⏭ 1عَزُّوا، عَزُّوا شَعْبِي، يَقُولُ إِلهُكُمْ. يتناول هذا الأصحاح تعزيات شعب الله؛ وعن سابق (الممهد) ومجيء المسيا؛ وعن عمله وكرامة شخصه؛ وعن حماقة صنع الأصنام وشكاوى شعب الله التي لا أساس لها. تظهر تعزيات شعب الله، ومَن هم القائمون عليها، ومادتها وأساسها وسببها في (العدد 1). يُوصف يوحنا المعمدان، ممهد طريق المسيح، بعمله ووظيفته وآثارها؛ والتي تنتهي بتواضع البعض ورفعة الآخرين، وبالإعلان عن مجد المسيح (العدد 3). ثم يتبع ذلك أمر لكل خادم للإنجيل بما ينبغي أن يكرز به وينشره؛ وهو ضعف البشر وعدم كفايتهم لأي خير روحي؛ وجمالهم الزائل والذابح الذي يُعزى إلى هبوب روح الله عليه؛ ويُعلن ثبات ودوام كلمة الله (العدد 6). بعد ذلك يُحث رسل المسيح في أورشليم بشكل خاص على نشر بشارة الإنجيل بحرارة وعلانية؛ وإعلان مجيء المسيح وطريقته والعمل الذي جاء لأجله؛ والإشارة إلى أداء وظيفته بأمانة كراعي (العدد 9). وتُبرز كرامة شخصه بقدرته الكلية وحكمته اللامتناهية وعظمة جلاله، والتي أمامها تُعد جميع الأمم والأشياء كلاشيء (العدد 12). ثم تُلاحظ عبثية صياغة أي شبه لله وتشكيل الأصنام للعبادة (العدد 18). ومن خلال النظر في القوة الإلهية في الخلق وحفظ كل الأشياء، تُشجع كنيسة الله على توقع قوة متجددة ونعمة مثابرة، وتُلام الكنيسة على استسلامها لروح عدم الثقة والتذمر (العدد 26).
بعد التنبؤ بالسبي البابلي في الأصحاح السابق، ومن أجل تعزية شعب الله، أُعد بالخلاص، وعُبر عنه بعبارات توضح بأجلى وأقوى صورة الفداء والخلاص بيسوع المسيح، الذي كان السبي نموذجاً رمزياً له. هنا يبدأ الجزء الأكثر "إنجيلية وروحيّة" من هذه النبوءة، والذي يمتد ليشمل كل تدبير الإنجيل، من مجيء يوحنا المعمدان إلى المجيء الثاني للمسيح. إنه يبدأ بالتعزيات ويستمر وينتهي بها؛ ويلاحظ "كيمحي" أن هذه التعزيات هي ما ينبغي أن يكون في أزمنة المسيا؛ وكلمة "عزوا" تكررت -كما يقول- لتأكيد الأمر. الله هو المتكلم هنا، وهو إله كل تعزية؛ والأشخاص الذين يريد تعزيتهم هم "شعبه" الذين اختارهم، والذين قطع معهم عهداً في المسيح، والذين وهبهم له وفداهم بدمه، والذين دعاهم بفعالية بنعمته؛ هؤلاء يكونون أحياناً مكسوري الخاطر بسبب فساد طبيعتهم، وتجارب الشيطان، واحتجاب وجه الله، ومختلف الضيقات التي يواجهونها؛ وإرادة الله هي أن يتعزوا، كما يظهر من إرسال ابنه ليكون معزياً لهم، وبإعطاء روحه كمعزٍ آخر، وبتعيين الوصايا كصدور تعزية لهم، وبالوعود التي قطعها وتأكيدها بقسم لتعزيتهم القوية؛ ولا سيما بكلمة الإنجيل وخدامه، الذين هم "بنو وعظ" (أبناء تعزية)، والذين أُرسلوا برسالة معزية، ويُشجعون في عملهم من خلال اعتبار أن الله هو إلههم الذي سيكون معهم ويعينهم وينجح خدمتهم؛ وإلى هؤلاء تُوجه هذه الكلمات؛ والتي تكررت ليس للإيحاء بأي تقاعس من جانب خدام الإنجيل، بل للدلالة على رفض الشعب أن يتعزى، وبالتالي يجب مخاطبتهم مراراً وتكراراً؛ وأيضاً لإظهار رغبة الرب الشديدة والمخلصة في أن يتعزوا. ويقول الترجوم:
"يا أيها الأنبياء، تنبأوا بتعزيات بخصوص شعبي".
وتدرج النسختان السريانية والعربية عبارة "يا أيها الكهنة" كأن الكلام موجه إليهم. والمقصود هم كارزو الإنجيل؛ وما يريد الرب أن يُقال لتعزية شعبه بواسطتهم مُبين في العدد التالي.
2طَيِّبُوا قَلْبَ أُورُشَلِيمَ وَنَادُوهَا بِأَنَّ جِهَادَهَا قَدْ كَمُلَ، أَنَّ إِثْمَهَا قَدْ عُفِيَ عَنْهُ، أَنَّهَا قَدْ قَبِلَتْ مِنْ يَدِ الرَّبِّ ضِعْفَيْنِ عَنْ كُلِّ خَطَايَاهَا. طَيِّبُوا قَلْبَ أُورُشَلِيمَ وَنَادُوهَا
أو "تكلموا إلى قلب أورشليم أو بما يوافق قلبها"؛ أي خاطبوا صميم قلبها بما يكون منعشاً لها، ومقبولاً جداً ومرضياً ومعزياً؛ وليكن ذلك بمنادى عالٍ لتسمعه وتفهمه. والمقصود بـ "أورشليم" هنا كنيسة الإنجيل وأعضاؤها الحقيقيون. ويفسرها "ابن عزرا" بأنها جماعة إسرائيل؛ راجع (عبرانيين 12: 22).
بِأَنَّ جِهَادَهَا قَدْ كَمُلَ،
هذه الحياة هي جهاد (حرب)؛ وللقديسين أعداء كثيرون للاشتباك معهم: الخطية، والشيطان، والعالم؛ ولهم معارك كثيرة ليخوضوها، وصراع عظيم من الآلام، وجهاد الإيمان الحسن. هذا الجهاد قد "اكتمل" أو "امتلأ"؛ ليس بمعنى أنه انتهى قبل نهاية هذه الحياة، فما دامت الحياة قائمة سيظل هناك صراع مستمر؛ ومع ذلك فإن جميع الأعداء قد قهرهم المسيح الآن، وسيكونون في وقت قصير تحت أقدام شعبه؛ فرئيس خلاصهم الذي نال النصرة قد سبقهم؛ والإكليل محفوظ لهم ومضمون لأجلهم. ويفسرها البعض (مثل ابن عزرا، وكيمحي، وبن ملك) بـ "وقتها المعين أو المحدد"؛ ويقارنونها بـ (أيوب 7: 1)، ويمكن فهمها إما على أنها وقت التحرر من السبي؛ كما في الترجوم:
"أن سبيها من قِبل الشعوب قد اكتمل:"
أو عن وقت مجيء المسيا، "ملء الزمان"، حين ينبغي أن يظهر (وهو ما سيُتنبأ عنه لاحقاً)؛ أو عن انتهاء عبودية وقيود الناموس، وكل التعب والمشقة والاضطراب في ذلك التدبير؛ وحلول تدبير الإنجيل محله. ويتبع ذلك:
أَنَّ إِثْمَهَا قَدْ عُفِيَ عَنْهُ،
وهذا فعل الله، ينبع من نعمته المجانية، ويُكتسب بدم المسيح، وهو كامل وتام، ويمنح راحة وتعزية عظيمة للنفوس المثقلة بالذنب. أو "قد قُبل"؛ أي قُبل العقاب عنه كما حمله ضامنه (بديله)؛ راجع (لاويين 26: 43). والإشارة هنا إلى قبول الذبائح للتكفير عن الخطية (لاويين 1: 4)، وقد تشير هنا إلى قبول ذبيحة المسيح للتكفير عن خطايا شعبه. ويفسر "راشي" الكلمة بمعنى "استُرضي"؛ وهكذا يمكن تطبيقها على المصالحة عن الخطية التي تمت بدم المسيح. ويفهمها الترجوم بمعنى الغفران.
أَنَّهَا قَدْ قَبِلَتْ مِنْ يَدِ الرَّبِّ ضِعْفَيْنِ عَنْ كُلِّ خَطَايَاهَا.
ويمكن فهم ذلك إما على أنه كفاية من التأديبات على الخطية؛ فرغم أنها ليست أكثر، بل أقل مما تستحقه، إلا أنها بالقدر الذي يراه أبوهم السماوي -في حنانه العظيم ورأفته- كافياً؛ ورغم أنها بالمقدار ولا تتجاوزه، إلا أنها غالباً ما تكون مقداراً كبيراً، على الأقل في تصورهم الخاص. أو بدلاً من ذلك، تعني البركات الواسعة والفيّاضة من النعمة والجود التي نالتها بدلاً من العقاب على الخطايا الذي كان متوقعاً. أو بالأحرى تشير إلى "الوفاء الكامل" الذي قدَّمه المسيح عن خطاياها، وقبولها من يد الرب -في شخص ضامنها- العقاب الكامل عنها؛ ليس بمعنى أنه طُلب أكثر مما يجب، بل أن وفاءً وافياً قد قُدّم، ولأنه غير محدود فهو يفي تماماً باستحقاق الخطية؛ وهذا الوفاء لكونه قد تم كبديل عن شعب الله، فإنه يبرئهم ويمنحهم التعزية.
غريغوريوس النزينزي: كيف ينال البعض من يد الرب ضعفين عن خطاياهم ويُستوفى مكيال شرهم مضاعفاً، كما في تأديب إسرائيل، بينما تُزال خطايا الآخرين بتعويض سباعي؟ ما هو ذنب الأموريين الذي لم يكتمل بعد؟ وكيف يبرأ الخاطئ أو يُعاقب ثانية؛ يبرأ ربما لأنه مدخر للعالم الآخر، ويُعاقب لأنه يُشفى بذلك في هذا العالم؟
3صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: «أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لإِلَهِنَا. صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ:
ليس صوت الروح القدس كما يرى "راشي"؛ بل هو صوت يوحنا المعمدان، كما يشهد جميع البشيرين (متى 3: 3) ويوحنا نفسه (يوحنا 1: 23)، الذي كان "صوتاً" لا يشبه "عندليب الرجل" (مجرد صوت ولا شيء غيره)؛ بل كان له صوت تعليمي مرشد وليس رناناً فحسب؛ كان له صوت نبي، لأنه كان نبياً: فنحن نقرأ عن "أصوات الأنبياء" أي عقائدهم ونبوءاتهم (أعمال 13: 27). وصوته كان صوت صارخ، ينشر ويعلن جهاراً وعلانية، بشغف وحرارة عظيمتين، وبحرية وانطلاق، ما كان عليه قوله؛ وهذا حدث "في البرية"، في برية اليهودية بالمعنى الحرفي (متى 3: 1)، وحين صارت اليهودية ولاية رومانية، وأُتي باليهود إلى "برية الشعوب" (حزقيال 20: 35)، وحين كانوا -فيما يخص شؤونهم الدينية- في حالة من القحط والخراب تشبه البرية. وما كان على يوحنا قوله وفعله حين جاء كممهد للمسيح هو ما يلي:
«أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لإِلَهِنَا.
والمقصود به هو "المسيا" الذي أُديت هنا شهادة نبيلة للاهوته الحق بتسميته "يهوه" و"إلهنا". وقد أعد يوحنا طريقه بنفسه من خلال الكرازة بعقيدة التوبة، وممارسة فريضة المعمودية، والإشارة إلى المسيا، وحث الشعب على الإيمان به؛ كما دعاهم أيضاً لإعداد الطريق وتهديم مسلك مستوٍ للقائه، وذلك بالتوبة عن خطاياهم، وإصلاح طرقهم، وقبوله بقلوبهم عند مجيئه، ونبذ كل التصورات التي كانت تضادّه وتضاد إنجيله وملكوته. لقد حُرف معنى هذا النص بشدة في الترجوم -ويبدو أن ذلك تم عن عمد- هكذا:
"أعدوا الطريق أمام شعب الرب، ارفعوا سبلاً أمام جماعة إلهنا؛"
بينما النص يقول "أمام الرب نفسه". والإشارة هنا إلى "الممهدين" (الرواد) الذين يُرسلون أمام شخصية عظيمة لإزالة جميع العوائق من طريقه، وقطع الأشجار، وتسوية الطريق، وتطهير كل ما أمامه، كما في العدد التالي.
أوريجانوس: إن طريق الرب يُجعل مستقيماً بطريقتين: بالتأمل، الذي يوضحه الحق غير المختلط بالباطل، وبالنشاط (العمل)، الذي يتبع التأمل السليم في الفعل المناسب الذي يجب اتخاذه، والمتفق مع الفهم الصحيح لهذه الأشياء المطلوب فعلها.
4كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلاً. كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ،
وهذا لا يُفهم بمعناه الحرفي، بل كما يقول "كيمحي": بشكل مَثَلي ورمزي. والمعنى هو أنه كنتيجة لخدمة يوحنا ومجيء ربنا، فإن أولئك الذين كانوا مكتئبين ومنحنين تحت ثقل إثم الخطية، وكانوا وضيعين ومتواضعين في عيون أنفسهم، سيُرفعون ويُعزون؛ أما أولئك الذين كانوا منتفخين بأنفسهم وببرهم الذاتي، فسيُوضعون؛ كبرياؤهم وغطرستهم ستُخفض، ويُعاملون بإهمال وازدراء، بينما يُلتفتُ بعناية إلى ذوي النفوس المتواضعة؛ راجع (لوقا 14: 11) و(لوقا 18: 14).
وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلاً.
ما كان سابقاً مظلماً ومعقداً في النبوءة سيصير الآن واضحاً؛ وتلك العقائد التي لم تكن مفهومة جيداً ستصبح الآن جلية وسهلة.
5فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا، لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ». فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ
أي المسيح نفسه، الذي هو ضياء مجد أبيه، ومجده الخاص كأمجد "وحيد من الآب"؛ والكمال المجيد لطبيعته التي رُئيت في المعجزات التي صنعها وفي العقائد التي علمها؛ ومجد الآب الإلهي في وجه أو شخص المسيح؛ ومجد صفاته في عمل الخلاص بواسطته؛ وكل هذا يُدرك بأجلى وضوح في مرآة الإنجيل، أو في خدمة الكلمة بواسطة يوحنا والمسيح نفسه ورسله.
وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا،
ليس اليهود فقط، بل الأمم أيضاً؛ ليس بعيونهم الجسدية، بل بعيون فهمهم؛ أي يرون خلاص الرب ومجده المتجلي فيه، كونه قد عُرض في الإنجيل الأبدي أمام أنظار الجميع؛ راجع (لوقا 3: 6).
لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ».
بأن مجده سيُعلن ويكون مرئياً للجميع، ولذلك فالأمر حق ويقين؛ لأن ما قاله يفعله، وما نطق به يتممه. ويقول الترجوم:
"لأنه بكلمة الرب قد قُضي بذلك؛"
ولذلك سيتحقق.
مدراش رباه للاويين (1: 14)
[يوضح "الربوات" الفارق بين موسى وسائر الأنبياء؛ فكل الأنبياء رأوا الرؤى من منظور ضبابي (غير واضح)، كما ورد: "وكلّمت الأنبياء وأنا كثّرت الرؤى وبيد الأنبياء أمثال" (هو 12: 10). أما موسى، فقد رأى من منظور جليّ وواضح، كما ورد: "فماً إلى فم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز، وشبه الرب يعاين" (عد 12: 8).
ويضيف الرابي فينحاس (باسم الرابي هوشعيا) مثلاً: كملك يظهر لأهل بيته بهيئته الحقيقية. ففي هذا العالم، تظهر الشكينة (الحضرة الإلهية) للمختارين فقط، أما في المستقبل الآتي فإن التجلي سيكون عاماً وشاملاً: "فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر جميعاً، لأن فم الرب تكلم" (إش 40: 5)].
6صَوْتُ قَائِل: «نَادِ». فَقَالَ: «بِمَاذَا أُنَادِي؟» «كُلُّ جَسَدٍ عُشْبٌ، وَكُلُّ جَمَالِهِ كَزَهْرِ الْحَقْلِ. صَوْتُ قَائِل: «نَادِ».
ليس هو ذات الصوت المذكور في (العدد 3)، ولا هو صوت ملاك كما يرى "ابن عزرا"؛ بل هو صوت من قِبل الرب كما يرى "راشي"؛ ويقول "كيمحي" هو صوت النبوءة؛ إنه صوت الرب للنبي، أو بالأحرى لكل خادم للإنجيل، معطياً إياهم أمراً بالتنبؤ والكرازة، وبدونه لا يمكنهم الكرازة بشكل قانوني ومنتظم؛ وهو يماثل قوله: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم..."، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها (متى 28: 19).
فَقَالَ: «بِمَاذَا أُنَادِي؟»
(ماذا أكرز؟) أي ماذا أنشر أو أعلن أو أعظ به؟ لأن خادم الإنجيل لا ينبغي أن يكرز من تلقاء قلبه أو من رأسه، أو بما هو من ابتكاره وصياغته، بل بما يوافق فكر المسيح كما هو مُعلن في كلمته؛ عليه أن يتكلم وفقاً لأقوال الله وبحسب قياس وتناسب الإيمان؛ عليه أن يستفسر من هناك ومن المسيح عما يجب أن يقوله. ويقول الترجوم:
"صوت قائل: تنبأ؛ فأجاب وقال: بماذا أتنبأ؟"
والرد هو:
«كُلُّ جَسَدٍ عُشْبٌ،
أعلن عن وهن البشر وفنائهم؛ ويرى البعض أن هذا ذُكر لزيادة العجب من تجسد المسيح (الذي سيُتنبأ عنه لاحقاً كما ذُكر الممهد له سابقاً)؛ كيف أن المسيح تنازل ليأخذ على نفسه جسداً واهناً وفانياً كهذا؛ وأنه صار جسداً وظهر فيه. أو بالأحرى، يُقال هذا لتنبيه البشر وإعدادهم للتفكير في العالم الآخر وكيف سيظهرون أمام كرسي الدينونة؛ إذ إنهم إن لم يملكوا براً أفضل من برهم الذاتي، وما لم يولدوا ثانية، فلن يروا ملكوت الله ولن يدخلوه؛ وهذا من أول الأمور التي يجب نشرها في خدمة الإنجيل؛ وكذلك بيان مدى ضعف وعجز وعدم كفاية البشر تجاه ما هو صالح، وهو ما قد تعنيه هذه العبارة؛ كونهم ضعفاء كسنبلة عشب، لا يقدرون على فعل أي عمل صالح، فكم بالأحرى عجزهم عن إتمام الناموس، أو تجديد أنفسهم، أو تجديد قلوبهم، أو تطهير طبائعهم: ويجب قول ذلك للحط من كبرياء البشر؛ ولإظهار ضرورة القوة الإلهية في التجديد؛ ولتعليم الناس أن يطلبوا نعمة الله لكي تحولهم وتعينهم وتساعدهم في كل ما يفعلون؛ ولتوجيههم لنسب كل ما يملكون وما هم عليه إلى نعمة الله؛ ولهذا الغرض اقتبس الرسول بطرس هذا النص (1 بطرس 1: 24). ويمكن تطبيقه أيضاً على وصايا التدبير الناموسي وكل امتيازاته، التي وُصفت بأنها جسدية؛ والاتكال عليها كان اتكالاً على الجسد (فيلبي 3: 4، عبرانيين 9: 10)، فقد كانت واهنة وغير كافية للتبرير والتقديس والخلاص، ولم يكن لها أن تستمر.
وَكُلُّ جَمَالِهِ كَزَهْرِ الْحَقْلِ.
كل بهاء ومجد الإنسان؛ كل ما هو ممتاز وثمين فيه أو يخصه، أو يُعتقد أنه كذلك: غناه، كرامته، قوته، جماله، حكمته، ومعرفته؛ بل وحتى كل قداسة وبِرٍّ ظاهريين؛ فكلها تذبل وتفنى مثل زهرة زاهية تبدو جميلة لفترة، ثم فجأة تسقط أو تُقطف أو تُداس؛ وزهرة الحقل أكثر عرضة لذلك من زهرة الحديقة. ويمكن تطبيق ذلك على بهاء التدبير الناموسي، الذي زال ليحل محله مجدٌ أعظم (2 كورنثوس 3: 10).
7يَبِسَ الْعُشْبُ، ذَبُلَ الزَّهْرُ، لأَنَّ نَفْخَةَ الرَّبِّ هَبَّتْ عَلَيْهِ. حَقًّا الشَّعْبُ عُشْبٌ! يَبِسَ الْعُشْبُ، ذَبُلَ الزَّهْرُ،
وهكذا يفعل الإنسان، وكل مجده وجماله.
لأَنَّ نَفْخَةَ الرَّبِّ هَبَّتْ عَلَيْهِ. حَقًّا الشَّعْبُ عُشْبٌ!
إشارة إلى رياح عاتية ولافحة تهب على الأعشاب والأزهار فتجعلها تيبس وتذبل؛ راجع (مزمور 103: 15). لقد زالت الوصايا الناموسية عند فيض الروح. إن الامتيازات الخارجية للبشر، أو محاسنهم الظاهرية، تفنى بنسمة الله، وبنفخة أنفه حين تُسترد الأرواح بالموت؛ وعند التجديد (التوبة)، تهب روح الرب نفخةً على كل جمال الإنسان؛ وتُشبه أفعال الروح بالريح (يوحنا 3: 8)، فهي مثلها: حرة، وحيثما تشاء، غير مرئية وغير محسوسة، وقوية وفعالة؛ وهذه تسبب ذبولاً في صلاح البشر؛ إذ يُظهر روح الله أن قداستهم ليست قداسة حقيقية؛ وأن برهم ليس له إلا مظهر البر أمام الناس؛ وأن دينهم وتقواهم مجرد صورة؛ وأعمالهم الصالحة ما هي إلا "خطايا براقة"؛ وأن كل ذلك غير كافٍ للتبرير والخلاص وبلوغ السماء؛ وعندها تذبل هذه الأمور وتموت في تقديرهم، ويحسبونها خسارة ونفاية (فيلبي 3: 8): "حقاً الشعب عشب"؛ أي شعب اليهود بكل امتيازاتهم الخارجية؛ بل كل الشعوب بكل تفوق الطبيعة البشرية، أو حتى في أفضل حالاتهم، ممتلكين كل ما يُعد جيداً وعظيماً، يبقون مجرد بشر طبيعيين. أما الترجوم فيحصر هذا في الأشرار، كما فعل في العدد السابق، مترجماً إياه:
"كالعشب يُحسب الأشرار بين الشعب؛"
وكما فعل في الذي قبله هكذا:
"الأشرار كالعشب، وقوتهم كقش الحقل".
وهكذا يفسرها "كيمحي" عن الأمم التي تأتي مع جوج وماجوج؛ و"راشي" عن أمراء الممالك؛ ولكن هذا التفسير خاطئ تماماً، لأن النص ينطبق على "كل جسد" أو على البشرية جمعاء.
8يَبِسَ الْعُشْبُ، ذَبُلَ الزَّهْرُ. وَأَمَّا كَلِمَةُ إِلهِنَا فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ». يَبِسَ الْعُشْبُ، ذَبُلَ الزَّهْرُ.
تكرر هذا لتوجيه الانتباه إليه لكونه أمراً بالغ الأهمية، ولتأكيده.
وَأَمَّا كَلِمَةُ إِلهِنَا فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ».
ويضيف الرسول بطرس على سبيل التوضيح: "وهذه هي الكلمة التي بُشرتم بها في الإنجيل"؛ ويبدو أنه يميز بين "الكلمة" وبين "الإنجيل" الذي يُبشر بها، ويقصد بها المسيح "الكلمة الجوهري"؛ الذي يثبت ويدوم للأبد كأقنوم إلهي؛ وفي وظيفته كوسيط، لكونه نبياً وكاهناً وملكًا للأبد؛ وفي فاعلية دمه وبره وذبيحته؛ وفي ملء نعمته. وهذا ينطبق أيضاً على الكلمة المكتوبة أو الإنجيل، الذي يبقى وهو أبدي، وسيثبت ويستمر رغم اضطهاد الطغاة، ومكر المعلمين الكذبة، وتعيير الأشرار، وموت أفضل الرجال حتى من الخدام؛ فبالرغم من أن كل جسد عشب يذبل ويفنى، فإن كلمة الله نضرة وحية، راسخة ودائمة؛ وهكذا تكون حين تُنقش في قلوب البشر، حيث تصبح "الكلمة المغروسة" وتؤدي إلى الحياة الأبدية. ويمكن تطبيقها على كلمة وعد الله، المستقرة في السماء للأبد والتي تتحقق دائماً.
9عَلَى جَبَل عَال اصْعَدِي، يَا مُبَشِّرَةَ صِهْيَوْنَ. ارْفَعِي صَوْتَكِ بِقُوَّةٍ، يَا مُبَشِّرَةَ أُورُشَلِيمَ. ارْفَعِي لاَ تَخَافِي. قُولِي لِمُدُنِ يَهُوذَا: «هُوَذَا إِلهُكِ. عَلَى جَبَل عَال اصْعَدِي، يَا مُبَشِّرَةَ صِهْيَوْنَ.
أو "يا من تحملين بشائر الخير إلى صهيون"؛ وترجمة الكلمات بهذا الشكل أكثر اتساقاً مع الجزء الأخير من العدد:
قولي لمدن يهوذا، إلخ.
ومع بعض المواضع الموازية مثل (إشعياء 41: 27)، ومع "النموذج الرمزي" وهو نجاة اليهود من بابل؛ حيث جاءت أخبار النجاة من بابل إلى صهيون أو أورشليم؛ ومع الترجوم الذي يفسر الكلمات هكذا:
"يا أيها الأنبياء، يا من تحملون بشائر الخير لصهيون؛"
وهكذا يمكن تطبيقها على خدام الإنجيل، الذين يحملون بشائر مسرة الله ونعمته ولطفه للبشر من خلال المسيح؛ وعن نعمة المسيح في التزامات كفالته وإنجازاته؛ في تجسده وآلامه وموته، وفي شفاعته ووساطته؛ وعن الأمور الصالحة التي تأتي بواسطته، كالسلام والصفح والبر والخلاص والحياة الأبدية.
لتعلني هذه البشائر بأكثر الطرق انفتاحاً وعلانية، لكي يسمعها الجميع ويقبلوها ويفرحوا بها؛ وقد تشير أيضاً إلى المكان، أي كنيسة الله، التي تُشبه بجبل عالٍ لظهورها وعدم تزلزلها، حيث يجب أن يُنشر الإنجيل.
ارْفَعِي صَوْتَكِ بِقُوَّةٍ، يَا مُبَشِّرَةَ أُورُشَلِيمَ.
الكنيسة تسمى هكذا، فهي التي سُلم إليها إيمان الإنجيل، وهي عمود الحق وقاعدته؛ التي تقبله وتحفظه وتصونه، وترسل الخدام ليذيعوه؛ ولا سيما الكنيسة الأولى في أورشليم، حيث كُرز به أولاً، ومنها خرج إلى أجزاء أخرى من اليهودية وإلى كل العالم؛ هناك كان رسل المسيح، ومن هناك انطلقوا ونشروا الإنجيل في كل المعمورة، وهم المقصودون في المقام الأول؛ إذ يمكن ترجمة العبارة كالجملة السابقة: "يا من تحملين بشائر الخير لأورشليم"؛ وهكذا الترجوم. ارفعي صوتك بقوة؛ أو اكرزي بالإنجيل بصوت قوي، واجهري به؛ لا تهمسي به في زاوية؛ نادِ به على السطوح، اصرخي عالياً لكي يسمع الجميع؛ ارفعي صوتك كبوق؛ انفخي في بوق الإنجيل بكل ما أوتيتِ من قوة؛ واجعلي الصوت المفرح يُسمع بعيداً وقريباً.
ارْفَعِي لاَ تَخَافِي.
لا تخافي من تعييرات الناس وشتمهم بسبب ذلك، أو من اضطهاداتهم لأجله؛ أو خشية ألا يلقى ترحيباً أو يُقبل كحق.
قُولِي لِمُدُنِ يَهُوذَا:
أي لسكانها بالمعنى الحرفي، وإلى مختلف كنائس ومجتمعات القديسين في كل مكان.
«هُوَذَا إِلهُكِ.
ذلك الأقنوم الإلهي قد جاء، ذاك الذي وُعد به وتنبأ عنه الأنبياء وانتظرتموه؛ عمانوئيل، الله معنا، الله في طبيعتنا، الله الظاهر في الجسد، الله مخلصكم، وهو لكونه الله، حقاً الله، قادر أن يخلص إلى التمام؛ انظروا إليه بعين الإيمان واخلصوا؛ تأملوا ابن الله، حمل الله الذي حمل خطاياكم وأزالها؛ انظروا إليه الآن كملككم وإلهكم، الجالس على العرش، الذي جُعل وأُعلن رباً ومسيحاً، المكلل بالمجد والكرامة، الجالس على نفس عرش أبيه الإلهي، وله كل سلطان في السماء والأرض؛ وليكن صدى إيمانكم هو: ربي وإلهي. ويقول الترجوم:
"لقد أُعلن ملكوت إلهكم؛ انظر متى 3: 2".
الزوهار (شِلَخ لِخَا: 298 / 3: 173)
[في قوله: "اصعدي يا مبشرة صهيون" (إش 40: 9)؛ المقصود هي "حفتسيبه" (امرأة ناثان بن داود)، وهي أم المسيح "مناحم بن عميئيل" (حيث يأتي من نسلها). فهي التي ستقوم وتبشر بالخلاص، وهي المعنية بلقب "مبشرة صهيون"].
10هُوَذَا السَّيِّدُ الرَّبُّ بِقُوَّةٍ يَأْتِي وَذِرَاعُهُ تَحْكُمُ لَهُ. هُوَذَا أُجْرَتُهُ مَعَهُ وَعُمْلَتُهُ قُدَّامَهُ. هُوَذَا السَّيِّدُ الرَّبُّ بِقُوَّةٍ يَأْتِي وَذِرَاعُهُ تَحْكُمُ لَهُ.
يفهم البعض هذا عن المجيء الثاني للمسيح، وهو مجيء حتمي بموجب الوعود والنبوءات؛ وسيكون مصحوباً بالقدرة اللازمة لإقامة الموتى، واستدعاء كل الأمم أمامه، والنطق بالحكم المناسب وتنفيذه؛ حينها ستسود ذراعه علانية، وسيأخذ لنفسه قدرته العظيمة ويملك؛ وحينها تكون مكافأته معه ليعطي كل واحد حسب أعماله؛ وعمله (قضاؤه) يكون أمامه ليدين العالم بالعدل؛ راجع (رؤيا 22: 12). ولكن، بما يتفق أكثر مع سياق النص الذي يتنبأ بمجيء يوحنا المعمدان، ويشير إلى خدام الإنجيل، ويصف المسيح في وظيفته كراعي يطعم قطيعه، فإنه يُفهم عن "مجيئه الأول"؛ فالمقصود بـ "السيد الرب" هنا ليس الله الآب بل ابن الله، وهو الله حقاً، وبالتالي فهو قادر على الخلاص، وهو الهدف من مجيئه. ويُقال إنه يأتي "بيد قوية" أو بقدرة عظيمة تطلبها عمله؛ الذي تمثل في إتمام الناموس، وإستيفاء العدل الإلهي، والتكفير عن الخطية، ومصارعة أعداء لا حصر لهم، وخوض موت الصليب، وحمل لعنة الناموس وشفاء الطبيعة البشرية؛ كل ذلك من أجل نيل فداء أبدي لشعبه؛ ولأجل هذا جاء من السماء إلى الأرض، لا بتغيير مكانه، بل باتخاذ طبيعة بشرية. ويترجمها البعض: "ضد القوي"؛ أي الرجل القوي المسلح، الشيطان، الذي جاء المسيح ليسحق رأسه ويدمر أعماله، والذي حاربه وقهر وأهلكه. ويلاحظ "راشي" أن المعنى:
"ضد الأشرار لينتقم منهم؛"
لكن "ابن عزرا" و"كيمحي" يضيفان كلمة "يد".
وذراعه تحكم له؛ أي يملك من القدرة في ذاته ما يكفي لإتمام العمل الذي جاء لأجله؛ فذراعه أو قدرته الخاصة هي التي صنعت خلاصاً له ولشعبه؛ راجع (إشعياء 63: 5). ويترجمها البعض: "عليه"؛ أي على القوي والجبار الذي جاء ضده، والذي قهره وأخضعه وحكم عليه.
هُوَذَا أُجْرَتُهُ مَعَهُ
ليعطيه للذين يتوكلون عليه كما يقول "كيمحي"؛ أو للذين يعملون بكلمته كما في الترجوم؛ الذين يؤمنون به ويقبلون إنجيله ويعملون بمقتضاه. أو قد يشير هذا إلى "أجره هو" الذي يتبع عمله؛ والذي كان واثقاً منه كما لو كان في يديه؛ وهو رفعة طبيعته البشرية، ومجده مع أبيه، والتمتع بنسله الروحي إلى كل الأبدية.
وَعُمْلَتُهُ قُدَّامَهُ.
عمل الفداء والخلاص الذي دُعي إليه، وأُرسل ليفعله، والذي -بعد أن أُعطي له- وافق على القيام به؛ وبالرغم من كونه عملاً شاقاً ومضنياً، إلا أنه وجد فيه لذة عظيمة وأتمه؛ ويُقال إنه "أمامه" لكونه قد اقترح في المشورة الإلهية، وصِيغ في العهد لأجله، وكان معلوماً لديه جيداً، وفي قدرته تحقيقه، وهو ما استطاع فعله بسهولة وفعله حقاً. ويفهم الترجوم هذا بأن "أعمال البشر" هي التي أمامه، والذين لديه لهم جزاء.
يالكوت شمعوني للخروج (32: 391)
[بسبب الآلام والضيقات التي يكابدها بنو إسرائيل، فإن القدوس تبارك اسمه عتيد أن يجازيهم عليها في أيام المسيح أضعافاً مضاعفة، كما قيل: "هوذا السيد الرب بقوة يأتي وذراعه تحكم له، هوذا أجرته معه" (إش 40: 10)، ويؤيد ذلك قوله: "من تقدمني فأوفيه" (أي 41: 11)].
11كَرَاعٍ يَرْعَى قَطِيعَهُ. بِذِرَاعِهِ يَجْمَعُ الْحُمْلاَنَ، وَفِي حِضْنِهِ يَحْمِلُهَا، وَيَقُودُ الْمُرْضِعَاتِ». كَرَاعٍ يَرْعَى قَطِيعَهُ.
للمسيح قطيع، قطيع من البشر، شعب متميز وخاص؛ وهو قطيع واحد، وصغير، ومع ذلك فهو قطيع جميل، وإن كان غالباً ما يُوصف بـ "غنم الذبح"؛ وهو ملكه بفضل عطية أبيه وشراء نفسه له، ويظهر ذلك جلياً في "الدعوة الفعالة" حين يدعوهم بأسمائهم؛ وهو يقف تجاههم في علاقة "الراعي"، وهو راعٍ صالح، كما هو واضح من بذل حياته عن الخراف؛ وراعي عظيم، كونه الراعي الرئيس الذي يخضع له الجميع؛ بل هو الراعي الواحد والوحيد؛ وهو راعٍ حريص وشفوق وأمين؛ يؤدي وظيفته كاملة، ليس فقط بتوفير الطعام لقطيعه بقيادتهم إلى مراعٍ خضراء وصالحة (كنيسته ووصاياه)؛ وبتعيين رعاة مساعدين ليطعموهم بعقائد الإنجيل وكلمات الرب يسوع الصحيحة؛ وبإطعامهم بنفسه، كونه هو "خبز الحياة" و"المن المخفي"، الذي جسده مأكل حق ودمه مشرب حق؛ بل أيضاً بحمايتهم من كل أعدائهم، الأسد الزائر والمفترس (الشيطان)، والذئاب في ثياب الخراف (المعلمون الكذبة)؛ وبملاحظتهم وإحصائهم لكي لا يضيع منهم أحد؛ وبفعل كل ما ورد في (حزقيال 34: 16) من طلب الضال، واسترداد المطرود، وعصب الجريح، وتقوية وشفاء المريض، فضلاً عن السهر عليهم ليلاً ونهاراً لئلا يؤذيهم أحد.
بِذِرَاعِهِ يَجْمَعُ الْحُمْلاَنَ،
أي الضعفاء في القطيع؛ وهم "الأطفال والرضع"، النفوس المولودة حديثاً، المؤمنون الضعفاء، والوضعاء في عيون أنفسهم، والفتيلة المدخنة، والقصبة المرضوضة، ويهتم بالأمور الصغيرة، ومساكين القطيع؛ هؤلاء يجمعهم بذراع قدرته وبخدمة الإنجيل، يجمعهم إلى نفسه وشخصه وبره ونعمته وملئه، وإلى كنيسته ليشتركوا في كلمته ووصاياه، وإلى شركة أوثق معه فيها؛ إنه يجمعهم بين ذراعيه حمايةً لهم عندما يكونون عرضة للسقوط في أيدي أعداء أقوياء، ومن أجل "حملهم" لعدم قدرتهم على السير بأنفسهم كما يتبع:
وَفِي حِضْنِهِ يَحْمِلُهَا،
وهو ما يعبر عن "عاطفة عظيمة" تجاههم، فمن يُوضع في الحضن يكون محبوباً جداً؛ كعوبيد في حضن نعمي، ونعجة الرجل الفقير؛ كما يعبر عن "قرب شديد" منه، فمن في حضنه يكون قريباً من قلبه بل ومحمولاً عليه؛ وكذلك يشير إلى أسمى درجات الشركة معه والاطلاع على أسراره، كما أن المسيح في حضن الآب مطلع على أسراره؛ فضلاً عن كونه يتضمن التمتع بالراحة فيه والأمان بواسطته؛ فما الذي يمكن أن يزعج أو يؤذي من هم في حضن المسيح؟
وَيَقُودُ الْمُرْضِعَاتِ».
الذين فيهم بذرة النعمة، والذين غُرست المبادئ الروحية في نفوسهم، والمسيح مصور في قلوبهم، والذين يمتلئون بالأشواق إليه وإلى الأمور الروحية، ويحملون ثقلاً (ثقل خطاياهم) الذي يئنون تحته؛ هؤلاء يقودهم خارجاً وبعيداً عن أنفسهم إلى نفسه، إلى دمه وبره وذبيحته، وإلى مراعٍ خضراء، وإلى حضرة أبيه، وأخيراً إلى المجد؛ وهو يقودهم "برفق" وتدريجياً، خطوة بخطوة، ليروا خطيتهم، ولينظروا إليه ويذهبوا إليه ويمسكوا به ويتمسكوا به؛ يقودهم في حقائق الإنجيل، وفي مياه المقدس العميقة، وبما يتناسب مع قوتهم وحسب قدرتهم على الاحتمال، سواء كانت عقائد الإنجيل، أو وصايا الدين، أو الآلام والمعاناة؛ راجع (تكوين 33: 14).
12مَنْ كَالَ بِكَفِّهِ الْمِيَاهَ، وَقَاسَ السَّمَاوَاتِ بِالشِّبْرِ، وَكَالَ بِالْكَيْلِ تُرَابَ الأَرْضِ، وَوَزَنَ الْجِبَالَ بِالْقَبَّانِ، وَالآكَامَ بِالْمِيزَانِ؟ مَنْ كَالَ بِكَفِّهِ الْمِيَاهَ،
إن الوصف التالي لقدرة الله وحكمته وكفايته الذاتية، والذي يجب أن يُفهم عن المسيح، يهدف إلى إظهار أنه كفء لعمل الفداء والخلاص الذي التزم به وكان مزمعاً أن يأتي ويتممه؛ وأنه قادر على ذلك كما هو قادر على أداء وظيفته كراعي؛ وأيضاً لملاحظة أنه برغم نعمته الغنية وجوده قد تنازل ليأخذ على عاتقه عمل المخلص ووظيفة الراعي، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يُفسر كما لو كان قد فقد كرامته ومجده كأقنوم إلهي، أو كأن ذلك قد نقص أدنى نقص؛ لأنه ليس سوى ذلك الكائن غير المحدود "الذي كال مياه البحار بكفه"؛ تلك المياه التي هيأ لها مستودعاً حيث جمعها وحصرها؛ وأبعادها معلومة لديه تماماً، فكل ذلك الفيض الهائل من المياه ليس في يديه أكثر من قدر ما يحمله الإنسان في "كفه" أو قبضته.
وَقَاسَ السَّمَاوَاتِ بِالشِّبْرِ،
التي بسطها كسرادق (إشعياء 40: 22)، وقياسها عنده ليس سوى عرض يد واحدة؛ وليست بالنسبة له أكثر من بسط سجادة أو مظلة؛ ويقيسها بسهولة كما يقيس الإنسان قطعة قماش بشبر يده أو بمسطرة قياس.
وَكَالَ بِالْكَيْلِ تُرَابَ الأَرْضِ،
الكلمة المستخدمة تشير إلى "الجزء الثالث" من مكيال أكبر؛ ويرى البعض أنه ثلث "السدس"، أو ثلث "الإيفة" أو "البث" عند آخرين، أو مكيال آخر غير معروف؛ (انظر شرح مزمور 80: 5). وترجمتها الفولجاتا اللاتينية "بثلاثة أصابع"؛ والمعنى قد يكون أن تراب الأرض، أو الأرض ذاتها التي ليست سوى تراب، ليست عند الرب أكثر مما يمسكه الإنسان بين إبهامه وإصبعين من أصابعه؛ وبذات الطريقة الأرض كلها محواة (محصورة) لدى الرب.
وَوَزَنَ الْجِبَالَ بِالْقَبَّانِ، وَالآكَامَ بِالْمِيزَانِ؟
بكل سهولة كما يضع الإنسان بضائعه في كفتي ميزان ليعرف وزنها الحقيقي، وبذات السهولة رفع الرب الجبال والآكام بنسب صحيحة، ووازنها بدقة كما لو كان قد وزنها بميزان؛ ويبدو أن هذا يلمح إلى فائدة الجبال والآكام كنوع من "الثقل الموازن" (Ballast) للأرض، ويظهر تكوينها الأصلي منذ البدء. والإجابة على السؤال أعلاه هي: إنه ذات الأقنوم الإلهي الذي قيل عنه: "هوذا إلهكم، [والذي] يأتي بقوة، [و] يرعى قطيعه".
هيلاري أسقف بواتييه: كانت كلمات "أنا هو الذي أنا هو" إشارة كافية بوضوح إلى لا محدودية الله. ولكن، بالإضافة إلى ذلك، كنا بحاجة إلى إدراك عمل عظمته وقدرته. فبينما الوجود المطلق يخصه هو وحده الذي، ببقائه أزلياً، لم تكن له بداية في ماضٍ مهما كان بعيداً، نسمع مرة أخرى نطقاً يليق به صادراً عن الإله الأزلي القدوس، الذي يقول: "مَن كال السماء بالشبر والأرض بالقبضة"، وأيضاً: "السماء كرسيي والأرض موطئ قدمي. أي بيت تبنون لي أو أين هو مكان راحتي؟". السماء كلها ممسوكة في كف الله، والأرض كلها مقبوضة في يده. والآن، فإن كلمة الله . . . تكشف عن معنى أعمق للطالب الصبور. . . فهذه السماء الممسوكة في كف الله هي أيضاً عرشه، والأرض المقبوضة في يده هي أيضاً موطئ قدميه. لم يُكتب هذا لكي . . . نستنتج أن له امتداداً في المكان، كأنه جسد. . . بل كُتب لكي يُعرف الله في جميع الأشياء المولودة والمخلوقة، داخلها وخارجها، مظللاً وساكناً فيها، محيطاً بالكل ومتغلغلاً في الكل، بما أن الكف واليد، اللتين تمسكان، تكشفان عن قدرة سيطرته الخارجية، بينما العرش والموطئ، بدعمهما للجالس، يظهران خضوع الأشياء الخارجية للواحد الذي، وهو نفسه خارج عنها، يحوي الكل في قبضته . . . لكونه غير محدود، فهو حاضر في كل الأشياء. وفي ذاك غير المحدود، يشتمل الكل.
13مَنْ قَاسَ رُوحَ الرَّبِّ، وَمَنْ مُشِيرُهُ يُعَلِّمُهُ؟ مَنْ قَاسَ رُوحَ الرَّبِّ،
في خلق كل الأشياء، وفي تزيين السماوات، والرفرفة على وجه المياه؟ لا أحد، لا ملاك ولا إنسان؛ لم يكن معه أحد، ولم يحتج إلى من يرشده ويوجهه فيما يفعله.
وَمَنْ مُشِيرُهُ يُعَلِّمُهُ؟
أو "رجل مشورته"؛ لم يكن هناك غير "المشير العجيب"، ملاك المشورة العظيمة، كلمة الله الجوهري، الذي يُتحدث هنا عن روحه.
14مَنِ اسْتَشَارَهُ فَأَفْهَمَهُ وَعَلَّمَهُ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ، وَعَلَّمَهُ مَعْرِفَةً وَعَرَّفَهُ سَبِيلَ الْفَهْمِ.؟ مَنِ اسْتَشَارَهُ فَأَفْهَمَهُ
هذا هو نفس المعنى السابق، لكنه تكرر بكلمات أخرى لإنكار أن أي مخلوق -أياً كان- قد أشار على روح المسيح أو علمه أو أرشده في ترتيب وإدارة أعمال الخليقة.
وَعَلَّمَهُ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ، وَعَلَّمَهُ مَعْرِفَةً وَعَرَّفَهُ سَبِيلَ الْفَهْمِ.؟
أو أعطاه ذلك القضاء والمعرفة والفهم في صياغة العالم وكل ما فيه، بهذا الشكل البديع والمنتظم؛ مما يظهر كونه عمل حكمة تفوق الحكمة البشرية أو الملائكية، وأنه إلهي بحت؛ فلا أحد، ملاكاً كان أو إنساناً، كان بإمكانه أن يبتكر طريقاً كهذا للقضاء، أو سبيلاً كهذا للفهم، أو يظهر مهارة ومعرفة رائعة كالتي تظهر في أعمال الخليقة؛ راجع (مزمور 104: 24).
15هُوَذَا الأُمَمُ كَنُقْطَةٍ مِنْ دَلْوٍ، وَكَغُبَارِ الْمِيزَانِ تُحْسَبُ. هُوَذَا الْجَزَائِرُ يَرْفَعُهَا كَدُقَّةٍ! هُوَذَا الأُمَمُ كَنُقْطَةٍ مِنْ دَلْوٍ،
ليس فقط الكلدانيون والبابليون، وغيرهم من الأمم المعروفة والأكثر إزعاجاً لليهود، بل كل أمم العالم؛ هذه، بالمقارنة مع الله، ومع كينونته غير المحدودة والهائلة، ليست سوى نقطة ماء عالقة بالدلو، أو تسقط منه عند استقاء الماء، أو تتبقى فيه بعد إفراغه؛ وهي لا شيء بالمقارنة مع البئر الذي استُقي منه الماء، أو حتى مع الماء الذي في الدلو.
وَكَغُبَارِ الْمِيزَانِ تُحْسَبُ.
أي لا قيمة لها عند الله، بالمعنى النسبي، تماماً كالغبار الدقيق الذي يعلق بالميزان ولا يضيف له وزناً ولا يميل به ذات اليمين أو ذات اليسار، فلا يُعتدّ به. وقد ترجمتها السبعينية والفولجاتا والسريانية والعربية بـ "ميل الكفة"؛ وكذلك الترجوم؛ لكن الترجمة الحالية تعبر عن المعنى بقوة أكبر.
هُوَذَا الْجَزَائِرُ يَرْفَعُهَا كَدُقَّةٍ!
والمقصود ليس مجرد الجزر بمعناها الحرفي المحاطة بالبحر، بل كل تلك البلاد التي اعتاد اليهود الذهاب إليها بحراً؛ فهذه يمكن للرب أن يرفعها أو يطرحها كما يترجم البعض الكلمة؛ يقذف بها أو يقلبها ويدمرها، كما يرفع الإنسان أصغر شيء ويطرحه عنه. ويترجمها الترجوم:
"كالعصافة التي تطير بعيداً؛"
أو كما يترجمها آخرون: "كرَماد فحم يتطاير". والكلمة قد تعني أي شيء خفيف، كالعصافة أو القش أو التبن أو الريش أو زغب الشوك، مما يُحمل بسهولة بأقل قوة؛ وهكذا يترجمها البعض: "هوذا الجزر كشيء صغير يتطاير بعيداً".
16وَلُبْنَانُ لَيْسَ كَافِيًا لِلإِيقَادِ، وَحَيَوَانُهُ لَيْسَ كَافِيًا لِمُحْرَقَةٍ. وَلُبْنَانُ لَيْسَ كَافِيًا لِلإِيقَادِ،
أي أشجار لبنان، كما يقول الترجوم؛ فهي ليست كافية لحرق ذبيحة تليق بكرامة وجلال الله، وما قد يتطلبه عدله للتكفير عن المعاصي المرتكبة.
وَحَيَوَانُهُ لَيْسَ كَافِيًا لِمُحْرَقَةٍ.
برغم أنه جبل وغابة تزخر بالأشجار ولا سيما الأرز، وفيه كميات كبيرة من الماشية، إلا أن كل ذلك لا يكفي لتقديم محرقة لائقة للرب؛ هو وحده القادر أن يقدم حملاً كافياً للمحرقة، وقد فعل ذلك بتقديم ابنه الوحيد؛ الذي قدم نفسه قرباناً وذبيحة لله رائحة سرور، وبها أزال الخطية وصنع تكفيراً كاملاً عنها. ويرى "راشي" أن هذا قيل لبيان فظاعة خطايا الأشرار، التي كانت عظيمة لدرجة أن لبنان بكل خشبه وماشيته لا يمكنه تقديم ذبيحة كافية للتكفير عنها.
17كُلُّ الأُمَمِ كَلاَ شَيْءٍ قُدَّامَهُ. مِنَ الْعَدَمِ وَالْبَاطِلِ تُحْسَبُ عِنْدَهُ. كُلُّ الأُمَمِ كَلاَ شَيْءٍ قُدَّامَهُ.
كأنهم عدم، وليسوا كائنات حقيقية بالمقارنة معه، هو كائن الكائنات، وعلة وجود كل الكائنات في كل الأمم؛ الذين هم جميعاً تحت نظره، وليسوا فقط كالجراد (كما سيذكر لاحقاً)، بل حتى كلا شيء.
مِنَ الْعَدَمِ وَالْبَاطِلِ تُحْسَبُ عِنْدَهُ.
لو وُجد شيء أقل من اللاشيء، لكانوا هم ذلك الشيء؛ وهكذا يحسبهم هو؛ إنهم مثل "الخلاء" (Tohu) الذي شُكلت منه الأرض حين كانت "خربة وخالية"، والكلمة الأولى هي المستخدمة هنا؛ وهذا يعمل على الحط من كبرياء البشر، وتقليل مجد الأمم وسكانها.
18فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَ اللهَ، وَأَيَّ شَبَهٍ تُعَادِلُونَ بِهِ؟ لا يوجد في كل الخليقة ما يمكن أن يشبهه، ولا هو يشبه شيئاً منها؛ بما أن كل الأمم كنقطة من دلو، وكغبار الميزان، وكلا شيء، بل أقل من اللاشيء وباطل: "وأي شبه تعادلون (تقارنون) به؟" أي شبه ترتبونه وتعينونه له؟ في أي مرتبة يمكن وضعه؟ وبأي طبقة من الكائنات يمكن تشبيهه؟ أي مماثل يمكن أن يُعطى له؟ ما هو الشيء الذي يصلح أن يُسمى معه أو يُقارن به؟ هذا الكلام، وما يتبعه، ذُكر كـ "ترياق" لمنع اليهود من السقوط في الوثنية في بابل حيث سيكونون عرضة لها؛ أو بالأحرى لمنع المسيحيين في أزمان الإنجيل من الانزلاق إلى الوثنية؛ راجع (أعمال 17: 28).19اَلصَّنَمُ يَسْبِكُهُ الصَّانِعُ، وَالصَّائِغُ يُغَشِّيهِ بِذَهَبٍ وَيَصُوغُ سَلاَسِلَ فِضَّةٍ. اَلصَّنَمُ يَسْبِكُهُ الصَّانِعُ،
أي الذي يصب المعادن؛ يسبك نوعاً من المعدن كالحديد أو النحاس أو الرصاص في قالب لصنع تمثال، وبعد ذلك ينقشه أو يرسله ليُنقش.
وَالصَّائِغُ يُغَشِّيهِ بِذَهَبٍ
أو "المصفي"؛ يمدد صفائح الذهب ويغطي التمثال بها، فيبدو كأنه مصنوع من ذهب خالص، فيخدع عيون الناس؛ يا له من غباء وباطل في الفانين أن يعتقدوا بوجود ألوهية في قطعة صنع كهذه!
وَيَصُوغُ سَلاَسِلَ فِضَّةٍ.
لوضعها حول التمثال المنحوت، إما للزينة، أو بالأحرى لتثبيته في حائط أو عمود لكي يبقى قائماً، فلا يُنزع أو يُسرق، أو تسقطه الرياح، أو يسقط من تلقاء نفسه وينكسر؛ وهكذا يسخر من ضعف هذه الأصنام، وحماقة صانعيها وعبادها. ويقول الترجوم:
"الصائغ يصل به سلاسل فضة".
20الْفَقِيرُ عَنِ التَّقْدِمَةِ يَنْتَخِبُ خَشَبًا لاَ يُسَوِّسُ، يَطْلُبُ لَهُ صَانِعًا مَاهِرًا لِيَنْصُبَ صَنَمًا لاَ يَتَزَعْزَعُ! أَلاَ تَعْلَمُونَ؟
هذا حديث النبي الموجه لعبدة الأصنام، مستنهضاً معرفتهم الطبيعية، فهم بنور الطبيعة يمكنهم أن يعرفوا أن الأصنام هي لا شيء، ولا ألوهية فيها؛ وأن الله هو الذي صنع الأرض ويدير العالم، وهو وحده المستحق للعبادة.
أَلاَ تَسْمَعُونَ؟
بالتقليد عن القدماء، وعن آبائكم الذين تسلموه عمن قبلهم وسلموه إليكم.
أَلَمْ تُخْبَرُوا مِنَ الْبَدَاءَةِ؟
من بدأت دولكم وممالككم، بل ومنذ بداية العالم، بواسطة أحكم وأفضل الرجال الذين وجدوا فيه، بأن تلك الأمور المذكورة سابقاً وما يتبعها هي حق.
أَلَمْ تَفْهَمُوا مِنْ أَسَاسَاتِ الأَرْضِ؟
وجود الله، وأموره غير المنظورة، قدرته السرمدية ولاهوته، من المخلوقات، ومنذ تأسيسه للأرض؛ فمثل هذه المعرفة والفهم وُجدا منذ ذلك الوقت الباكر، وكان من الممكن أن يستمرا: أو،
ألم تفهموا أساسات الأرض؟ على ماذا أُسست الأرض، ومن الذي وضع أساساتها؛ ليس سوى ذلك الكائن الإلهي الموصوف في الكلمات التالية.
التلمود البابلي (سنهدرين – 92)
[يتساءل النص: في تلك السنين التي يجدد فيها القدوس تبارك اسمه العالم، حين "يسمو الرب وحده في ذلك اليوم" (إش 2: 11)، ماذا سيفعل الأبرار؟ – سيصنع الرب لهم أجنحة كالنسور فيحلقون فوق وجه المياه دون خوف، كما قيل: "لذلك لا نخشى ولو تزحزحت الأرض ولو انقلبت الجبال إلى قلب البحار" (مز 46: 2). ولكي لا يظن أحد أن في هذا الطيران تعباً، يقول المكتوب: "وأما منتظرو الرب فيجددون قوة، يرفعون أجنحة كالنسور، يركضون ولا يتعبون يمشون ولا يعيون" (إش 40: 31)].
21أَلاَ تَعْلَمُونَ؟ أَلاَ تَسْمَعُونَ؟ أَلَمْ تُخْبَرُوا مِنَ الْبَدَاءَةِ؟ أَلَمْ تَفْهَمُوا مِنْ أَسَاسَاتِ الأَرْضِ؟ أَلاَ تَعْلَمُونَ؟
هذا حديث النبي الموجه لعبدة الأصنام، مستنهضاً معرفتهم الطبيعية، فهم بنور الطبيعة يمكنهم أن يعرفوا أن الأصنام هي لا شيء، ولا ألوهية فيها؛ وأن الله هو الذي صنع الأرض ويدير العالم، وهو وحده المستحق للعبادة.
أَلاَ تَسْمَعُونَ؟
بالتقليد عن القدماء، وعن آبائكم الذين تسلموه عمن قبلهم وسلموه إليكم.
أَلَمْ تُخْبَرُوا مِنَ الْبَدَاءَةِ؟
من بدأت دولكم وممالككم، بل ومنذ بداية العالم، بواسطة أحكم وأفضل الرجال الذين وجدوا فيه، بأن تلك الأمور المذكورة سابقاً وما يتبعها هي حق.
أَلَمْ تَفْهَمُوا مِنْ أَسَاسَاتِ الأَرْضِ؟
وجود الله، وأموره غير المنظورة، قدرته السرمدية ولاهوته، من المخلوقات، ومنذ تأسيسه للأرض؛ فمثل هذه المعرفة والفهم وُجدا منذ ذلك الوقت الباكر، وكان من الممكن أن يستمرا: أو،
ألم تفهموا أساسات الأرض؟ على ماذا أُسست الأرض، ومن الذي وضع أساساتها؛ ليس سوى ذلك الكائن الإلهي الموصوف في الكلمات التالية.
التلمود البابلي (سنهدرين – 92)
[يتساءل النص: في تلك السنين التي يجدد فيها القدوس تبارك اسمه العالم، حين "يسمو الرب وحده في ذلك اليوم" (إش 2: 11)، ماذا سيفعل الأبرار؟ – سيصنع الرب لهم أجنحة كالنسور فيحلقون فوق وجه المياه دون خوف، كما قيل: "لذلك لا نخشى ولو تزحزحت الأرض ولو انقلبت الجبال إلى قلب البحار" (مز 46: 2). ولكي لا يظن أحد أن في هذا الطيران تعباً، يقول المكتوب: "وأما منتظرو الرب فيجددون قوة، يرفعون أجنحة كالنسور، يركضون ولا يتعبون يمشون ولا يعيون" (إش 40: 31)].
22الْجَالِسُ عَلَى كُرَةِ الأَرْضِ وَسُكَّانُهَا كَالْجُنْدُبِ. الَّذِي يَنْشُرُ السَّمَاوَاتِ كَسَرَادِقَ، وَيَبْسُطُهَا كَخَيْمَةٍ لِلسَّكَنِ. الْجَالِسُ عَلَى كُرَةِ الأَرْضِ
أو "جرمها الكروي"؛ لأن الأرض كروية أو بيضاوية؛ وليست مسطحة، بل مستديرة معلقة ككرة في الهواء؛ وهنا يجلس يهوه كرب وسيد؛ وبكونه صانعها، فهو فوقها، يأمر ويوجه حركتها، ويدبر كل الأشياء فيها: ويلاحظ "كيمحي" بحق أن السماوات هي دائرة الأرض، التي هي مركزها، والسماوات من حولها؛ وهكذا فإن المعنى يشير إلى أن الرب يجلس أو يسكن في السماوات، ومن هناك يتطلع إلى بني البشر.
وَسُكَّانُهَا كَالْجُنْدُبِ.
أو "كالجراد"؛ فكما يرى المرء من علو شاهق الكائنات كأنها متناهية الصغر؛ وإذا كان بنو إسرائيل أمام "العناقيين" أو العمالقة كالجنادب (عدد 13: 33)، فكم بالأحرى يكون هؤلاء الفانون الصغار في نظر الله وبالمقارنة معه؛ وهذا لا يدل فقط على ضآلة حجم البشر، بل على مدى ضعفهم وعجزهم وتفاهتهم وقصر أعمارهم.
الَّذِي يَنْشُرُ السَّمَاوَاتِ كَسَرَادِقَ،
إشارة إلى الجلد أو التوسع الذي صُنع عند الخلق ولا يزال مستمراً؛ وهو بمثابة ستارة لنفسه، يسدلها حول ذاته، إذ هو يسكن في السماوات العلى وفي نور لا يدنى منه بالنسبة للفانين؛ والتي يبسطها كظلة حول هذه الأرض لمصلحة سكانها: أو "كشيء ضئيل"؛ أو كجلد رقيق؛ يبسطه بكل سهولة كما يبسط الإنسان ذلك.
وَيَبْسُطُهَا كَخَيْمَةٍ لِلسَّكَنِ.
ليسكن هو فيها، وهكذا يبسط السماوات كستائر حوله؛ فالخيام تُصنع من مثل هذه الأشياء، وغالباً من الجلود.
23الَّذِي يَجْعَلُ الْعُظَمَاءَ لاَ شَيْئًا، وَيُصَيِّرُ قُضَاةَ الأَرْضِ كَالْبَاطِلِ. الَّذِي يَجْعَلُ الْعُظَمَاءَ لاَ شَيْئًا،
عظماء الأرض، الملوك والحكام والنبلاء، هؤلاء يضعهم في التراب؛ وكل مشوراتهم وخططهم ومقاصدهم تؤول إلى العدم؛ وكذلك ممالكهم وإمبراطورياتهم مع مرور الزمن. فأين هي الآن الإمبراطوريات البابلية والفارسية واليونانية وأولئك الأمراء العظام الذين حكموا فيها سابقاً؟
وَيُصَيِّرُ قُضَاةَ الأَرْضِ كَالْبَاطِلِ.
يجعل مراسيمهم وقراراتهم لا قيمة لها، كـ "الخلاء والخواء" (توهو وبوهو)، والكلمة الأولى هي المستخدمة هنا؛ بحيث لا يعود أحد يلتفت إليها أو يعيرها اهتماماً.
24لَمْ يُغْرَسُوا بَلْ لَمْ يُزْرَعُوا وَلَمْ يَتَأَصَّلْ فِي الأَرْضِ سَاقُهُمْ. فَنَفَخَ أَيْضًا عَلَيْهِمْ فَجَفُّوا، وَالْعَاصِفُ كَالْعَصْفِ يَحْمِلُهُمْ. لَمْ يُغْرَسُوا.
كالأشجار، مثل أرز لبنان، وإن بدا أنهم كذلك؛ بل هم كعشب الحقل وبقول الأرض: أو "بل كأنهم لم يُغرسوا"، فلا ينمون ولا يزدهرون؛ أو يُقتلعون فلا يبقون؛ قيل هذا عن أمراء وقضاة الأرض؛ بل،
بَلْ لَمْ يُزْرَعُوا
كالبذار التي حين تنبت تعطي ثماراً، لكن الأمر لن يكون كذلك معهم؛ أو يكونون كأنهم لم يُبذروا، إذ لا ثمر يأتي منهم:
وَلَمْ يَتَأَصَّلْ فِي الأَرْضِ سَاقُهُمْ.
لكي تستمر وتبقى، بل سرعان ما يختفون ويتلاشون، كما يفعل أقوى الأمراء وأحكم القضاة. ويقول الترجوم:
"برغم أنهم يتكاثرون، وبرغم أنهم يزدادون، وبرغم أن أبناءهم يعظمون في الأرض:"
"و" أو "بل"،
فَنَفَخَ أَيْضًا عَلَيْهِمْ فَجَفُّوا،
كما ييبس العشب عندما تهب عليه ريح عاتية.
وَالْعَاصِفُ كَالْعَصْفِ يَحْمِلُهُمْ
التي لا تقدر على الصمود أمام قوتها؛ وبذات العجز، لا يقدر أعظم أرباب السلطة على الأرض أن يصمدوا أمام عاصفة الغضب والانتقام الإلهي؛ فإذا نفخ الله عليهم فقط بغضب، فإن كل مجدهم وعظمتهم وبهاءهم وقوتهم تذبل وتيبس كزهر الحقل؛ ولا سيما إذا خرج بكل سخط غضبه بطريقة عاصفة ضدهم، فإنهم لا يقدرون على الوقوف أمامه أكثر مما تقدر العصافة أمام عاصفة عنيفة: راجع (رؤيا 6: 15). ويقول الترجوم:
"ومع ذلك، سيرسل سخطه عليهم؛ وكلمته تأخذهم كعصافة في زوبعة".
25«فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي فَأُسَاوِيهِ؟» يَقُولُ الْقُدُّوسُ. أو بمن تجعلونني على قدم المساواة؟ بما أن أعظم رجال الأرض صاروا إلى العدم بواسطته ولم يعودوا باقين: تكرر هذا من (العدد 18) مدعوماً بقوة حجة جديدة، لإظهار أنه لا يوجد شيء على الإطلاق يصلح كشبه أو مماثل لتمثيل الرب.26ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا، مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟ مَنِ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟ لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ. ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ
أي ارفعوها عن الأرض وسكانها، حتى أولئك الذين يملكون أعظم قوة ونفوذ فيها، إلى السماوات فوق، تلك التي تظهر للعين.
وَانْظُرُوا، مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟
أي تلك التي تُرى في السماوات: الشمس والقمر والنجوم؛ تأملوا خالقها، أي كائن مجيد يجب أن يكون؛ وأي قدرة يجب أن يمتلكها؛ وفي أي نور باهر يسكن؛ وبأي مجد وجلال يتسربل؛ وكيف أنه يتجاوز بغير حدود جميع الخلائق الفانية.
مَنِ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا،
ليس فقط بإيجادها عند الخلق الأول، بل في كل فصل وموقت؛ إذ يجعل الشمس تشرق كل صباح، والنجوم تظهر ليلاً، والقمر في دورانه؛ تماماً كما يخرج القائد جيشه، وينظمه في صفوف، ويعرضه، ويحصي عدد جنوده.
يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟
بما يتناسب مع موقعها وتأثيرها؛ فهو يعرف الأسماء الصحيحة لها جميعاً، وهو ما لا يمكن لأي منجم أن يدعيه؛ وهذه معرفة لا يملكها أي قائد جيش؛ فبالرغم من أن النجوم لا تُحصى بالنسبة للبشر، وأسماء معظمها مجهولة، إلا أنها جميعاً معروفة لديه هو الذي صنعها (مزمور 147: 4).
لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ.
فبسبب كمال قدرة الله، لا يقتصر الأمر على استمرار وجود الشمس والقمر (النيرين العظيمين) وحفظ نظامهما باستمرار، بل حتى كل نجم يحفظ مكانه، أو يتم دورته، ويحتفظ بتأثيره، ويطيع في كل حين أوامر خالقه؛ فلا يفشل أبداً في الظهور عند أمره، وفي فعل ما عينه له. ويعطي "كيمحي" المعنى هكذا: أن اسم كل نجم يتفق مع الفضيلة والفاعلية الكامنة فيه؛ وبسبب القوة والقدرة التي في كل واحد منها، فإنها تظل ثابتة لا تتغير كما كانت عند خلقها أول مرة؛ وهذا لا ينطبق فقط على الشمس والقمر، بل على النجوم صغاراً وكباراً. ويقول الترجوم:
"بسبب كثرة الشدة وقوة القدرة، لا يُعاق أحد عن نظامه؛"
ولهذا، فكما لا يوجد له شبيه على الأرض، كذلك لا يوجد في السماء مَن يُشبه الرب به، أو مَن يساويه. وقد لا يشير هذا إلى قدرة الرب في إعالة وحفظ هذه الخلائق فحسب، بل إلى أن قوة أعظم الخلائق لا تستطيع إعاقة تأثيرها وخدمتها: إذ يمكن ترجمة الكلمات: "من كثرة القوة، أو لكون أحدهم شديد القدرة، لا يُفقد أحد حقاً"؛ أي أنه بسبب قوة أو قدرة أعظم الخلائق، سواء ملائكة أو بشر، لا يمكن وقف جند السماوات في مسارهم، أو إعاقتهم عن عملهم المعين، أو سلبهم وجودهم.
27لِمَاذَا تَقُولُ يَا يَعْقُوبُ وَتَتَكَلَّمُ يَا إِسْرَائِيلُ: «قَدِ اخْتَفَتْ طَرِيقِي عَنِ الرَّبِّ وَفَاتَ حَقِّي إِلهِي»؟ لِمَاذَا تَقُولُ يَا يَعْقُوبُ وَتَتَكَلَّمُ يَا إِسْرَائِيلُ:
المقصود هنا هم اليهود المفترض وجودهم في السبي، وفقاً لـ "راشي" و"كيمحي"؛ حيث يوبخهم النبي على تذمرهم من الكوارث والآلام التي كابدوها هناك؛ ولكن قد يكون المقصود كنيسة الله وشعبه في أزمان الإنجيل، وهم في ظروف المعاناة، سواء تحت بابل الوثنية؛ إذ لم يكتفوا بالاستياء الداخلي، بل جهروا بالشكوى قائلين:
«قَدِ اخْتَفَتْ طَرِيقِي عَنِ الرَّبِّ
ولا يقصدون بذلك مسيرة حياتهم أو أفعالهم الدينية أو جهارهم بالإنجيل أو صلواتهم، بل "آلامهم" لأجل اسمه، والضيقات التي تحملوها، والطريق الوعر الذي سلكوه، والذي تخيلوا أن الله لا يلاحظه بما أنه لم يفتح باباً في تدبيره لإنقاذهم منها.
وَفَاتَ حَقِّي إِلهِي»؟
أي أن قضيتي وحالتي قد أهملها؛ فهو لا يتولى قضيتي، ولا يدافع عنها ضد أعدائي، ولا ينصفني من مظالمي، ولا ينتقم من الإساءات التي لحقت بي، أو يخلصني من أيدي مخاصميّ. ويأتي الرد على هذه الشكوى فيما يلي، ليظهر بوضوح أنه لا أساس لها.
أوريجانوس: "ارفعوا عيونكم" ترد في مواضع كثيرة في الكتاب المقدس حينما يعظنا الكلمة الإلهي أن نعلي ونرفع أفكارنا، لكي نسمو بالبصيرة التي ترزح في الأسفل في حالة مرضية نوعاً ما، وهي منحنية وعاجزة تماماً عن التطلع إلى فوق، كما هو مكتوب، على سبيل المثال، في إشعياء: "ارفعوا إلى العلاء عيونكم وانظروا، مَن أخبر بكل هذه الأشياء؟".
28أَمَا عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَسْمَعْ؟ إِلهُ الدَّهْرِ الرَّبُّ خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا. لَيْسَ عَنْ فَهْمِهِ فَحْصٌ. أَمَا عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَسْمَعْ؟
من تاريخ الكنيسة عبر العصور؛ ومن خبرة جميع القديسين؛ ومن معرفتهم وملاحظتهم الخاصة؛ ومن الأسفار والأنبياء مفسريها؛ أن ما قيل سابقاً خاطئ، وأن ما يتبع هو الحق.
إِلهُ الدَّهْرِ الرَّبُّ خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا.
أو "إله العالم"؛ الذي صنعه ويعيله ويدبره ويقضي فيه بالعدل؛ الذي هو من الأزل إلى الأبد، لا يتغير؛ الذي اسمه وحده "يهوه"، الكائن بذاته والمحيط بكل شيء، صانع ومصور كل الأشياء؛ الذي لم يخلق الأرض وأساساتها فحسب (كما يقول الترجوم)، بل وحتى أطراف الأرض؛ ولذلك فهو يعرف شعبه وسيعتني بهم أينما كانوا: وبالرغم من أن عمل الخلق وإعالة الخلائق وإدارة العالم والاعتناء بالكنيسة يتطلب قدرة وحكمة هائلة، إلا أنه لا يغرق أبداً تحت ثقله ولا يمل منه؛ ولذلك لا يوجد سبب للاستسلام لعدم الإيمان واليأس المذكورين أعلاه.
لَيْسَ عَنْ فَهْمِهِ فَحْصٌ.
فهمه غير محدود، يصل إلى كل الأشخاص والأشياء، ولذلك لا يمكن أن يعجز عن إعالة شعبه أو الدفاع عن قضيتهم؛ ولا يمكن لحالتهم أن تكون مجهولة لديه، ولا يمكن أن ينقصه القدرة أو المهارة لمساعدتهم.
29يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً، وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً. يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً،
الذين هم على وشك الإغماء تحت وطأة الآلام، لأنهم لم ينالوا خلاصاً فورياً، أو لأن صلواتهم لم تُستجب في الحال، أو لأن الوعود لم تتحقق كما توقعوا؛ لهؤلاء يعطي إمدادات جديدة من القوة الروحية؛ فيقوي إيمانهم، ويوسع رؤيتهم ليعاينوا جود الرب في أرض الأحياء، ويثبت بركاته ووعود نعمته لهم (مزمور 27: 13). ويقول الترجوم:
"الذي يعطي حكمة للأبرار الذين يتوقون إلى كلمات الناموس:"
وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً.
ليس بمعنى أنهم لا يملكون أي قوة على الإطلاق، بالمعنى الحرفي؛ فلو كان كذلك لما صح القول بأن شددتهم قد "زادت" بواسطته؛ بل بمعنى أن قوتهم وقدرتهم كانت ضئيلة جداً، وفي تصورهم الخاص لم يملكوا شيئاً، وعندها تُعطى لهم قوة جديدة؛ كما يقول الرسول: "حينما أنا ضعيف، فحينئذ أنا قوي" (2 كورنثوس 12: 10). ومع ذلك، قد يُفهم هذا لا عن قوة نعمهم، بل عن قوة خطاياهم وفسادهم: فكلمة من نفس جذر الكلمة المستخدمة هنا تعني "إثم"؛ والمعنى قد يكون أن الرب يزيد القوة الروحية لأولئك الذين لم تعد لشهوات وفساد الطبيعة البشرية فيهم سلطة ولا سيادة.
30اَلْغِلْمَانُ يُعْيُونَ وَيَتْعَبُونَ، وَالْفِتْيَانُ يَتَعَثَّرُونَ تَعَثُّرًا. اَلْغِلْمَانُ يُعْيُونَ وَيَتْعَبُونَ،
أولئك الذين هم في عنفوان قوتهم ويفتخرون بها، ومع ذلك، وبسبب يد الله عليهم -بمرض أو بآخر- تضعف قوتهم في الطريق؛ أو أنهم يواجهون ما لا طاقة لهم به، فيغرقون تحته ويصابون بالإحباط ويضطرون للتوقف. ويرى البعض أن المقصود هنا هم البابليون والكلدانيون، أعداء إسرائيل الذين سبوهم. ويفسر الترجوم هذه العبارة -والتي تليها أيضاً- عن الأشرار والفجار؛ وكذلك فعل "راشي" و"كيمحي": ويمكن تطبيقها على الأباطرة الوثنيين الذين اضطهدوا كنيسة الله فضربهم الرب، ووجدوا أن استئصال المسيحية من العالم عمل شاق جداً يفوق طاقتهم، رغم أنهم ظنوا أنهم فاعلوه؛ وتنطبق أيضاً على كل الدول المعادية للمسيح التي أعطت قدرتها وقوتها للوحش.
وَالْفِتْيَانُ يَتَعَثَّرُونَ تَعَثُّرًا.
أو "عثوراً يعثرون"؛ أي يتعثرون ويسقطون، يموتون ويفنون؛ أو على الأقل، لا يقدرون على تنفيذ مشاريعهم.
31وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ. وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً.
كالأطفال المنتظرين لآبائهم ليكرموهم ويطيعوا أوامرهم وينالوا منهم الطعام والبركات؛ كخادمٍ ينتظر سيده ليعرف مشيئته ويؤدي عمله وينال أجره؛ وكالموكلين (العملاء) المنتظرين لرعاتهم لينالوا المشورة ويضعوا قضاياهم في أيديهم ويراقبوا سيرها؛ وكالشحاذين على الأبواب الذين يقرعون وينتظرون، ويروون حالتهم وينتظرون، ويواجهون الصدود ومع ذلك يلزمون مكانهم ويستمرون في الانتظار: مثل هذا الفعل يفترض معرفة الله وتوقيره، والثقة به، والمثول أمامه، ليس بالجسد فقط -في العبادة العامة والخاصة- بل بالنفس أيضاً، وبدرجة من الثبات والصبر والسكينة: والرب يُنتظر لأجل استعلان ذاته، فهو أحياناً يحتجب، لكن ينبغي انتظاره لأن له وقتاً معيناً ليظهر فيه ثانية، وحضوره يستحق الانتظار؛ ويُنتظر أيضاً لأجل إتمام وعوده، المتوقعة بناءً على كماله وطبيعة الوعود وكونها في المسيح؛ وكذلك لأجل استجابة الصلاة، ولاكتشافات جديدة لنعمة الصفح والرحمة؛ وكما انتظر قديسو العهد القديم مجيء المسيح الأول، ينتظر قديسو العهد الجديد مجيئه الثاني، والمجد والسعادة الأبديين: وهؤلاء "يجددون قوة"؛ ويُفهم ذلك عن القوة الروحية في القلب، وعن نعم الروح الكامنة فيه: فالتجديد يفترض قوةً قد قُبلت بالفعل، وهي ما لا يملكه البشر الطبيعيون بل يملكها المتجددون؛ ومع ذلك فهم يحتاجون إلى المزيد، والمزيد سيُعطى لهم؛ ليعينهم في أداء الواجب، ويمكّنهم من مقاومة الشيطان وتجاربه وفساد الطبيعة، ويجعلهم يحتملون الآلام والاضطهادات بصبر، ويثبتون إلى النهاية.
يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ.
بسرعة وقوة؛ وهي تعبير عن حركة العواطف نحو السماء تجاه الله والمسيح وما هو فوق؛ وعن دخول الإيمان والرجاء إلى ما وراء الحجاب، وممارسة هذه النعم تجاه المسيح الجالس الآن عن يمين الله؛ وعن انتظار المجد والسعادة في السماء مستقبلاً، وعن المعونة الحالية تحت الآلام، حيث يحملهم الرب كما على أجنحة النسور؛ راجع (مزمور 103: 5).
يعتقد اليهود أن النسر يصعد لعشر سنوات عالياً في السماء، وعندما يقترب من حرارة الشمس، يسقط في البحر من شدة الحرارة؛ ثم يتساقط ريشه، فيتجدد، وينمو ريشه، ويعود إلى شبابه؛ وهكذا كل عشر سنوات حتى مئة؛ وفي السنة المئة يصعد وفقاً لعادته، ويسقط في البحر، ويموت. هذا ما قاله ابن مالك عن سعديا غاون.
يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ.
في طريق وصايا الله؛ مما يظهر محبة عظيمة لها، وإسراعاً في طاعتها، ولذة وسروراً، وبهجة وخفة في ذلك، بحيث يكونون بلا تعب.
يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ.
في طرق الله، باسم الرب، أو في المسيح كما قبلوه؛ مستندين إليه، متوكلين عليه، ومستمرين في ذلك حتى ينالوا غاية إيمانهم: خلاص نفوسهم؛ وهكذا لن يغرقوا تحت أحمالهم، ولن يستسلموا حتى يتمتعوا بالخلاص؛ وقد يكون المقصود هنا أشخاصاً مختلفين، وإن كانوا جميعاً مؤمنين؛ وتحديداً المسيحيين في تدبير الإنجيل، الذين يُمتحنون ويُجربون من أعداء كثيرين؛ فالبعض "سيحلق" عالياً ويسكن في الأعالي؛ وآخرون، وإن كانوا لا يستطيعون الارتفاع و"الطيران" بهذه السرعة والقوة، إلا أنهم "سيركضون" بلا تعب؛ وآخرون، وإن كانوا لا يقدرون على الطيران ولا الركض، إلا أنهم "سيمشون" دون أن يغشاهم الإعياء.
جيروم: لقد قلنا إن شيخوخة النسور تتجدد بتغيير أجنحتها وأنها وحدها التي ترى تألق الشمس وإشراق بهائها قادرة على التحديق بعيون لامعة؛ وهي تختبر صغارها لترى ما إذا كانوا من أصل نبيل بهذا الاختبار ذاته. وبنفس الطريقة يتجدد شباب القديسين إذ يلبسون أجسادهم غير المائتة لكي لا يعودوا يشعرون بتعب الفانين بل يُختطفون في السحب أمام وجه المسيح، وبلا شك (وفقاً للسبعينية) لا يجوعون، إذ لديهم الرب حاضراً لهم كطعام.
⏮