الروحية (لا معرفة لهم بالله في المسيح، ولا بطريق الخلاص به، ولا بوباء قلوبهم، ولا بعمل روح الله في النفس، ولا بحقائق الإنجيل) بقوة النعمة الإلهية، ليروا آثامهم ودناءتهم؛ وخلوّهم من كل ما هو صالح، وعجزهم عن فعل أي شيء روحي؛ واحتياجهم للبر، وحاجتهم للمسيح وملئه وملاءمته كمخلص؛ وليحصلوا على بعض الضوء في حقائق الإنجيل، ولمحة عن السماء والمجد الأبدي: وهذا سيكون له إتمام أعظم في الأيام الأخيرة، عندما يهتدي اليهود العمي، ويُدخل ملء الأمم.
وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ.
وهو ما كان صحيحاً حرفياً لبعض الأشخاص عندما جاء المسيح في الجسد (متى 11: 5)؛ وروحياً للكثيرين الذين لم تكن لهم آذان للسمع بالمعنى الروحي؛ إذ سدوا آذانهم عن صوت الإنجيل الساحر، وبالرغم من أنهم قد يسمعون خارجياً، إلا أنهم لم يفهموه: ولكن هؤلاء، إذ أُعطيت لهم آذان للسمع، وانفتحت آذانهم وقلوبهم بروح الله، سمعوا الإنجيل روحياً، وبنفع، ولذة، وتعزية، وبدهشة وعجب؛ وسيكون هناك وفرة من مثل هذه الحالات في مجد الأيام الأخيرة. يفسرها "راشي" عن أولئك الذين كانوا عمياً عن معرفة مخافة الله، وصماً عن صوت الأنبياء.
6حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الأَخْرَسِ، لأَنَّهُ قَدِ انْفَجَرَتْ فِي الْبَرِّيَّةِ مِيَاهٌ، وَأَنْهَارٌ فِي الْقَفْرِ. حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ
كما فعل الأعرج الذي شفاه بطرس (أعمال 3: 1)؛ وكان هناك العديد من حالات هؤلاء الأشخاص الذين شفاهم المسيح عندما كان على الأرض (متى 15: 30). وبالمعنى الروحي، تحقق هذا في كثيرين كانوا عاجزين عن فعل الخير؛ لم تكن لديهم إرادة ولا قدرة للذهاب إلى المسيح لنيل الحياة والخلاص، ولا للسير بالإيمان به، ولا للسلوك في طرقه؛ ولكنهم بقوة الروح ونعمة الله العظيمة، صاروا قادرين وراغبين في الذهاب إليه، والمخاطرة بنفوسهم عليه؛ وسلكوا فيه كما قبلوه؛ ولم يسلكوا في طرقه فحسب، بل ركضوا في طريق وصاياه، وقفزوا فرحاً بما رأوه وسمعوه عنه وقبلوه منه؛ وستكون هناك حالات لا تحصى لمثل هذه النعمة القديرة عند مجيء المسيح وملكه الروحي.
وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الأَخْرَسِ،
تحقق هذا بالمعنى الحرفي في مجيء المسيح الأول (متى 9: 32، 12: 22)؛ وبالمعنى الروحي في كثيرين لم يكن لديهم من قبل ما يقولونه لله في الصلاة أو التسبيح؛ ولا ما يقولونه عن المسيح أو لأجله؛ أو عن الروح القدس وأعماله الإلهية؛ ولكنهم الآن، بالنعمة الإلهية، جُعلوا يتحدثون إلى الله، سواء بالطلبة أو بالشكر؛ وعن المسيح وعن الروح القدس؛ وعن العظائم التي صنعها كل منهما لأجلهم؛ بل وحتى يترنمون فرحاً بسبب بركات النعمة العجيبة التي صاروا شركاء فيها؛ وسيكون هناك الكثير من هؤلاء في الأيام الأخيرة، عندما يُسكب الروح من العلاء. يفسر "كيمحي" كل هذا عن بني إسرائيل الذين كانوا في السبي كالعيم والصم والعرج والخرس. وكذلك الترجوم لهذا العدد والذي سبقه (العدد 5):
"حينئذ تتفتح عيون بيت إسرائيل الذين كانوا كعمي عن الشريعة؛ وآذانهم التي كانت كصم عن الإصغاء لكلمات الأنبياء ستسمع؛ حينئذ عندما يرون مسبيي إسرائيل مجتمعين للصعود إلى أرضهم كالأيائل السريعة ولا يبطئون..."؛
ولكن قد يكون من الأفضل تطبيق ذلك على حالتهم الحالية، وعلى حالهم عندما يرجعون إلى الرب في الأيام الأخيرة.
لأَنَّهُ قَدِ انْفَجَرَتْ فِي الْبَرِّيَّةِ مِيَاهٌ، وَأَنْهَارٌ فِي الْقَفْرِ.
ليس حرفياً، بل رمزياً؛ ويمكن فهمها عن "عقائد الإنجيل" التي تنفجر من خلال التبشير بها في أماكن كانت تشبه البرية والقفر، قاحلة تماماً وخالية من المعرفة والنعمة ومخافة الله؛ انظر (يوئيل 3: 18). وعن فيض النعمة وفعاليتها، التي تجعل الكلمة مؤثرة في اهتداء وخصوبة جموع النفوس، جالبة معها تنوعاً هائلاً من البركات الروحية؛ انظر (يوحنا 7: 37). وإلى هذين الأمرين (أحدهما كوسيلة والآخر كسبب) تُنسب كل تلك العجائب المذكورة أعلاه.
مدراش رباه للتكوين (95: 1)
[تعال وانظر أن كل ما ضربه القدوس تبارك اسمه في هذا العالم من علل وأسقام، سيشفيه تماماً في المستقبل الآتي؛ فالعمي سيشفون لقوله: "حينئذ تتفقح عيون العمي" (إش 35: 5)، والعرج سيشفون لقوله: "حينئذ يقفز الأعرج كالأيل"، وكذلك الخرس لقوله: "ويترنم لسان الأخرس" (إش 35: 6)].
7وَيَصِيرُ السَّرَابُ أَجَمًا، وَالْمَعْطَشَةُ يَنَابِيعَ مَاءٍ. فِي مَسْكِنِ الذِّئَابِ، فِي مَرْبِضِهَا دَارٌ لِلْقَصَبِ وَالْبَرْدِيِّ. وَيَصِيرُ السَّرَابُ أَجَمًا، وَالْمَعْطَشَةُ يَنَابِيعَ مَاءٍ.
الأشخاص الذين كانوا مثل الأرض المحترقة، قاحلين وغير مثمرين، أو مثل الأرض التي لفحتها الشمس، ممتلئين بالشعور بالغضب الإلهي، ومتعطشين -كالأرض الجافة- لنعمة الله والمسيح وبره؛ هؤلاء سيتعزون وينتعشون ويمتلئون من نعمة الله. أو هم أولئك الذين احترقوا ولفحهم حر الاضطهاد من حزب "ضد المسيح"، وكانوا يتوقون للخلاص منه؛ فهم الآن سيتمتعون بالسلام والازدهار.
فِي مَسْكِنِ الذِّئَابِ، فِي مَرْبِضِهَا
في الممالك والمدن والبلدات التي يسكنها بشر يُشبهون التنانين في سمومهم وقسوتهم؛ حيث كان للشيطان (التنين العظيم الأحمر) عرشه؛ وحيث سكن الأباطرة الوثنيون والقوى الذين مارسوا سلطة التنين وقوته وقسوته؛ انظر (رؤيا 12: 3).
دَارٌ لِلْقَصَبِ وَالْبَرْدِيِّ.
سينبت أشخاص شاركوا في نعمة الله، وسيكونون في عددهم وازدهارهم مثل العشب الأخضر؛ وآخرون، أكثر بروزاً بمواهبهم ونفعهم، سيكونون مثل القصب أو البردي؛ انظر (إشعياء 44: 3).
8وَتَكُونُ هُنَاكَ سِكَّةٌ وَطَرِيقٌ يُقَالُ لَهَا: «الطَّرِيقُ الْمُقَدَّسَةُ». لاَ يَعْبُرُ فِيهَا نَجِسٌ، بَلْ هِيَ لَهُمْ. مَنْ سَلَكَ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى الْجُهَّالُ، لاَ يَضِلُّ. وَتَكُونُ هُنَاكَ سِكَّةٌ
ليس طريقين بل طريقاً واحداً؛ الطريق سيكون "سكة" (Highway)، أي طريقاً ممهداً ومرتفعاً و"معلى"؛ ويُفهم هذا بشكل أساسي عن المسيح، الطريق الوحيد للحياة والخلاص؛ وعن المسالك الفرعية للواجبات والوصايا. والمعنى أنه في تلك الأماكن القفرة التي لم يُكرز فيها بالمسيح وإنجيله لعهود طويلة، سيُعرَف هنا بكونه "الطريق والحق والحياة"، ويُكرز بإنجيله وتُمارس وصاياه؛ وسيُوجَّه ويُمكَّن جموع من اليهود والأمم من السلوك هنا. المسيح هو "سكة" (طريق رئيسي) لكليهما؛ طريق مهدته النعمة السيادية، وهو مرتفع فوق وحل الخطية وقذرها، ويحمل الإنسان فوقها وبعيداً عنها؛ طريق مرئي وظاهر، مُشار إليه وموصوف بوضوح في الإنجيل الأبدي؛ إنه "طريق الملك"، ملك الملوك، الذي أمر به وعينه، وهو متاح لجميع رعاياه، علية القوم وضعفاؤهم، الأغنياء والفقراء، المؤمنون الأقوياء والضعفاء، الجميع يمكنهم السلوك في هذا الطريق؛ إنه مسلك قديم وطأته أقدام القديسين في كل العصور منذ بدء الخليقة؛ إنه الطريق الصالح القديم، والأفضل، بل الأسمى على الإطلاق؛ وقد أُزيلت منه كل العوائق والعقبات التي وضعتها الخطية والشيطان والناموس والعالم؛ ولا يُسمح لأحد بأن يُوقف أو يُزعج السالكين في هذا الطريق، وكل من فيه سيصلون بسلام إلى نهاية رحلتهم.
وَطَرِيقٌ يُقَالُ لَهَا: «الطَّرِيقُ الْمُقَدَّسَةُ».
أو "طريقاً قدساً"؛ المسيح قدوس تماماً في طبيعته وحياته، وقداسة كليهما تُحسب لأولئك الذين هم في هذا الطريق؛ وكل من في هذا الطريق مُقدسون بروح الله ونعمته؛ وهذا الطريق يؤدي إلى القداسة الكاملة في السماء، ولا يسلك فيه إلا المقدسون. إن الخلاص بالمسيح لا يحبط ممارسة القداسة بأي حال، بل هو الدافع والمحفز الأكبر لها. المسيح يقود شعبه في سبل البر؛ في سبل الحق، والوصايا، والعبادة العامة والخاصة، وكلها مقدسة؛ وفي مسلك السيرة الإنجيلية والتقوى. هذا الطريق مقدس لدرجة أن:
لاَ يَعْبُرُ فِيهَا نَجِسٌ،
كل الناس نجسون بالطبيعة؛ والبعض تطهروا بنعمة الله ودم المسيح؛ وبالرغم من أنهم بصفتهم مقدسين ليسوا براء من الخطية وتلويثها، إلا أنهم بصفتهم مبررين هم "بلا عيب في الطريق"؛ ولا أحد سوى هؤلاء يمكنه العبور أو المرور من هذا الطريق إلى السماء (رؤيا 21: 27).
بَلْ هِيَ لَهُمْ.
للمقدسين لا للنجسين؛ لإسرائيل فقط كما يقول كيمحي (أي للإسرائيليين الحقيقيين)؛ لأولئك المذكورين سابقاً في (إشعياء 35: 5) كما يقول راشي؛ هي ليسلك فيها من كانوا عمياً والآن يبصرون، وهؤلاء يُقادون في طريق لم يعرفوه من قبل؛ وللصم الذين يسمعون الآن صوتاً خلفهم يقول "هذا هو الطريق"؛ وللأعرج الذي يقفز كالأيل ليسلك ويركض فيه؛ وللأخرس الذي جُعل الآن يترنم ويمضي فيه مبتهجاً؛ هي ليسلك فيها "المفديون" كما في العدد التالي. ويمكن ترجمة هذه العبارة: "وهو يكون معهم"؛ أي أن الله سيكون معهم؛ سينعمون برفقته وحضوره المليء بالنعمة في الطريق؛ سيكون معهم ليرشدهم ويوجههم، ويسد كل عوزهم، ويزودهم بكل ما هو مناسب لهم؛ ليدعمهم ويشددهم ليتكئوا عليه ويستندوا إليه؛ ليحرسهم ويحميهم من كل أعدائهم؛ وبوجوده معهم لن يضلوا طريقهم، ولن يفشلوا في الوصول إلى النهاية. ومن هنا يتبع:
مَنْ سَلَكَ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى الْجُهَّالُ، لاَ يَضِلُّ.
أو "المسافرون"؛ هكذا هم القديسون، فهم غرباء ونزلاء وسائحون هنا؛ ليس لهم قرار هنا؛ إنهم كعابري طريق يبيتون لليلة واحدة؛ هم قاصدون وطناً آخر، أفضل، أي سماوياً، وسيصلون إلى هناك أخيراً. والآن هؤلاء، برغم أنهم كانوا "جهالاً" في حالتهم قبل التجديد فيما يخص الأمور الروحية، أو برغم أنهم قد لا يملكون حدة الذكاء أو سرعة البديهة الطبيعية كبعض الناس، وبرغم أنهم قد لا يملكون المعرفة الواضحة والمتميزة لكل حقائق الإنجيل كغيرهم، إلا أنهم لن يضلوا فيما يخص "طريق الخلاص"؛ وبرغم أنهم قد يخطئون في بعض الأمور، لكن ليس في الجوهر، ولا في الأساسيات، ولا نهائياً؛ فطريق الخلاص بالمسيح طريق واضح لدرجة أن من يملك أي فهم روحي له لن يضل فيه.
9لاَ يَكُونُ هُنَاكَ أَسَدٌ. وَحْشٌ مُفْتَرِسٌ لاَ يَصْعَدُ إِلَيْهَا. لاَ يُوجَدُ هُنَاكَ. بَلْ يَسْلُكُ الْمَفْدِيُّونَ فِيهَا. لاَ يَكُونُ هُنَاكَ أَسَدٌ.
أي في الطريق الموصوف سابقاً؛ لا يوجد أشرار يُشبهون الأسود في طباعهم المتوحشة والقاسية تجاه شعب الله؛ فالذين كانوا كذلك (مثل شاول قبل اهتدائه) يصبحون عند دخولهم هذا الطريق ودعاء كالحملان. يفسرها الترجوم عن الملوك والحكام المستبدين:
"لا يكون هناك ملك يصنع شراً، ولا حاكم ظالم"؛
ويطبقها "راشي" على نبوخذ نصر كما في (إرميا 4: 7). والمعنى قد يكون أنه عندما يُعرف هذا الطريق أكثر على الأرض في الأيام الأخيرة، لن يكون هناك مضطهد للكنيسة وشعب الله. أو أن المقصود هنا هو الشيطان، "الأسد الزائر"، الذي ليس له نصيب ولا قرعة في طريق الخلاص هذا؛ وكل من فيه هم خارج نطاق وصوله؛ وبرغم أنه قد يزعجهم في مسالك الواجبات والوصايا، إلا أنه لا يمكنه أبداً تدمير أولئك الذين هم في "المسيح الطريق".
وَحْشٌ مُفْتَرِسٌ لاَ يَصْعَدُ إِلَيْهَا.
أي على السكة؛ والمقصود هو ذاته ما ذكر سابقاً.
لاَ يُوجَدُ هُنَاكَ.
لا يتمشى فيها، ولا يعيث فساداً، ولا يدمر.
بَلْ يَسْلُكُ الْمَفْدِيُّونَ فِيهَا.
بلا خوف (كما يضيف كيمحي)، إذ لا يوجد أسد ولا وحش كاسر فيها. "المفديون" هم مفديو الرب، وبه، وهم خاصته المشتراة بدمه الكريم، المفديون من بين الناس ولله، ومن الخطية والناموس ولعنته ودينونته؛ هؤلاء "يسلكون" في طريق الحياة والخلاص بالمسيح كنتيجة لكونهم مفديين؛ وهذا يفترض حياة وقوة وحكمة تُعطى لهم، وتقدماً إلى الأمام. هم "سيسلكون" هنا؛ فرغم أنهم كانوا عمياً، ستنفتح أعينهم ليروا هذا الطريق؛ ورغم ضعفهم، ستكون لهم قوة للسلوك فيه؛ ورغم جهلهم، ستكون لهم حكمة ليرشدوا أقدامهم بتعقل؛ ورغم أنهم قد يعثرون ويسقطون، إلا أنهم سيقومون ثانية، ويستمرون في السلوك حتى النهاية.
10وَمَفْدِيُّو الرَّبِّ يَرْجِعُونَ وَيَأْتُونَ إِلَى صِهْيَوْنَ بِتَرَنُّمٍ، وَفَرَحٌ أَبَدِيٌّ عَلَى رُؤُوسِهِمِ. ابْتِهَاجٌ وَفَرَحٌ يُدْرِكَانِهِمْ. وَيَهْرُبُ الْحُزْنُ وَالتَّنَهُّدُ. وَمَفْدِيُّو الرَّبِّ يَرْجِعُونَ
هم ذاتهم "المفديون" المذكورون في (العدد 9)؛ هؤلاء يرجعون، أو "يهتدون" كما في الفولجاتا اللاتينية؛ فهم بالطبيعة في ذات الحالة والوضع كبقية البشر، ولكن بفضل فدائهم بالمسيح، يتحولون بنعمة الله من الظلمة إلى النور، ومن سلطان الشيطان إلى الله؛ يرجعون من السبل التي ضلوا فيها إلى المسيح، راعي نفوسهم وأسقفها، لكي يسلكوا في طرقه.
وَيَأْتُونَ إِلَى صِهْيَوْنَ بِتَرَنُّمٍ،
إذ دُعوا بالنعمة واهتدوا، يولون ظهورهم للعالم ورجاله، ويسألون عن الطريق إلى صهيون، ووجوههم إليها، أي نحو كنيسة الله؛ ويجدون طريقهم إذ يرشدهم الرب نفسه ويأتي بهم إلى هناك؛ حيث يأتون طوعاً ورغبة، لا لسماع الإنجيل فحسب، بل للخضوع لكل الوصايا، ويصبحوا أعضاءً في كنيسة؛ انظر (عبرانيين 12: 20). وإلى هنا يأتون بـ "أغاني" لأجل نعمة الاختيار والفداء والدعوة والتبرير والصفح؛ فكل بركة من هذه تستوجب أغنية، وهم الآن متأثرون بها، إذ يدركون نصيبهم فيها، ولا يسعهم الكف عن التحدث بها لمجد النعمة الإلهية.
وَفَرَحٌ أَبَدِيٌّ عَلَى رُؤُوسِهِمِ.
يُرى ذلك في سمات وجوههم ورفع رؤوسهم؛ ودهن الابتهاج هذا يُسكب عليهم وينتشر في كيانهم كله، كمثل الدهن على رأس هارون؛ وهو فرح "أبدي" ليس من جهة ممارسته (إذ غالباً ما ينقطع بسبب الخطية والتجربة والترك)، بل من جهة أساسه وقاعدته: محبة الله الأبدية، عهد نعمته الأزلي، والبر والخلاص الأبدي بالمسيح؛ وكذلك من جهة مبدئه وطبعه، فهو لا يُفقد أبداً ولا ينزعه إنسان.
ابْتِهَاجٌ وَفَرَحٌ يُدْرِكَانِهِمْ.
بتمتعهم بحضور الله والشركة معه، ومن خلال انسكاب محبته في قلوبهم، وبإنعام الرؤى عليهم للمسيح ونصيبهم فيه، وبالروح القدس ونعمه.
وَيَهْرُبُ الْحُزْنُ وَالتَّنَهُّدُ.
اللذان رافقاهم من قبل بسبب التبكيت على الخطية، ولكنهما أُزيلا الآن باستعلان وتطبيق نعمة الصفح ورحمته؛ أو ما كان سببه غياب الحضور الإلهي الذي صاروا يتمتعون به الآن؛ فبمجيئهم إلى صهيون، جُعلوا فرحين في بيت الصلاة، وشبعوا من دسم وصايا الإنجيل، ويسمعون باستمرار صوت الإنجيل المفرح. كل هذا يمكن تطبيقه على حالة القديسين في السماء؛ فالسكة الموصوفة سابقاً لا تؤدي فقط إلى صهيون (الكنيسة أدناه)، بل إلى صهيون العليا، إلى المجد السماوي؛ وكل المفديين السالكين في هذا الطريق سيصلون إلى هناك؛ فعند الموت "ترجع" أرواحهم إلى الله الذي أعطاها، وتكون في سعادة فورية مع المسيح؛ وفي القيامة يرجعون من مضاجع ترابهم، ويظهرون أمام الله في صهيون العليا؛ ومعهم "أغاني" للآب والابن والروح لما صنعه الله لأجلهم في الاختيار والفداء والتجديد؛ ولأجل نعمة المثابرة وإحضارهم بسلام عبر نهر الأردن ومن القبر؛ انظر (1 كورنثوس 15: 54). حينئذ يدخلون في فرح لن ينتهي أبداً؛ لن يكون هناك ما يقطعه إلى الأبد؛ سيكون بحق "فرحاً أبدياً"؛ وسيكون "على رؤوسهم" ظاهراً وجلياً، وسيكون عليهم كإكليل حياة وبر ومجد لا يفنى؛ حينئذ "ينالون الفرح والابتهاج" بكل ملئهما؛ ويكون فرحهم بالرب كاملاً؛ حينئذ لا يكون هناك بعد "حزن وتنهد"؛ إذ لن تعود هناك خطية ولا عدم إيمان، ولا أي فساد طبيعي؛ ولا ظلمة ولا هجر؛ ولا شيء من تجارب الشيطان؛ ولا ضيقات باطنة أو ظاهرة؛ وبذلك لا تنهد في الداخل، ولا حزن في الخارج؛ وكل دموع تُمسح. يطبق اليهود هذا النص على "العالم الآتي".
مدراش رباه للخروج (15: 21)
[في سياق الحديث عن الأمور العشرة المستجدة التي سيحدثها القدوس تبارك اسمه في المستقبل الآتي (رغم قول الجامعة ليس تحت الشمس جديد)؛ تأتي الأمر العاشر: وهو أنه لن يعود هناك تنهد ولا نحيب ولا حزن، بل سيكون الجميع في حالة فرح دائم، كما قيل: "ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح أبدي على رؤوسهم" (إش 35: 10)].
مدراش رباه للعدد (23: 14)
[قال القدوس تبارك اسمه: في هذا العالم، وبسبب الخطايا، سُبي بنو إسرائيل وتفرقوا في أقطار العالم، لكن في العالم الآتي يتحقق الوعد: "إن يكن قد بددك إلى أقصاء السماوات فمن هناك يجمعك الرب إلهك ومن هناك يأخذك" (تث 30: 4)، وقوله: "ويضم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض" (إش 11: 12). وكذلك أكد إشعياء هذا الجمع والخلاص بقوله: "ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بالترنم وعلى رؤوسهم فرح أبدي، ابتهاج وفرح يدركانهم، يهرب الحزن والتنهد" (إش 35: 10)].
مدراش رباه للخروج (23: 10-11)
[في قوله: "حينئذ غنى موسى وبنو إسرائيل هذه الأغنية -שירה-" (خر 15: 1)؛ يلاحظ المدراش أن كل الأغنيات السابقة قيلت بصيغة المؤنث (شيرة - שירה)، والسبب هو أنه كما أن المرأة تحبل وتلد ثم تعود لتلد ثانية، هكذا كانت الضيقات تأتي على إسرائيل باستمرار (تلد ضيقة بعد ضيقة)، فكانوا يغنون بصيغة المؤنث. وهكذا تعاقبت عليهم بابل ومادي واليونان وأدوم واستعبدوهم.
لكن في المستقبل الآتي، لن تعود هناك ضيقات أبداً، لقوله: "لأن الضيقات الأولى قد نُسيت" (إش 65: 16)، وقوله: "ابتهاج وفرح يدركانهم" (إش 35: 10). وفي تلك الساعة، لن يغنوا بصيغة المؤنث بل بصيغة المذكر (شير - שיר) التي لا تحمل معنى الولادة المتكررة للضيق، كما قيل: "غنوا للرب أغنية -שיר- جديدة" (مز 98: 1)].
مدراش المزامير (107: 1)
[ذكر الرابي برخيا (باسم الرابي حلبو والرابي صموئيل): في تفسير قوله: "ليقل مفديو الرب الذين فداهم" (مز 107: 2)؛ أن المقصود هم إسرائيل، وهذا ما شرحه إشعياء بقوله: "ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون" (إش 35: 10). ويؤكد النص على دقة اللفظ؛ فقد كُتب "ومفديو الرب"، ولم يقل مفديو إيليا ولا مفديو الملك المسيح، بل نسب الفداء والنسبة للرب مباشرة].
يالكوت شمعوني لأخبار الأيام الثاني (36: 1085)
[يؤكد المدراش على الفارق الجوهري بين الخلاصين؛ ففي هذا العالم أنتم تخلصون على يد بشر (من لحم ودم)، ولأن المخلص بشر فإن الخلاص يكون مؤقتاً فتعودون وتُستعبدون مرة أخرى. لكن في المستقبل الآتي، فإنكم ستخلصون على يد القدوس تبارك اسمه، ويكون خلاصاً أبدياً لا تعقبه عبودية أبداً، كما قيل: "ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح أبدي على رؤوسهم، ابتهاج وفرح يدركانهم، ويهرب الحزن والتنهد" (إش 35: 10). ويؤكد المكتوب ذلك بقوله: "أما إسرائيل فيخلص بالرب خلاصاً أبدياً، لا تخزون ولا تخجلون إلى دهور الأبد" (إش 45: 17)، آمين].
بسيكتا دي راب كهانا (مُلحقات – 6)
[يتحدث النص عن البهاء العظيم للمسيح، حيث أن اللباس الذي سيُلبسه الرب للمسيح سيسطع نوره من أقصى العالم إلى أقصاه، لقوله: "مثل عريس يتزين بعمامة" (إش 61: 10). وحينها سيتلذذ بنو إسرائيل بنوره ويغبطونه قائلين: طوبى للساعة والجيل والعين التي تراه؛ فهو الذي في شفتيه بركة وسلام، وحديثه راحة للروح، وجلاله في لباسه وثقته في كلماته، وصلاته طاهرة وقدوسة. ويقولون: طوبى لإسرائيل لما أُخفي لهم من جود، لقوله: "ما أعظم جودك الذي ذخرته لخائفيك" (مز 31: 19)، وقوله: "ومثل عروس تتزين بحليها" (إش 61: 10).
ويتساءل النص: ما هو هذا الحُليّ؟ – هو النور الذي ستلبسه "كنيسة إسرائيل" لتميزها به عن سائر الأمم وتخزي به أعداءها، كما قيل: "لأنه ها هي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم.. فتسير الأمم في نورك والملوك في ضياء إشراقك" (إش 60: 2-3). وفي تفسير آخر، الحُليّ هو "النعمة" التي تغطيها في أعين الجميع.
ويرد النص على تساؤل: هل كما تنتهي أيام عرس العروس فتعود لأعمالها المنزلية، ستعود إسرائيل للعبودية؟ – والإجابة هي (لا)، بل يتحقق قوله: "مفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح أبدي على رؤوسهم" (إش 35: 10، 51: 11)].
⪢