↰🏠 
🔝

إشعياء

فهرس الاصحاحات 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66

الاصحاح 41

فهرس الاعداد1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29
📖 - + 🔊
⏭ 1 «اُنْصُتِي إِلَيَّ أَيَّتُهَا الْجَزَائِرُ وَلْتُجَدِّدِ الْقَبَائِلُ قُوَّةً. لِيَقْتَرِبُوا ثُمَّ يَتَكَلَّمُوا. لِنَتَقَدَّمْ مَعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. يحتوي هذا الأصحاح على استدعاء لأعداء المسيح للمثول والمحاكمة في القضية القائمة بين الله وبينهم أمامه؛ وكلمات تعزية للمؤمنين الحقيقيين، واعدةً إياهم بالمعونة والحماية والإعالة؛ وإدانة كاملة لعبدة الأصنام وممارساتهم؛ ويُختتم بوعد عن "شخص عظيم" وما سيفعله بهؤلاء (الأعداء) ولأجل شعب الله. الاستدعاء: ورد في (العدد 1)، وصِيغ وفقاً للأعراف المتبعة في المحاكم القضائية. محل النزاع: وُضع حسم الخلاف على أساس "إقامة شخص معين من الشرق"، ومَن الذي فعل ذلك؛ وبظهور أن هذا هو عمل الرب، يثبت وجه الحق في القضية المتنازع عليها (العدد 2). إصرار الوثنيين: يُلاحظ إصرار عبدة الأصنام العنيد على وثنيتهم رغم تلك الأدلة (العدد 5). تشجيع المؤمنين: يتم تشجيع شعب الله، تحت اسمي "يعقوب وإسرائيل" (باعتبارهما موضوع اختيار الله ومحبته)، ضد الخوف من الناس، مع وعود بالمعونة والقوة من الرب (العدد 8). هزيمة الأعداء: وعود بخزي أعدائهم والانتصار عليهم (العدد 11). الإعالة الروحية: وعود بتوفير الاحتياجات الروحية والازدهار العظيم في حالتهم القفرة، حيث سيرون يد الرب بوضوح (العدد 17). تحدي الأوثان: يُتحدى الأمم الوثنية لتقديم حججهم القوية على وثنيتهم، ويُطالبون بإثبات قدرة أصنامهم على الإنباء بالمستقبل، أو فعل خير أو شر للبشر، أو الاعتراف بأنهم ليسوا سوى "رجس" (العدد 21). المحارب والمبشر: يتحدث النص عن "واحد" سيأتي كمحارب قدير ويدوس الأمراء الوثنيين، وعن إرسال مجموعة من خدام الإنجيل يحملون بشائر الخير لصهيون، لإسكات عبدة الأصنام وإبطال العبادات الوثنية (العدد 25). «اُنْصُتِي إِلَيَّ أَيَّتُهَا الْجَزَائِرُ إن الجدل العظيم الذي ساد العالم بعد مجيء المسيح، الموصوف صراحة في الأصحاح السابق، كان -كما يلاحظ البعض- حول ما إذا كان المسيح "أقنوماً إلهياً"؛ وقد اعترض اليهود أولاً على ذلك، ثم تبعهم كثيرون ممن حملوا الاسم المسيحي؛ بعضهم في زمن الرسل؛ وآخرون في عصور لاحقة؛ فبعضهم أكد أنه مجرد إنسان (مثل أبيون وكيرينثوس)؛ وآخرون زعموا أنه "إله مخلوق" (مثل آريوس)؛ وآخرون ادعوا أنه "إله بالوظيفة" (مثل سوسينوس وأتباعه)؛ والآن، هؤلاء جميعاً مدعوون للإنصات أينما كانوا، سواء في القارات أو في جزر البحر؛ وكل الأماكن التي كانت تنفصل عن اليهودية بالبحر أو يُذهب إليها بحراً كانت تسمى "جزائر"، ولعل المقصود بها هنا هو الأمم والجزر الأوروبية على وجه الخصوص. والآن، وكما يُعلن الصمت عندما يجلس القاضي على منصته وتنعقد المحكمة وتشرع القضية في النظر؛ فهنا، يهوه نفسه جالس على العرش، والقضية القائمة بينه وبين البشر على وشك البدء، لذا يُؤمرون بالصمت؛ راجع (زكريا 2: 13). وَلْتُجَدِّدِ الْقَبَائِلُ قُوَّةً. أي فليجمعوا كل قواهم، ويحشدوا أقوى الحجج لديهم، ويقدموا أسبابهم القوية المؤيدة لآرائهم. لِيَقْتَرِبُوا ثُمَّ يَتَكَلَّمُوا. ليتقدموا إلى المحكمة العلنية، وليحاجوا عن قضيتهم أمام القضاء، وليتكلموا بحرية وبكل ما لديهم؛ لئلا يدّعوا أنهم مُنعوا من الكلام أو لم يُسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم، أو أنهم أُدينوا دون سماعهم. لِنَتَقَدَّمْ مَعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. ولنختبر القضية بإنصاف؛ تلك التي وُضع حسمها على النقطة الوحيدة التي تلي ذلك.
2 مَنْ أَنْهَضَ مِنَ الْمَشْرِقِ الَّذِي يُلاَقِيهِ النَّصْرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ؟ دَفَعَ أَمَامَهُ أُمَمًا وَعَلَى مُلُوكٍ سَلَّطَهُ. جَعَلَهُمْ كَالتُّرَابِ بِسَيْفِهِ، وَكَالْقَشِّ الْمُنْذَرِي بِقَوْسِهِ. مَنْ أَنْهَضَ مِنَ الْمَشْرِقِ الَّذِي يُلاَقِيهِ النَّصْرُ يفسر الترجوم هذا عن "إبراهيم"، وكذلك التلمود ؛ وهذا ما يذهب إليه معظم المفسرين اليهود والمسيحيين، فصفات النص تنطبق عليه؛ فقد كان رجلاً باراً، آمن بالمسيح لأجل البر، ونال بر الإيمان وهو مختون، وصنع العدل وعمل البر بنفسه، وأمر أولاده وعبيده بفعل الشيء ذاته (تكوين 15: 6). لقد أُقيم من عائلة وثنية، من أور الكلدانيين، عبر نهر الفرات الذي يقع شرقي يهوذا؛ ودعاه الرب "إلى رجليه" كما يتبع، وكان مطيعاً له؛ فخرج بأمره وهو لا يعلم إلى أين يذهب (عبرانيين 11: 8). وأعطاه الله بالوعد أرض كنعان التي كانت تمتلكها "أمم" عدة، والتي ورثها نسله لاحقاً؛ بل جعله، بالمعنى الروحي، "أباً لأمم كثيرة"، أي لجميع المؤمنين في كل أمم العالم (تكوين 15: 18). وجعله منتصراً "على الملوك" الذين هزموا ملوك سدوم وعمورة ونهبوا مدنهم؛ والذين لم يقدروا على الوقوف أمامه (رغم أنه لم يملك سوى 318 عبداً من بيته) أكثر مما يقدر "الغبار والقش" على مقاومة ريح عاتية؛ لقد "طاردهم" في مسالك مجهولة، ونال نصراً كاملاً عليهم، دون أن يُصاب أو يفقد رجلاً واحداً؛ وقد كان ذلك أمراً استثنائياً لدرجة أن ملكي صادق، كاهن الله العلي ورمز المسيح، خرج للقائه وباركه (تكوين 14: 14). ومَن غير الإله القدير استطاع أو فعل أن يقيم هذا الرجل ويجعله ما كان عليه ويفعل ما فعل؟ ويرى البعض، مثل "ابن عزرا" ومفسرين مسيحيين عدة، أن المقصود هو "كورش"، الذي يُتحدث عنه كأنه قد أُقيم بالفعل (رغم أنه سيأتي مستقبلاً) بلغة النبوة؛ ويُسمى "الطائر الكاسر من المشرق" (إشعياء 46: 11)، كونه جاء من بلاد فارس التي تقع شرقي يهوذا؛ والذي دعاه الله ليلاقي النصر عند رجليه، ففعل مسرته ونفذ مشورته، ولذلك سُمي "رجلاً باراً" من هذا الجانب؛ وقيل عنه صراحة إنه "أُقيم بالبر"؛ وأخضع الرب أمامه "أمماً" وحلَّ أحقاء "ملوك" (راجع إشعياء 44: 28). ويفهم البعض هذا عنه كرمز للمسيح، وهو "البار"، أو "البر" ذاته كما تعني الكلمة حرفياً: "الرب برنا"؛ والذي اسمه "المشرق" (Oriens) أو الشمس المشرقة من الشرق (زكريا 3: 8)، والملاك الصاعد من مشرق الشمس (رؤيا 7: 2)، المولود في الجزء الشرقي من العالم؛ الذي دُعي ليكون عبداً للرب وكان كذلك؛ والذي أعطاه الأمم ميراثاً، وجعله بكره أعلى من ملوك الأرض، والذي سيقهرهم ويقتلهم بسيفه ذي الحدين. ويرى البعض أنه بما أن المسيح هو المتحدث هنا وهو موضوع النزاع، فلا بد أن المقصود شخص آخر متميز عنه؛ والمقصود هو "الرسول بولس"، ذلك الرجل العجيب (رغم أن البعض رفضوا هذا المعنى). لقد كان "باراً" بصنعه من بر المسيح؛ آمن به وكان كارزاً له وعاش حياة مقدسة وبارة؛ أقامه الرب لخدمة ومنفعة غير عادية، وظهر له شخصياً ليجعله خادماً ويرسله لعمله؛ وقد أُقيم في الجزء الشرقي من العالم، في يهوذا (إذ كان عبرانياً من العبرانيين)، ومن هناك أُرسل إلى أماكن شتى؛ راجع (أعمال 26: 16). عِنْدَ رِجْلَيْهِ؟ (ليلاقي النصر)؛ وبرغم أنه كان كأسد جسور يثور ضد القديسين، وينفث تهديداً وقتلاً ضدهم في ذروة هياجه؛ إلا أنه صار في الحال، عند دعوة المسيح، وديعاً كالحمل، وقال: "يا رب، ماذا تريد أن أفعل؟" فقد كان مستعداً لفعل أي شيء وكل شيء يرضيه (أعمال 9: 1). وعندما أوضح له المسيح مشيئته في أن يكرز بإنجيله، لم يعصَ ولم يشاور لحماً ودماً، بل شرع في ذلك فوراً بغيرة واستعداد عظيمين. دَفَعَ أَمَامَهُ أُمَمًا جعله رسولاً للأمم، وجعل تلك الأمم مطيعة بالقول والفعل؛ فظفر في المسيح في كل مكان، ونشر رائحة معرفته في كل موضع (رومية 11: 13). وَعَلَى مُلُوكٍ سَلَّطَهُ. أي حكام وأمراء وأرباب سلطة وملوك الأرض؛ فقد كانت له سلطة على أرواحهم، إذ كان أداةً لإما لتحويلهم (مثل سرجيوس بولس الوالي الروماني الذي يعتقد البعض أنه أخذ اسمه منه)؛ أو لجعلهم يرتعدون من أحاديثه (مثل فيلكس الوالي الروماني)؛ أو لجعلهم على الأقل يقرون بوجود شيء في الدين المسيحي (مثل الملك أغريباس الذي اضطر للاعتراف بأنه "بقليل يقنعه أن يصير مسيحياً" أعمال 13: 7)؛ ولإخضاع ممالكهم وسكانها للمسيح. جَعَلَهُمْ كَالتُّرَابِ بِسَيْفِهِ، وَكَالْقَشِّ الْمُنْذَرِي بِقَوْسِهِ. الذي لم تكن أسلحة محاربته جسدية بل روحية وقادرة بالله؛ فكان سيفه "سيف الروح" الذي هو كلمة الله؛ وقوسه وسهامه هي "الإنجيل" وحقائقه، التي خرج بها المسيح في خدمته غالباً ولكي يغلب؛ وبما أن ذلك كان مصحوباً بقدرة الله، لم يقدر البشر على الصمود أمامها أكثر مما يصمد الغبار والقش أمام الريح. ولكن يمكننا بشكل أوضح تطبيق النص ليكون ذي أكثر من بُعد، كورش؛ المسيح؛ بولس، ولكننا سنعرض التفسير الذي يخص بولس الرسول لأنه جديد إلى مسامعنا، ولكن هذا لا يعني أن النص لا ينطبق على مسيحنا القدوس. كيرلس السكندري: إن عجب الله لا يوجد فقط بحق في العمل المهيب الذي صنعه في الخلقة؛ فإنه لم يفعل شيئاً أقل من تخليص سكان الأرض، منقذاً الجنس البشري من الموت والدمار وفخ إبليس. لأنه قد دان الخطيئة التي صارت سيداً من خلال خطايانا، لكي يبرر بالإيمان أولئك القادرين على أن يكونوا معه. لقد صار لنا براً وفداءً وتقديساً أمام الله الآب.
3 طَرَدَهُمْ. مَرَّ سَالِمًا فِي طَرِيق لَمْ يَسْلُكْهُ بِرِجْلَيْهِ. طَرَدَهُمْ. مَرَّ سَالِمًا استمر في عمله، وطارد هدفه العظيم في إخضاع نفوس البشر وجلبهم لطاعة المسيح؛ ورغم كثرة أعدائه، "مرَّ سالماً"؛ إذ لم يسمح الله لهم بالهجوم عليه لإيذائه، رغم تعرضه لأخطار في البحر والبر، ومن اللصوص وقطاع الطرق، ومن بني جنسه ومن الأمم، في المدينة والريف، وحتى من إخوة كذبة؛ راجع (أعمال 18: 10). والنص بصيغة المستقبل: "سيطردهم، سيمر سالماً"؛ أو بسلام. فِي طَرِيق لَمْ يَسْلُكْهُ بِرِجْلَيْهِ. مسافراً في أرجاء غريبة، وفي بلاد بعيدة، وفي مسالك مجهولة لديه؛ حيث لم يذهب من قبل قط، "من أورشليم وما حولها إلى إلليريكون"، متمماً الكرازة بإنجيل المسيح (رومية 15: 19). جيروم: "لن تطأ قدماه الطريق"، أي أنه لن يشعر بتعب الحياة أو أي إرهاق من الضعف البشري، بل هو "من النهر في الطريق يشرب، لذلك يرفع الرأس". . . وهذا الذي فسرناه كإشارة لشخص المسيح، يرجعه البعض إلى كورش ملك الفرس، . . . بينما يظن بعض اليهود أن هذا قيل عن إبراهيم.
4 مَنْ فَعَلَ وَصَنَعَ دَاعِيًا الأَجْيَالَ مِنَ الْبَدْءِ؟ أَنَا الرَّبُّ الأَوَّلُ، وَمَعَ الآخِرِينَ أَنَا هُوَ». مَنْ فَعَلَ وَصَنَعَ دبره وأحدثه، وضع الخطة وأخرجها إلى حيز التنفيذ؛ أي إقامة الرجل البار من المشرق وإنجاحه بالطريقة الموصوفة. دَاعِيًا الأَجْيَالَ مِنَ الْبَدْءِ؟ أو بالأحرى هنا تبدأ الإجابة على السؤال أعلاه، ويمكن ترجمتها: هو الذي يدعو الأجيال من البدء؛ هو الذي أتمَّ وفعل هذا؛ ويتفق مع هذا النسختان السريانية والعربية؛ أي ذاك الذي عرفهم منذ الأزل، قبل أن يوجدوا، وعرف كل الرجال الذين سيكونون فيهم، واستطاع دعوتهم بأسمائهم؛ ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة؛ ويستدعيها إلى الوجود في الوقت المعين، ويديم تتابعها واحداً تلو الآخر؛ الذي يدعو بنعمته كل مَن يُدعون في الأجيال المتعاقبة، ويتسلط عليهم بقدرته وعنايته ونعمته. أَنَا الرَّبُّ الأَوَّلُ، أنا هو؛ "يهوه" غير المتغير، "أنا هو" الأزلي، "الألف والياء"، البداية والنهاية، الأول والآخر؛ وكل هذا قيل عن المسيح (رؤيا 1: 8)، وهي عبارات تعبر عن أزليته ولاهوته؛ فهو الأول والآخر في كل شيء؛ في عهد النعمة؛ وفي خلق كل الأشياء؛ وفي خلاص وتبرير وتقديس وتبني وتمجيد شعبه؛ وفي الكنيسة في السماء وعلى الأرض. وَمَعَ الآخِرِينَ أَنَا هُوَ». يمكن أن تُفهم إما عن "الأجيال الأخيرة" التي يكون الله معها ويدعوها كما الأولين؛ أو عن جميع المؤمنين الذين سيكون معهم وهم معه إلى كل الأبدية. إن تحول الرسول بولس، وتكليفه بالكرازة بالإنجيل، والمؤهلات الاستثنائية التي مُنح إياها، والأمور العجيبة التي فعلها في تحويل الخطاة وغرس الكنائس في العالم الوثني، والعمل على إبطال الوثنية فيه، كلها أدلة دامغة على لاهوت المسيح؛ إذ لا يمكن لأي مخلوق مجرد أن يقيم مثل هذا الرجل، ويعده بهذا الشكل، أو ينجز مثل هذه الأمور بواسطته. غريغوريوس النيسي: "أنا الرب الأول ومع الآخرين أنا هو". لا يوجد "إله" "قبل" الله، ولا يمكننا أن ندعو "إلهاً" ذلك الذي هو "بعد" الله. (لأن ما بعد الله هو الخليقة، وما قبل الله هو العدم، والعدم ليس إلهاً، أو بالأحرى ينبغي القول إن ما هو "قبل" الله هو الله في غبطته الأزلية، المُعرّف بتباين مع العدم) . . . فإذا كان الآب هو الذي يتكلم بهذه الطريقة، فهو يشهد للابن أنه ليس "بعده"؛ لأنه إذا كان الابن إلهاً وكل ما هو "بعد" الآب ليس إلهاً، فمن الواضح أن القول يشهد للحق بأن الابن في الآب وليس بعد الآب. أما إذا سُلّم بأن هذا التصريح هو عن الابن، فإن عبارة "لم يكن غيري قبلي" ستكون إشارة واضحة إلى أن ذاك الذي نتأمله "في البدء" يُدرك جنباً إلى جنب مع أزلية البدء.
5 نَظَرَتِ الْجَزَائِرُ فَخَافَتْ. أَطْرَافُ الأَرْضِ ارْتَعَدَتِ. اقْتَرَبَتْ وَجَاءَتْ. نَظَرَتِ الْجَزَائِرُ فَخَافَتْ. ليس النصر الذي أحرزه إبراهيم على الملوك؛ ولا حملة كورش ضد بابل وأمم أخرى وتحريره لليهود؛ بل "تقدم الإنجيل": رأى سكان الأمم الوثنية جموعاً غفيرة تقبل الإنجيل وتجهر به؛ رأوا أصنامهم مهملة، ومعابدهم مهجورة؛ فخافوا مما ستؤول إليه هذه العاقبة، من أن دينهم القديم الذي ورثوه عن آبائهم ونشأوا عليه سيبطل؛ ولا سيما الكهنة الذين تملكهم الذعر لأن رزقهم كان يعتمد على ذلك. أَطْرَافُ الأَرْضِ ارْتَعَدَتِ. لأن صوت الإنجيل خرج إلى كل الأرض، وكلماتهم إلى أقطار المسكونة (رومية 10: 18)؛ والمقصود السكان الذين يقطنون أبعد بقاع الأرض حيث يسود الجهل والوثنية تماماً. اقْتَرَبَتْ وَجَاءَتْ. ليس إلى الله، ولا إلى إبراهيم أو كورش؛ بل بالأحرى إلى آلهتهم، ليبذلوا جهدهم في الدفاع عن دينهم؛ أو، وهو الأفضل، اجتمعوا للتشاور فيما ينبغي فعله في مثل هذه الحالة الطارئة.
6 كُلُّ وَاحِدٍ يُسَاعِدُ صَاحِبَهُ وَيَقُولُ لأَخِيهِ: «تَشَدَّدْ». كُلُّ وَاحِدٍ يُسَاعِدُ صَاحِبَهُ بالشورى والنصيحة، وبأفضل الحجج التي يمكنهم استخدامها لمقاومة الدين الجديد (المسيحية) والدفاع عن القديم؛ ولمنع اعتناق الأول والتخلي عن الآخر. وَيَقُولُ لأَخِيهِ: «تَشَدَّدْ». أو "كن قوياً"؛ فقد شددوا أيدي بعضهم البعض في عبادتهم الوثنية، وشجعوا بعضهم على معارضة العقيدة السائدة؛ محتجين بأن مهنة البعض في خطر، ودينهم جميعاً على المحك، وآلهتهم توشك أن تصير محط ازدراء. ويمكن رؤية مثال على ذلك في "ديمتريوس" الصائغ في أفسس، عندما انتصر الإنجيل هناك بقوة؛ حيث حرض العمال الذين من نفس مهنته وما شابهها، ملمحاً إلى خسارة عملهم والإهانة التي ستلحق بإلهتهم "ديانا" (أرطاميس) إذا استمر الرسول في عمله؛ ومن هذا يمكننا أن نحكم كيف كان الحال، بشكل أو بآخر، في بقية أجزاء العالم؛ راجع (أعمال 19: 20).
7 فَشَدَّدَ النَّجَّارُ الصَّائِغَ. الصَّاقِلُ بِالْمِطْرَقَةِ الضَّارِبَ عَلَى السَّنْدَانِ، قَائِلاً عَنِ الإِلْحَامِ: «هُوَ جَيِّدٌ». فَمَكَّنَهُ بِمَسَامِيرَ حَتَّى لاَ يَتَقَلْقَلَ. فَشَدَّدَ النَّجَّارُ الصَّائِغَ. النجار، بعد أن يكون قد صنع تمثالاً خشبياً، يشجع ويحث الصائغ، أو "المصفي" كما يترجمها البعض، ليقوم بدوره في تغشيته بصفائح الذهب أو الفضة. الصَّاقِلُ بِالْمِطْرَقَةِ الضَّارِبَ عَلَى السَّنْدَانِ، ذاك الذي يطرق صفائح الذهب والفضة الرقيقة بالمطرقة ليزين بها الإله الخشبي، يشجع الحداد عند الكور، الذي يضرب على السندان لصنع المسامير اللازمة لتثبيت التمثال في عمود أو حائط، ليحثه على الإسراع في عمله. قَائِلاً عَنِ الإِلْحَامِ: «هُوَ جَيِّدٌ». أي أن الوصلات المختلفة جاهزة ليتم تجميعها معاً عن طريق لحامها. فَمَكَّنَهُ بِمَسَامِيرَ حَتَّى لاَ يَتَقَلْقَلَ. إما أن الصائغ والمصفي ثبتا صفائح الذهب والفضة بمسامير لتبقى ملتصقة ومحكمة عليه؛ أو أن الحداد الذي ضرب على السندان وصنع المسامير، قام بتثبيت التمثال بها في مكان مناسب لكي لا يسقط أو يُسرق. وكل هذا، برغم أنه يصور العجلة والقلق اللذين كان عليهما عبدة الأصنام للحفاظ على حرفتهم ودينهم، إلا أنه يعرضهم للسخرية والازدراء. ثيودوريت القورشي: انظروا، كما يقول [إشعياء]، ماذا يقول الوافدون الجدد إلى الحق لأولئك الذين لا يزالون أسرى ضلال الأوثان، لكي يظهروا لهم عجزها: الأوثان لا تستطيع المشي ولا إسناد نفسها دون أن تُثبَّت بمسامير. أما بخصوص عبارة "هو لحام جيد" (أو وصلة جيدة)، فقد نقلها المترجمون الثلاثة: "إنه مفصل صُنع جيداً"؛ أي أن المفاصل متلائمة تماماً. لقد جُمعت معاً بصنعة بشرية.
8 «وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِسْرَائِيلُ عَبْدِي، يَا يَعْقُوبُ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي، «وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِسْرَائِيلُ عَبْدِي، بما أن الانتشار الواسع والنجاح الباهر للإنجيل لابد أن يثير استياء الوثنيين وعبدة الأصنام ضد أولئك الذين اعتنقوه وجهروا به، والذين اضطُهدوا بشدة تحت حكم الأباطرة الرومان؛ فلأجل تعضيدهم تحت هذه المحن، يوجه الرب إليهم هذه الكلمات المعزية؛ فالمقصود هنا ليس إسرائيل بحسب الجسد، بل إسرائيل الروحي؛ أولئك الذين بقوة النعمة الإلهية تحولوا من الأصنام لخدمة الله الحي، وصاروا مستعدين ليصبحوا عبيده، وكان فخرهم أن يُدعوا ويُحسبوا كذلك؛ وبكونهم كذلك، فلهم اليقين بأن ربهم وسيدهم سيحميهم ويدافع عنهم، ويباركهم ويكافئهم. يَا يَعْقُوبُ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، إسرائيليون حقاً، على غرار يعقوب، رجال بسطاء القلوب، مصارعون وغالبون في الصلاة مع الله، الذين اختارهم ليكونوا شعبه وكنزه الخاص؛ والذين، رغم كونهم مرفوضين من الناس، إلا أنهم مختارون من الله ومكرمون. نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي، النسل الروحي لإبراهيم، بكونهم مؤمنين بالمسيح وأصدقاء (أخلاء) له كما كان إبراهيم؛ والذين يعاملهم ويظهرهم كأصدقاء من خلال كشف أسراره لهم (يوحنا 15: 15).
9 الَّذِي أَمْسَكْتُهُ مِنْ أَطْرَافِ الأَرْضِ، وَمِنْ أَقْطَارِهَا دَعَوْتُهُ، وَقُلْتُ لَكَ: أَنْتَ عَبْدِيَ. اخْتَرْتُكَ وَلَمْ أَرْفُضْكَ. الَّذِي أَمْسَكْتُهُ مِنْ أَطْرَافِ الأَرْضِ، لا يقصد إبراهيم ولا نسله الطبيعي؛ بل أولئك الذين آمنوا بالمسيح، والذين سكنوا في أقاصي الأرض، والذين وصل إليهم الإنجيل وبواسطته أمسك بهم المسيح واقتنصهم كخاصة له. وَمِنْ أَقْطَارِهَا دَعَوْتُهُ، (عظمائها)؛ من بين عظماء الأرض، من عائلاتهم وبلاطهم وقصورهم؛ أو بالأحرى دعاهم بنعمته عندما غُض الطرف عن هؤلاء العظماء وتُركوا؛ إذ لم يُدعَ كثيرون من الشرفاء ولا كثيرون من الأقوياء في تلك الأزمان (1 كورنثوس 1: 26). وَقُلْتُ لَكَ: أَنْتَ عَبْدِيَ. ولم يكتفِ بدعوتهم بهذا الاسم، بل جعلهم كذلك في الحقيقة؛ مضيفاً: اخْتَرْتُكَ وَلَمْ أَرْفُضْكَ. فالرب لا يرذل أحداً ممن اختارهم وسبق فعرفهم؛ ولذلك، لكونهم أعزاء جداً لدى الله كما تظهر كل الألقاب وأعمال النعمة المذكورة، ولكونهم محفوظين لديه من الهلاك أو الضياع الأبدي، فإن هذا يجب أن يشجعهم على احتمال الاضطهاد بصبر لأجل اسمه، وألا يخافوا من أي من أعدائهم، كما يتبع. يوسابيوس القيصري: بما أن نسل إبراهيم منتشر في كل الأرض، فهو يتحدث عن هذا. . . وبنفس الطريقة يوضح بولس الرسول لليهود: "كان يجب أن تُعلن الكلمة لكم أولاً، ولكن إذ دفعتموها عنكم، ها نحن نتوجه إلى الأمم". لذا يخاطب إشعياء أولئك الذين من بينهم يطيعون الدعوة والكلمة الإنجيلية المُسلَّمة: "يا مَن أمسكتُ بك من أطراف الأرض ودعوتك من أقاصيها". كثيرون من اليهود، في العصور الرسولية، سلّموا كلمة المسيح، ليس فقط لأرض يهوذا بل أيضاً لبقية الأمم. لأن نسل إبراهيم ينهض سريعاً، إلى الوقت الذي يذكر فيه الله اختيار الجوقة الرسولية، ويقول لهم: "أنت ابني"، أو وفقاً لتفسيرات أخرى: "أنت عبدي؛ اخترتك ولم أرفضك". وربما يسوي الرسول الإلهي بين "العبد" ونفسه، حاضراً كمن هو مستحق لشرف كونه عبداً للمخلص، بما أن الكلمة أعلنت هذا منذ البدء قائلة: "عظيم لك هم المدعوون 'عبدي'".
10 لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ. لاَ تَتَلَفَّتْ لأَنِّي إِلهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي. لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ. ليس مجرد بكيانه أو قدرته التي في كل مكان، أو بعنايته التي تعضد وتحفظ وتلاحظ وترتب وتسود على كل شيء؛ بل بطريقة "النعمة الخاصة"، لحراسة شعبه وحمايتهم، وتعضيدهم وإعالتهم، وتعزية وتقوية قلوبهم؛ ولذلك لا ينبغي لهم أن يخافوا من أي من أعدائهم، ولا مما قد يُدعون لاحتماله من آلام لأجل اسمه، حتى وإن جازوا في النار والمياه، وفي وادي ظل الموت. لاَ تَتَلَفَّتْ لأَنِّي إِلهُكَ. بالمسيح، وبطريق العهد، كما ظهر من خلال دعوته الفعالة لهم؛ ولذلك يمكنهم الاعتماد على محبته، والتيقن من قدرته، وتوقع كل الإمدادات الضرورية، وأن يُحملوا براحة خلال كل خدمة ومحنة يُدعون إليها؛ فلا يحتاجون لخوف الأعداء، ولا للإرتعاب مما قد يصيبهم؛ أو أن يذوبوا كالمياه وتذوب قلوبهم مثل الشمع في داخلهم، كما يفسر المفسرون اليهود الكلمة عموماً. ويقول الترجوم: "لا تنكسر؛" (أي في الروح). والكلمة تعني "أن يتلفت المرء حوله" كشخص في ضيق وذهول. قَدْ أَيَّدْتُكَ (سأقويك)؛ بقوة في نفوسهم، لأداء الواجبات، وممارسة النعمة، ومقاومة الفساد، وصد التجارب، واحتمال الآلام، ومجابهة الاضطهادات، والقيام بعمل جيلهم وفقاً لمشيئة الله؛ وإذا كان الله هو قوة شعبه، فلا داعي لخوفهم من أي أشخاص أو أشياء (مزمور 27: 1). وَأَعَنْتُكَ (سأساعدك)؛ أعينهم للخروج من كل ضيقاتهم وتجاربهم، ومن أيدي جميع أعدائهم؛ أعينهم في أداء الواجب، وفي ممارسة النعمة، وفي حمل الصليب، وفي خوض حروب الرب، وفي رحلتهم إلى العالم الآخر؛ أعينهم بكل رحمة، زمنية وروحيّة، وبكل الإمدادات اللازمة من النعمة، وأخيراً إلى المجد؛ ومعونته ملائمة وفي وقتها، ويمكن توقعها بما أنه قادر على المعونة بالوسائل أو بدونها؛ وقد وعد بإعانة شعبه، كما هنا، وهو أمين في وعده؛ لقد جعل معونته على "قدير"، وأقام "عرش نعمة" ليُقبل إليه طلباً للمعونة في حينها؛ وبما أنه هو معينهم، فلا ينبغي أن يخافوا مما يصنعه بهم إنسان أو شيطان (عبرانيين 13: 5). وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي. إما بقدرته الكلية، أو بابنه، "رجل يمينه" الذي جعله قوياً لنفسه، وهو واهب البر لشعبه؛ وهذا يعبر عن إعالته لهم، ليس فقط بطريقة العناية العامة، بل بطريقة النعمة الخاصة؛ وعن حمايته القوية وحفظه إياهم، لكي يثبتوا في نعمة الله، ويستمروا في طرقه، ولا يسقطوا سقوطاً نهائياً وكلياً، بل يثبتوا إلى النهاية، برغم عظم وكثرة تجاربهم ومحنهم. غريغوريوس النيسي: لأنه لا يخص أحداً غير الله أن يغرس الشجاعة في الخائفين، قائلاً لضعاف القلوب: "لا تخف لأني معك، لا تتلفت (لا ترتعب)"، كما يقول المرتل: "أيضاً إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شراً لأنك أنت معي".
11 إِنَّهُ سَيَخْزَى وَيَخْجَلُ جَمِيعُ الْمُغْتَاظِينَ عَلَيْكَ. يَكُونُ كَلاَ شَيْءٍ مُخَاصِمُوكَ وَيَبِيدُونَ. إِنَّهُ سَيَخْزَى وَيَخْجَلُ جَمِيعُ الْمُغْتَاظِينَ عَلَيْكَ. بسبب رفضهم لأصنامهم وعبادتها، وبسبب قبولهم للإنجيل والجهر به. لأن أصنامهم لن تقدر على مساعدتهم، ولا هم يقدرون على الدفاع عن عبادتها؛ وقيل الشيء نفسه بخصوص المسيح (إشعياء 45: 24). يَكُونُ كَلاَ شَيْءٍ مُخَاصِمُوكَ وَيَبِيدُونَ. أو "رجال خصومتك"؛ سيعود الكل إلى العدم، ويبيدون تماماً؛ في أشخاصهم وممتلكاتهم وقدرتهم وكرامتهم؛ كما حدث مع الأباطرة الرومان، مضطهدي شعب الله. ثيودوريت القورشي: هذا ما حدث بالفعل رمزياً في حقبة البابليين، إذ دمر إله الكون إمبراطوريتهم، وحرر اليهود من العبودية المرة وأعادهم إلى أرض أجدادهم. ومع ذلك، فإن هذا الخلاص ينطبق بشكل لائق وحقيقي على الرسل القديسين والشهداء المنصورين: فأعداؤهم قد تغطاهم الخزي، ومضطهدوهم قد اختفوا اليوم وصاروا نسياً منسياً، بينما حماة الحق يجذبون كل الانتباه ومعروفون لدى الجميع.
12 تُفَتِّشُ عَلَى مُنَازِعِيكَ وَلاَ تَجِدُهُمْ. يَكُونُ مُحَارِبُوكَ كَلاَ شَيْءٍ وَكَالْعَدَمِ. تُفَتِّشُ عَلَى مُنَازِعِيكَ وَلاَ تَجِدُهُمْ. لعدم وجودهم، أو لهروبهم إلى الثقوب والزوايا، وإلى الصخور والجبال، ليخفوا أنفسهم من غضب الخروف (رؤيا 6: 15). أو "رجال نزاعك"؛ الذين نازعوا المؤمنين، ليس بالكلمات والحجج، بل بالاضطهادات القاسية، محاولين بذلك إعاقة تقدم الإنجيل واستئصال المسيحية من العالم. يَكُونُ مُحَارِبُوكَ كَلاَ شَيْءٍ وَكَالْعَدَمِ. أو "رجال حربك"؛ الذين أعلنوا وشنوا الحرب ضد المسيحيين لإبادتهم كلياً؛ ومع ذلك، تلاشوا هم وكل جهودهم، وانتصر الإنجيل، وأُبطلت الوثنية تماماً؛ وهو ما حدث في زمن "قسطنطين"، عند فتح الختم السادس (رؤيا 6: 12)، الذي يعد تعليقاً مناسباً على هذا النص.
13 لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الْمُمْسِكُ بِيَمِينِكَ، الْقَائِلُ لَكَ: لاَ تَخَفْ. أَنَا أُعِينُكَ. لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الْمُمْسِكُ بِيَمِينِكَ، أي يمسك بها، وينضم في حلف وتحالف مع شعبه إن جاز التعبير، ويسير معهم يداً بيد؛ وبوجود مثل هذا معهم وفي جانبهم، فلا داعي لخوفهم من أي عدو. وهذا التعبير يوحي بحرية عظيمة، وألفة، وصداقة، مما يطمئن المؤمنين على عظيم محبة الله نحوهم؛ ويستنتجون أنهم في أمان، إذ يمسك بهم كما يمسك الوالد بيد طفله، فلا يخاف الطفل حينها من شيء. الرب يمسك بيمين شعبه، ليعلمهم السير بالإيمان، ويقودهم إلى حضرته وإلى الشركة مع ذاته، ويحفظهم من السقوط. أو بمعنى: "سيقوي يمينهم"؛ للقيام بعمله وخدمته ومقاومة أعدائهم؛ أو سيسد عوزهم ويملأ أيديهم بخيراته، وهو المعنى الذي يأتي به هذا التعبير أحياناً كما في (حزقيال 16: 45). الْقَائِلُ لَكَ: لاَ تَخَفْ. أَنَا أُعِينُكَ. كما يأخذ الصديق بيد صديقه في الضيق، ويطلب منه أن يطيب نفساً، واعداً إياه بكل مساعدة وإمداد ضروري. (راجع شرح العدد 10).
14 «لاَ تَخَفْ يَا دُودَةَ يَعْقُوبَ، يَا شِرْذِمَةَ إِسْرَائِيلَ. أَنَا أُعِينُكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَفَادِيكَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ. «لاَ تَخَفْ يَا دُودَةَ يَعْقُوبَ، لكونهم كالدودة، معرضين للخطر وعرضة للدوس والسحق، وحقيرين وتافهين في عيون أنفسهم وفي تقدير الآخرين. ولعل "يعقوب" أو الإسرائيليين الحقيقيين سُموا بذلك بسبب نجاستهم في أنفسهم التي يدركونها؛ وبالدرجة الأولى بسبب ضعفهم وعجزهم عن الدفاع عن أنفسهم ومقاومة أعدائهم. ويلاحظ "راشي" و"كيمحي" و"بن مالك" أن قوة الدودة تكمن في "فمها"، الذي رغم رقته يمكنه أن يضرب أقوى أرزة وينفذ فيها؛ ويلاحظ الأخير أن قوة إسرائيل تكمن في "صلواتهم"، كما كانت قوة يعقوب عندما صارع وتضرع فقدر مع الله وغلب. والآن، رغم أن القديسين هم كائنات فقيرة وضعيفة ومحتقرة، إلا أن الرب يأمرهم ألا يخافوا من أي من أعدائهم، فهو سيقف في جانبهم ويحميهم. يَا شِرْذِمَةَ إِسْرَائِيلَ. تترجمها نسخة الفولجاتا اللاتينية: "يا موتى إسرائيل"؛ أي أولئك الذين يُحسبون كموتى، ولا يُظهر لهم من الاحترام أكثر مما يُظهر للموتى الذين لا يُذكرون بعد؛ أو الذين يتعرضون للموت يومياً لأجل المسيح وإنجيله؛ أو الذين يحسبون أنفسهم أمواتاً عن الخطية. أو تترجم: "يا قلة من رجال إسرائيل" كما يرى آخرون؛ ففصيل المسيح هو "قطيع صغير"، وكنيسته مدينة صغيرة ورجالها قليلون بالمقارنة مع رجال العالم. أَنَا أُعِينُكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَفَادِيكَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ. تكرر هذا لتأكيده، وهو يزداد وثوقاً بهذه الصفات: كونه "فادي" شعبه من أيدي جميع أعدائهم، والإله "القدوس" والبار ومقدسهم، وهي الألقاب التي ينسبها لنفسه هنا ويعرّف نفسه بها.
15 هأَنَذَا قَدْ جَعَلْتُكَ نَوْرَجًا مُحَدَّدًا جَدِيدًا ذَا أَسْنَانٍ. تَدْرُسُ الْجِبَالَ وَتَسْحَقُهَا، وَتَجْعَلُ الآكَامَ كَالْعُصَافَةِ. هأَنَذَا قَدْ جَعَلْتُكَ نَوْرَجًا مُحَدَّدًا جَدِيدًا ذَا أَسْنَانٍ. تترجمها الفولجاتا: "كعربة دراس جديدة لها أسنان كالمناشير"؛ والسبعينية والعربية: "كعجلات دراس جديدة لعربة، على هيئة مناشير"؛ فقد كان القمح عند اليهود يُدرس بجر عربة ذات عجلات فوقه، وكانت العجلات محاطة بأسنان أو مسامير حديدية؛ (راجع إشعياء 28: 27)، أو بواسطة عربة أو زحافة محملة بالحجارة لضغطها لأسفل، وفي قاعها أسنان حديدية، وحين تجرها الثيران ذهاباً وإياباً فوق الحزم، ينفصل الحب عن القشر. وقد أعطى "بيكيوس" رسماً لهذه الأداة ، ولا تزال أدوات مشابهة تُستخدم في البلدان الشرقية كما يروي "تيفينو" : "في دمشق وكل تركيا تقريباً، لا يدرسون القمح، بل بعد قطعه يضعونه في أكوام، وينشرون جزءاً منه حول الأكوام بعرض 4 أو 5 أقدام وسمك قدمين؛ ثم يحضرون نوعاً من المزلجة المصنوعة من أربع قطع خشبية مربعة، تعمل اثنتان منها كمحور لأسطوانتين كبيرتين تدوران بسهولة؛ وحول كل أسطوانة ثلاث مسننات حديدية بسمك نصف قدم وقطر قدم، مليئة بالأسنان مثل المناشير؛ وهناك مقعد موضوع فوق الخشبتين الرئيسيتين حيث يجلس رجل ويقود الخيول التي تجر الماكينة حول طبقة القمح؛ وهذا يقطع القش صغيراً جداً ويجعل القمح يخرج من السنابل دون كسره؛ وعندما ينقطع القش جيداً يضيفون المزيد، ثم يفصلون القمح عن ذلك القش المهروس بتذرية الكل في الهواء بمذراة خشبية؛ فتهب الريح بالقش بعيداً ويسقط القمح وحده مستقيماً". يطبق البعض هذا على رسل المسيح، المشبهين بالثيران التي تدرس القمح؛ والذين لم يحرثوا ويزرعوا فحسب، بل "درسوا على رجاء"، وكانوا أدوات لهدم كل "شموخ" يُشبه الجبال والتلال "يرتفع ضد معرفة الله"، وإخضاعه "لطاعة المسيح" (1 كورنثوس 9: 9). والبعض يرى أنه يشير إلى "قسطنطين"، الإمبراطور المسيحي، الذي أُخرج ونشأ في الكنيسة؛ وهو نفسه "الابن الذكر" الذي ولدته المرأة واختُطف إلى الله، ورُقي إلى الإمبراطورية الرومانية، ورعى الأمم (الوثنية) بعصا من حديد (رؤيا 12: 5)؛ وحينها أصبحت الكنيسة، التي كانت قبلاً كدودة ضعيفة ومحتقرة، قوية ومهيبة؛ ولذلك شُبهت بنورج دراس جديد، ثقيل وحاد وقاطع. تَدْرُسُ الْجِبَالَ وَتَسْحَقُهَا، وَتَجْعَلُ الآكَامَ كَالْعُصَافَةِ. والتي ترمز مجازياً إلى الممالك والدول؛ وكما يقول الترجوم: "تقتل الشعوب وتفني الممالك"؛ وهكذا يفسرها "راشي" و"كيمحي" عن الملوك والأمراء؛ و"ابن عزرا" عن البابليين؛ والبعض يفهمها عن الأباطرة الرومان والإمبراطورية الرومانية التي غزاها قسطنطين ودمر وثنيتها، وحينها تزحزح كل جبل وجزيرة من مكانهما (رؤيا 12: 7). وقد يكون للنبوة إتمام أبعد في دمار "بابل ضد المسيح" وكل الدول المعادية للمسيح، عندما تكسر مملكة المسيح (المشار إليها بحجر قُطع بغير يدين) وتفني كل الممالك الأخرى؛ فتصير كعصافة البيدر في الصيف، وتحملها الريح فلا يوجد لها مكان (دانيال 2: 34). يُنسب هذا الدراس للأمم إلى الكنيسة، وإن كانت هي مجرد أداة، فالعمل هو عمل الرب، كما في (العدد 20).
16 تُذَرِّيهَا فَالرِّيحُ تَحْمِلُهَا وَالْعَاصِفُ تُبَدِّدُهَا، وَأَنْتَ تَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ. بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ تَفْتَخِرُ. تُذَرِّيهَا فَالرِّيحُ تَحْمِلُهَا وَالْعَاصِفُ تُبَدِّدُهَا، إشارة إلى عادات اليهود، الذين كانت بيادرهم (أماكن الدراس) تقع فوق قمم التلال والجبال، حيث يستغلون الريح في تذرية غلالهم، فتقوم الريح بفصل القمح وحمل العصافة (القش) بعيداً وتبديدها؛ وبالمثل، يُشار إلى أن أعداء الكنيسة وشعب الله سيُعاملون كالعصافة التي تذريها الريح ولا تُوجد بعد (مزمور 1: 5)؛ وهكذا وبناء على رأي البعض لم تعد "روما الوثنية" كما كانت بعد أن أخضعها قسطنطين، وكذلك سيكون حال الدول المعادية للمسيح التابعة لضد المسيح (دانيال 2: 35). وقارن هذا بما قيل عن بابل الحرفية، والذي سيتحقق في "بابل السرية" (إرميا 51: 33). وَأَنْتَ تَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ. ويقول الترجوم: "بكلمة الرب؛" وهو يفسر العبارة السابقة هكذا: "كلمته تبددهم كما تبدد العاصفة العصافة؛" ولذلك يبتهج القديسون بالرب، لأنه هو الذي يدمر أعداءهم؛ فعندما أُبطلت بابل الوثنية، وطُرد الشيطان وملائكته ودُمروا، ساد فرح عظيم بين شعب الله قائلين: "الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه" (رؤيا 12: 10). وسيكون هناك ابتهاج عظيم بالرب كذلك عند سقوط بابل النهائية، وحين ينال القديسون الغلبة على الوحش (رؤيا 15: 2). بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ تَفْتَخِرُ. الذي صنع ذراعه وحده الأمور المذكورة أعلاه، وله يجب أن يُنسب المجد: إن السمة الحقيقية للمؤمنين هي الابتهاج بالمسيح، في شخصه ومهامه ونعمته، والافتخار بكونه قد صار لهم حكمة وبراً وقداسة وفداءً (فيلبي 3: 3). مدراش رباه للتكوين (83: 5) [وقع نزاع بين القمح والقش والتبن، حيث ادعى كل صنف منهم أن الحقل إنما فُلِح وبُذر من أجله وحده، فكان رد سنابل القمح: تريثوا حتى يحين موعد دخول الأجران، وحينها سيتضح لمن غُرست الأرض. فلما صاروا داخل الجرن، برز صاحب الضيعة ليقوم بعملية التذرية؛ فتطاير التبن مع هبوب الريح، واستبقى القمح مستقراً على الثرى، أما القش فقد أحرقه بالنار، ثم نظم القمح في رزمٍ فكان كل من يعاينها يبدي إعجابه بها ويقبلها، وهذا تصديقاً لما ورد: "قبّلوا الـ בר (الابن/القمح) لئلا يسخط" (مزمور 2: 12). وعلى ذات الشاكلة تزعم أمم الأرض، ففئة تدعي أنها الركن الأساس وبسببها وُجد الكون، وأخرى تزعم أن العالم لم يُخلق إلا لها، فقالت لهم إسرائيل: انتظروا حلول اليوم الموعود لنتبين لأي غاية وُجد العالم، وهو ما أثبته النص: "فها هو ذا اليوم آتٍ، يضطرم كالأتون، فيصير كل المتكبرين والمنهمكين في الإثم كالقش، ويحرقهم ذلك اليوم القادم" (ملاخي 4: 1)، وفي شأنهم قيل: "تذريها فتقتلعها الريح، ويبددها الإعصار" (إشعياء 41: 16)، أما بخصوص إسرائيل فورد: "أما أنت فتغتبط بالرب، وبقدوس إسرائيل تفتخر" (16).]
17 «اَلْبَائِسُونَ وَالْمَسَاكِينُ طَالِبُونَ مَاءً وَلاَ يُوجَدُ. لِسَانُهُمْ مِنَ الْعَطَشِ قَدْ يَبِسَ. أَنَا الرَّبُّ أَسْتَجِيبُ لَهُمْ. أَنَا إِلهَ إِسْرَائِيلَ لاَ أَتْرُكُهُمْ. «اَلْبَائِسُونَ وَالْمَسَاكِينُ طَالِبُونَ مَاءً وَلاَ يُوجَدُ. لِسَانُهُمْ مِنَ الْعَطَشِ قَدْ يَبِسَ. لا يُفهم هذا حرفياً بل روحياً؛ ليس عن ظروفهم الخارجية -وإن كان شعب الله في معظمهم هم فقراء العالم المحتاجين لخيراته، والجائعين والعطاش والعراة- بل عن حالتهم الروحية: فبكونهم في المسيح لا يحتاجون لشيء، لكنهم في أنفسهم، وفي أوقات وحالات مختلفة، يحتاجون لأمور كثيرة؛ كاستعلانات أكبر لمحبة الله، وإمدادات جديدة من النعمة من المسيح، ومزيد من النور الروحي والحيوية، وقوة وتعزية متجددة، ورؤى متجددة للصفح والبر، وطعام جديد للإيمان، ومزيد من النعمة بكل أنواعها لتعينهم في وقت الحاجة؛ وهذه يطلبونها عند "عرش النعمة" وفي الوصايا العامة، وأحياناً لا يجدون شيئاً، أو يمر وقت طويل قبل أن ينالوا بغيتهم: إنهم يعطشون إلى "العقيدة" (كما يترجمها الترجوم)، وإلى الكلمة والوصايا، وأحياناً تكون ظروفهم بحيث لا يقدرون على الوصول إليها؛ يعطشون للشركة مع الله والتعزية الروحية ولا يستطيعون التمتع بها، لكونهم في مكان ليس فيه ماء؛ ويعطشون لبركات النعمة ولا يجدون تطبيقاً لها؛ راجع (مزمور 42: 1). وهذا يمثل إلى حد كبير حال الكنيسة تحت الاضطهادات من الأباطرة الوثنيين، أو عندما اضطرت للهروب إلى البرية من وجه التنين (رؤيا 12: 6). أَنَا الرَّبُّ أَسْتَجِيبُ لَهُمْ. أسمع صراخهم وصلواتهم، وأستجيب لهم، وأسد احتياجاتهم؛ هو الرب الإله القدير القادر على معونتهم، الرب الذي لا يتغير ولذلك لا يفنون. أَنَا إِلهَ إِسْرَائِيلَ لاَ أَتْرُكُهُمْ. لا يترك أشخاصهم، ولا عمل نعمته فيهم، بل سيعضدهم ويوفر احتياجاتهم ويتمم عمله فيهم؛ وهو ما يمكنهم التيقن منه، لأنه "إله إسرائيل"، إله عهدهم وأبوهم.
18 أَفْتَحُ عَلَى الْهِضَابِ أَنْهَارًا، وَفِي وَسَطِ الْبِقَاعِ يَنَابِيعَ. أَجْعَلُ الْقَفْرَ أَجَمَةَ مَاءٍ، وَالأَرْضَ الْيَابِسَةَ مَفَاجِرَ مِيَاهٍ. أَفْتَحُ عَلَى الْهِضَابِ أَنْهَارًا، وهذا أمر غير معتاد؛ لكن الله سيغير مجرى الطبيعة ويصنع المعجزات بدلاً من أن ينقص شعبه ما هو ضروري لهم؛ هكذا يفتح لهم محبته الأزلية وغير المتغيرة، ويظهرها لهم ولنصيبهم فيها، وهي نهر عريض لا يمكن عبوره؛ وهذا في "الهضاب" (الأماكن العالية)، إذ يتدفق من عرش الله والحمل؛ ومن نهر الملذات هذا يسقي شعبه، فتفرح سواقيه مدينة إلهنا؛ وكذلك ملء النعمة في ابنه، التي هي كأنهار مياه في مكان يابس، جزيلة جداً ومنعشة؛ وأيضاً مواهب روحه، التي يعطيها بوفرة كبيرة، وهي أنهار المياه التي يفيضها من داخل المؤمنين بالمسيح في ممارستهم المريحة لها؛ راجع (مزمور 36: 8). وَفِي وَسَطِ الْبِقَاعِ يَنَابِيعَ. الله نفسه هو ينبوع الحياة والمياه الحية؛ والمسيح هو ينبوع الجنات وفيه آبار الخلاص؛ ونعمة الروح هي بئر ماء حي ينبع إلى حياة أبدية؛ وهذه تنالها النفوس المتواضعة، المشبهة بالوديان المنخفضة (مزمور 36: 9). أَجْعَلُ الْقَفْرَ أَجَمَةَ مَاءٍ، وَالأَرْضَ الْيَابِسَةَ مَفَاجِرَ مِيَاهٍ. إشارة إما إلى العالم الأممي (الوثني)، الذي كان كالقفر والأرض اليابسة قبل مجيء الإنجيل إليه، ولكنه به ارتوى وصار مثمراً؛ أو إلى حالة وشأن شعب الله وهم في "وضعية البرية"، عندما يفتقدهم الرب ويمدهم بكل ضروري، فيصيرون كجنة ريا لا تنقطع مياهها (رؤيا 12: 14). ويطبق اليهود هذا النص على "أيام المسيا". مدراش رباه للعدد (14: 2) ["من تقدمني بفضل فأكافئه؟" (أيوب 41: 11)، ذكر الحبر اليعزر بن الحبر حييا: أن كل صنيع قدمه إبراهيم لملائكة الخدمة، قد رده القدوس -تبارك اسمه- لبنيه إبان خروجهم من ديار مصر، وسوف يمنحه لهم ثانية في المستقبل الآتي؛ ففي حق إبراهيم كُتب: "ليُؤخذ" (تكوين 18: 4)، وبالمقابل فعل القدوس -عز وجل- مع أبنائه: "وأتخذكم لي شعباً وأكون لكم إلهاً" (خروج 6: 7)، وهذا بازاء "ليؤخذ"، وأوضح الحبر يوحنان: أن هذا التدبير يخص العالم الحاضر، ولكن ماذا عن الزمان الآتي؟ نجد ذلك في: "ويأخذهم شعوب ويأتون بهم إلى موضعهم" (إشعياء 14: 2). وعن إبراهيم ورد: "قليل ماء" (تكوين 18: 4)، فأجزل القدوس -تبارك اسمه- العطاء لبنيه بسقياهم عند خروجهم من مصر: "فتضرب الصخرة فينبع منها ماء ليشرب القوم" (خروج 17: 6)، وعن الزمان الآتي نجد: "لأن الرب إلهك يسير بك إلى أرض طيبة، أرض تفيض بالأنهار" (تثنية 8: 7)، وبخصوص عهد المسيح قيل: "ويكون على كل طور شاهق وعلى كل تلة مرتفعة قنوات ومجاري مياه" (إشعياء 30: 25) وأيضاً: "أفجر على الروابي أنهاراً" (إشعياء 41: 18). وعن إبراهيم كُتب: "واغسلوا أرجلكم" (تكوين 18: 4)، فمنح القدوس -تقدست أسماؤه- بنيه عند خروجهم من مصر طهارة: "فغسلتك بالماء" (حزقيال 16: 9)، وفي أرض إسرائيل قيل: "اغتسلوا وتطهروا" (إشعياء 1: 16)، وعن الزمان الآتي نجد: "إذا غسل السيد دنس بنات صهيون" (إشعياء 4: 4). وعن إبراهيم ورد: "واتكئوا تحت الشجرة" (تكوين 18: 4) حيث أقام لهم كنة، وصنع القدوس -تبارك اسمه- مظال لبنيه عند خروجهم من مصر: "في مظال أسكنت بني إسرائيل حين أخرجتهم من أرض مصر" (لاويين 23: 43)، وفي أرض إسرائيل كُتب: "سترت رأسي في يوم القتال" (مزمور 140: 7)، والمقصود بـ"يوم القتال" هو يوم مواجهة الملوك الواحد والثلاثين. أما عن الزمان الآتي فورد: "وتكون مظلة للاستظلال نهاراً" (إشعياء 4: 6).]
19 أَجْعَلُ فِي الْبَرِّيَّةِ الأَرْزَ وَالسَّنْطَ وَالآسَ وَشَجَرَةَ الزَّيْتِ. أَضَعُ فِي الْبَادِيَةِ السَّرْوَ وَالسِّنْدِيَانَ وَالشَّرْبِينَ مَعًا. أَجْعَلُ فِي الْبَرِّيَّةِ الأَرْزَ وَالسَّنْطَ حيث لم تعتد مثل هذه الأشجار أن تنمو، بل في لبنان والأماكن المشابهة. ويُعتقد أن "شجرة السنط" (shittah tree) هي نوع من الأرز؛ وهي ذاتها "خشب السنط" المذكور في (خروج 25: 5) وهكذا سماها الترجوم هنا. وَالآسَ وَشَجَرَةَ الزَّيْتِ. أما الأولى فلا صعوبة فيها، ويظن المرء ألا صعوبة في الثانية أيضاً وأن المقصود بها شجرة الزيتون؛ لكن "كيمحي" يرى أن ذلك ليس مؤكداً، ويفترض أن المقصود بها "شجرة الصنوبر"؛ ويلاحظ أن شجرة الزيتون مُيِّزت عن "شجرة الزيت" هذه في (نحميا 8: 15)، وهذا صحيح؛ وقد ترجمها المترجمون هناك بـ "شجرة الصنوبر". أَضَعُ فِي الْبَادِيَةِ السَّرْوَ وَالسِّنْدِيَانَ وَالشَّرْبِينَ مَعًا. ما نترجمه هنا بـ "السنديان" يفسره الترجوم بـ "الدردار"، وكذلك نسخة الفولجاتا اللاتينية. والمقصود مجازياً بكل هذه الأشجار هم "الأشخاص المتجددون" في العالم الأممي، الذين حدث فيهم تغيير عظيم كأنما حلَّت هذه الأشجار محل القريص والشوك؛ والذين بفضل نعمة الله صاروا حسان المظهر وجميلين كجمال بعض هذه الأشجار؛ وفواحين وذوي رائحة ذكية في نعمهم وواجباتهم كغيرها؛ ومفيدين ومثمرين في النعمة والأعمال الصالحة كبقية الأشجار؛ ويشبهونها أيضاً في كون بعضها دائم الخضرة، ومعمراً، وغير قابل للفساد؛ وذلك بسبب ثباتهم في النعمة والقداسة.
20 لِكَيْ يَنْظُرُوا وَيَعْرِفُوا وَيَتَنَبَّهُوا وَيَتَأَمَّلُوا مَعًا أَنَّ يَدَ الرَّبِّ فَعَلَتْ هذَا وَقُدُّوسَ إِسْرَائِيلَ أَبْدَعَهُ. لِكَيْ يَنْظُرُوا وَيَعْرِفُوا وَيَتَنَبَّهُوا وَيَتَأَمَّلُوا مَعًا ليس أمم العالم كما يرى "كيمحي"؛ بل بالأحرى، كما يرى "ابن عزرا"، "البائسون والمساكين"؛ الذين من خلال كل هذا -بإخضاع الممالك والدول (أعدائهم)، وسد احتياجاتهم في أشد حالات الضيق وبطريقة عجيبة، وتحويل الخطاة- يدركون بسهولة، ويقرون بصدق، ويضعون في قلوبهم وعقولهم، ويستمدون الفهم من ذلك. أَنَّ يَدَ الرَّبِّ فَعَلَتْ هذَا وَقُدُّوسَ إِسْرَائِيلَ أَبْدَعَهُ. لأن الأمور المذكورة سابقاً تحمل في طياتها علامات واضحة ليد الرب، وهي أدلة جلية على قدرته الكلية، تماماً كالأمور التي فُعلت في خلق كل الأشياء؛ فأن تُجعل "دودة" أداة دراس لتحطيم الجبال والتلال والممالك والدول وتجعلها كالهباء، وأن تُفتح أنهار في الهضاب، وتُغرس أنواع الأشجار الفاخرة في القفر؛ كل هذا عمل خلق، وبالفعل فإن "عمل التجديد" (التحويل) هو عمل خلق؛ فالبشر به يصيرون "خليقة جديدة"، وهم بوضوح صنيعة يد الله.
21 «قَدِّمُوا دَعْوَاكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. أَحْضِرُوا حُجَجَكُمْ، يَقُولُ مَلِكُ يَعْقُوبَ. «قَدِّمُوا دَعْوَاكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. بعد أن عزَّى الرب شعبه تحت وطأة المحن والاضطهادات من أعدائهم في العصور الأولى للمسيحية، يعود إلى الجدل بينه وبين الوثنيين عبدة الأصنام، ويتحداهم أن يقدموا قضيتهم إلى محكمة علنية، ولتُختبر علانية ليرى الجميع في أي جانب يكمن الحق. أَحْضِرُوا حُجَجَكُمْ، يَقُولُ مَلِكُ يَعْقُوبَ. أو "ملك القديسين"، إسرائيل الله الحقيقي، الذين يقرون بالرب ملكاً وإلهاً لهم، والذين يسود عليهم ويحميهم ويدافع عنهم؛ وقد اتخذ هذا اللقب لتعزيتهم، فبرغم أنه ملك على كل أمم العالم، إلا أنه ملكهم بمعنى سامٍ وخصوصي؛ وهو لا يلقب نفسه هنا بـ "إله يعقوب" (وإن كان كذلك) لأن الألوهية هي موضوع النزاع والقضية المطلوب الفصل فيها: هل هو الإله الحقيقي أم آلهة الأمم؛ ولذلك يُتحدى أتباع الأوثان لإحضار أقوى الحجج والبراهين التي يمكنهم حشدها لإثبات ألوهية أصنامهم؛ حججهم "العظمية" كما تشير الكلمة؛ فما تمثله العظام للجسد، تمثله الحجج القوية للقضية من حيث الدعم والثبات.
22 لِيُقَدِّمُوهَا وَيُخْبِرُونَا بِمَا سَيَعْرِضُ. مَا هِيَ الأَوَّلِيَّاتُ؟ أَخْبِرُوا فَنَجْعَلَ عَلَيْهَا قُلُوبَنَا وَنَعْرِفَ آخِرَتَهَا، أَوْ أَعْلِمُونَا الْمُسْتَقْبِلاَتِ. لِيُقَدِّمُوهَا لا يقصد حججهم كما سبق، بل "آلهتهم"؛ ليدعوهم للاقتراب، وليظهروا في المحكمة ويتحدثوا عن أنفسهم، بعد أن قال عُبّادهم كل ما بوسعهم للدفاع عن ألوهيتهم. وَيُخْبِرُونَا بِمَا سَيَعْرِضُ. (بما سيحدث)؛ ما سيحدث مستقبلاً؛ وبذلك يثبتون ألوهيتهم؛ فليس من أحد سوى الله يمكنه الإنباء بالمستقبل بيقين؛ وكل ما عدا ذلك مما لا يأتي من الله عبر أنبيائه هو مجرد تخمين، وغموض، وعدم يقين، وتلاعب، وخداع، كما كانت نبوءات الوثنيين؛ أما ما يُنبأ به بوضوح وجلاء ويحدث وفقاً للتنبؤ، فهو دليل الألوهية، وهذا هو التحدي هنا. وكلمة "نا" (إيانا) و"نحن" في العبارات التالية، تشير إما إلى الله والمسيحيين (عباده الحقيقيين)، أو بالأحرى إلى "الأقانيم الثلاثة" في اللاهوت: الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد الحق، في مقابل آلهة الوثنيين. ويترجمها الترجوم: "ماذا سيحدث لنا؛" مَا هِيَ الأَوَّلِيَّاتُ؟ أَخْبِرُوا إما ما كان قبل خلق العالم (كما يرى راشي)؛ ما قُصد وقُرر وعُزم على فعله منذ الأزل؛ أو فليكتبوا أو يلهموا أنبياءهم ليكتبوا تاريخ الخليقة ومعاملات العصور الخوالي كما فعل موسى بوحي من الله؛ أو فليظهروا ما هي الأمور التي تنبأوا بها سابقاً وقد حدثت الآن وفقاً لتنبؤاتهم؛ أو بالأحرى "أخبروا بالأمور الأولى (القريبة) التي قد تكون"؛ أي ما سيحدث أولاً أو عما قريب، أخبرونا به إن استطعتم. فَنَجْعَلَ عَلَيْهَا قُلُوبَنَا وَنَعْرِفَ آخِرَتَهَا، أَوْ أَعْلِمُونَا الْمُسْتَقْبِلاَتِ. أي نزنها جيداً في عقولنا، ونتأملها بجد وانتباه، كيف وبأي طريقة أُنْبئ بحدوثها، ونلاحظ ونراقب نتيجتها، وهل يطابق الحدثُ التنبؤَ؛ أو أعلمونا بالمستقبلات؛ التي تقع على مسافة زمنية بعيدة؛ أخبرونا ليس فقط بما سيُفعل في العصر الحالي، بل وما سيليه إلى نهاية العالم.
23 أَخْبِرُوا بِالآتِيَاتِ فِيمَا بَعْدُ فَنَعْرِفَ أَنَّكُمْ آلِهَةٌ، وَافْعَلُوا خَيْرًا أَوْ شَرًّا فَنَلْتَفِتَ وَنَنْظُرَ مَعًا. أَخْبِرُوا بِالآتِيَاتِ فِيمَا بَعْدُ من الآن وصاعداً إلى استتمام كل الأشياء؛ وهكذا يترجمها الترجوم: "أخبروا بما سيأتي في النهاية؛" أو في الخاتمة، خاتمة كل شيء؛ أو أخبروا بأمور عجيبة ستحدث فيما بعد؛ هكذا يفسر "راشي" الكلمة، إذ إن كلمة شبيهة بها تحمل معنى الآيات والعجائب. فَنَعْرِفَ أَنَّكُمْ آلِهَةٌ، وَافْعَلُوا خَيْرًا أَوْ شَرًّا كما يُقال عنكم؛ لكي نقر ونعترف بأنكم كذلك، متى وُجد هذا الدليل القاطع -إن أمكن إثباته- بالتنبؤ بأمور آتية، سواء كانت قريبة أو بعيدة. ويقول الترجوم: "لكي نعرف هل تعبدون أصناماً فيها أي نفع؛" وكأن الكلام لم يُوجه للأصنام بل لِعُبّادها: "افعلوا خيراً أو شراً"؛ ليس بالمعنى الأخلاقي بل بالمعنى المدني؛ أي افعلوا خيراً لأصدقائكم وعُبّادكم، أغدقوا عليهم النعم كما أفعل أنا مع خاصتي؛ أو أنزلوا العقاب بأعدائكم، أولئك الذين يحتقرون ألوهيتكم ولا يعبدونكم، كما أفعل أنا مع الذين يحتقرونني ولا يبالون بخدمتي وعبادتي. فَنَلْتَفِتَ وَنَنْظُرَ مَعًا. لكي حين نرى ألوهيتكم ونقتنع بها من خلال الأدلة المذكورة، نندهش ونبهت، لأننا لم نتوقع مثل هذا الدليل، ونخزى فلا نجد ما نعترض به. ويقول الترجوم: "لكي نتأمل ونتحاجّ معاً؛" ونصل بالقضية المتنازع عليها إلى خاتمة، كما ورد في العدد التالي.
24 هَا أَنْتُمْ مِنْ لاَ شَيْءٍ، وَعَمَلُكُمْ مِنَ الْعَدَمِ. رِجْسٌ هُوَ الَّذِي يَخْتَارُكُمْ. هَا أَنْتُمْ مِنْ لاَ شَيْءٍ، ليس من جهة المادة التي صُنعوا منها، فقد صُنعوا من ذهب وفضة ونحاس وغيرها، بل من جهة "ألوهيتهم"؛ فليس فيهم ذرة ألوهية، وهم بلا قدر ولا قيمة؛ لا يستطيعون فعل شيء، خيراً كان أم شراً، لا مساعدة أصدقائهم ولا إيذاء أعدائهم؛ بل هم "أقل من لا شيء"؛ إذ يمكن ترجمة العبارة بصيغة المقارنة: "ها أنتم أقل من العدم". (راجع شرح إشعياء 40: 17). وَعَمَلُكُمْ مِنَ الْعَدَمِ. أي أن الحرفة التي بُذلت في صبّهم أو نحتهم كانت بلا طائل ولم تحقق غاية؛ أو أن العمل الذي قاموا به، أو ادعوا القيام به، من نبوءاتهم الزائفة وتنبؤاتهم الكاذبة، هو بلا قيمة؛ أو بمعنى "أشر من لا شيء": يترجمها البعض "أشر من الأفعى"؛ فكلمة شبيهة بهذه تُستخدم للدلالة عليها في (إشعياء 49: 5)، وبذلك تشير إلى الآثار السامة والمهلكة للوثنية. رِجْسٌ هُوَ الَّذِي يَخْتَارُكُمْ. أي الذي يختاركم موضوعاً لعبادته؛ فهو ليس فقط ممقوتاً، بل هو "رجس" عند جميع أهل العقل والدين؛ لأن اختياره لصنم ليكون إلهه يظهره رجلاً مجرداً من العقل والمنطق السليم، وخالياً من كل دين وتقوى حقيقيين، ولا بد أن يكون كائناً بليداً أحمق. ويقول الترجوم: "رجس هو ذاك الذي اخترتموه لأنفسكم، أو الذي تسرون به؛" ويقصد أصنامهم. وهذه هي الخاتمة النهائية للنزاع، والحكم الصادر على الأصنام وعبَّادها معًا.
25 «قَدْ أَنْهَضْتُهُ مِنَ الشَّمَالِ فَأَتَى. مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ يَدْعُو بِاسْمِي. يَأْتِي عَلَى الْوُلاَةِ كَمَا عَلَى الْمِلاَطِ، وَكَخَزَّافٍ يَدُوسُ الطِّينَ. «قَدْ أَنْهَضْتُهُ مِنَ الشَّمَالِ فَأَتَى. إما شعباً واحداً أو شخصاً واحداً؛ ملكاً قديراً كما يترجم الترجوم؛ والمقصود "كورش"، الذي يمكن القول إنه جاء من الشمال ومن مشرق الشمس (الشرق) كما في العبارة التالية؛ بما أنه كان ماديّاً-فارسيّاً بالميلاد (ولذلك سُمي بغلاً)؛ فمن جهة أمه كان ماديّاً، وبلاد ميديا تقع شمال بابل؛ ومن جهة أبيه فارسيّاً، وفارس تقع شرقها؛ والقوات التي جلبها معه ضد بابل كانت جزئياً من مادي وجزئياً من فارس. ورغم أن البعض، كما يلاحظ "راشي"، يظن أن المقصود شخصان في هذه العبارة والتي تليها؛ ففي هذه "نبوزردان" الذي جاء من بابل (شمال يهوذا) ليغزوها، وفي الأخرى "كورش" الذي جاء من الشرق ونادى باسم الرب وبالحرية لليهود المسبيين. أما "كيمحي" ووالده فقد فسرا ذلك عن "الملك المسيا"، كما فعل مفسرون يهود أقدم ، والذين اعتبروا كورش رمزاً له؛ والبعض يرونها عن "قسطنطين"، الذي وُلد -كما يُروى- في بريطانيا، في الجزء الشمالي من العالم؛ ولكن عندما دُعي للإمبراطورية، كان في الأجزاء الشرقية منها؛ ولذلك عُبّر عنه هنا وفي العبارة التالية بدقة كبيرة. مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ يَدْعُو بِاسْمِي. والذين يطبقون النبوة على كورش كرمز للمسيح يفسرونها بـ (عزرا 1: 1)، وهناك من يرونها على قسطنطين، الذي كان عابداً للإله الحقيقي، وهو ما يعبر عنه "دعاء اسمه"؛ والذي جهر علانية باسم المسيح، وشجع الذين فعلوا ذلك، ونشر اسمه وصيته وإنجيله ومجده في كل أرجاء الإمبراطورية، شرقاً وغرباً. يَأْتِي عَلَى الْوُلاَةِ كَمَا عَلَى الْمِلاَطِ، وَكَخَزَّافٍ يَدُوسُ الطِّينَ. أي أنه سيأتي عليهم بجيشه ويقهرهم ويدوسهم ويطأهم كما يُداس الملاط أو الوحل في الشوارع؛ أو كما يدوس الخزاف الطين فيفعل به ما يشاء؛ والذين يفسرونها عن كورش يفهمون ذلك عن أستياجيس، وكريسوس، وبلشاصر وغيرهم (راجع إشعياء 14: 1). وينطبق الأمر ذاته على قسطنطين الذي أخضع أباطرة روما وداسهم تحت قدميه، مثل مكسيميانوس ومكسينتيوس وليكينيوس... إلخ؛ علاوة على ذلك، فإن كلمة "سغانين" (الولاة) المستخدمة هنا، هي كلمة يستخدمها الكتاب اليهود للإشارة إلى "الكهنة"، أولئك الذين كانوا نواباً لرئيس الكهنة؛ وقد تشير هنا إلى الكهنة الوثنيين ودمارهم، ودمار الوثنية في الإمبراطورية الرومانية على يد قسطنطين. مدراش رباه لنشيد الأناشيد (4: 32) [ما هو تأويل الحبر اليعازر للآية القائلة: "هبي يا ريح الشمال وتعالي يا ريح الجنوب" (نشيد الأناشيد 4: 16)؟ – عندما ينهض المنفيون من إسرائيل القاطنون في الشمال ليعودوا ويستقروا في الجنوب، كما قيل: "ها أنا ذا آتي بهم من بلاد الشمال وأحشدهم من أقاصي المعمورة" (إرميا 31: 8) – وعندما يقوم جوج وماجوج المتمركزون في الشمال ليزحفوا ويسقطوا في الجنوب، كما ورد: "وأردك وأقودك وأصعدك من أقاصي الشمال وآتي بك على جبال إسرائيل" (حزقيال 39: 2) – وعندما يبرز الملك المسيح المستقر في الشمال ليقدم ويشيد الهيكل المقدس الكائن في الجنوب، كما أُثبت في النص: "قد استنهضته من الشمال فأقبل، ومن مطلع الشمس يدعو باسمي" (إشعياء 41: 25).]
26 مَنْ أَخْبَرَ مِنَ الْبَدْءِ حَتَّى نَعْرِفَ، وَمِنْ قَبْل حَتَّى نَقُولَ: هُوَ صَادِقٌ؟ لاَ مُخْبِرٌ وَلاَ مُسْمِعٌ وَلاَ سَامِعٌ أَقْوَالَكُمْ. مَنْ أَخْبَرَ مِنَ الْبَدْءِ حَتَّى نَعْرِفَ، مَن من الأصنام، أو من كهنتها، الذي أخبر بالأمور المستقبلية قبل وقوعها، أو سبق وتنبأ بحدث كهذا المذكور آنفاً؟ والذي إن فُهم عن "كورش"، فقد كان قبل وقوعه بمئة وخمسين عاماً؛ وإن فُهم عن "قسطنطين"، فبما يقرب من ألف عام، والآيات كرمز عن المسيح فهي تشرح مجيئه. وَمِنْ قَبْل حَتَّى نَقُولَ: هُوَ صَادِقٌ؟ أي: مَن الذي أخبر بالأمور قبل وقت إتمامها ثم حدثت كما أُخبر بها؟ وهو الأمر الذي يمكن من خلاله معرفة أنهم آلهة، أو أن أولئك كهنة لمن هم آلهة، بامتلاكهم معرفة مسبقة بالأحداث المستقبلية، أو روح النبوة؛ وحينها يمكن القول عنهم إنهم محقون في ادعاءاتهم ولهم حق مشروع في الألوهية، أو أنهم أنبياء صادقون؛ وهكذا يقول الترجوم: "لكي نقول إنه حق" لاَ مُخْبِرٌ وَلاَ مُسْمِعٌ أي ليس من يظهر ويعلن الأمور الآتية، أو مثل تلك التي يظهرها ويعلنها الإله الحقيقي. وَلاَ سَامِعٌ أَقْوَالَكُمْ. ليس أحد من عُبّادكم سمعكم تنطقون بكلمة قط، والذين حين صلوا إليكم، لم يجدوا جواباً أبداً؛ ولذلك ليس لكم حق مشروع في الألوهية؛ أو (بمعنى) لم يسمع أحدٌ أنبياءكم يقولون إن أمراً ما سيحدث ثم حدث فعلاً.
27 أَنَا أَوَّلاً قُلْتُ لِصِهْيَوْنَ: هَا! هَا هُمْ. وَلأُورُشَلِيمَ جَعَلْتُ مُبَشِّرًا. أَنَا أَوَّلاً قُلْتُ لِصِهْيَوْنَ: أو: "أنا الأول أقول لصهيون"؛ أنا الذي هو الأول والآخر (إشعياء 41: 4)، وهو ما يلاحظ بعض الكتاب اليهود القدامى أنه اسم "المسيا"، ويطبقون النص عليه؛ أو: أنا "الأول" الذي يقول هذه الأمور لصهيون. هَا! هَا هُمْ. انظروا، إن كذا وكذا من الأمور سوف يحدث، وبناءً عليه قد حدثت؛ أو: "هوذا" المسيا الموعود، الذي تحدثتُ عنه طويلاً، ها هو قد جاء؛ (راجع إشعياء 42: 1)، وانظروا إليهم، أي إلى رسله وخدامه وهم ينشرون بشائر الخلاص كما يتبع. ويقول الترجوم: "كلمات التعزية التي تنبأ بها الأنبياء من البدء بخصوص صهيون، ها هي تأتي؛" أي أنها تتحقق؛ وهو دليل على الألوهية لا تستطيع الأصنام ولا عُبّادها تقديمه. وَلأُورُشَلِيمَ جَعَلْتُ مُبَشِّرًا. يفسره البعض عن "إشعياء"؛ وآخرون عن "كورش"؛ وآخرون عن "المسيح"؛ وآخرون عن "يوحنا المعمدان". وأفترض أن المفرد وُضع هنا للدلالة على الجمع، أي "مبشر لأجل المبشرين"؛ ويمكن فهمها عن "معلمي الإنجيل"، الذين أعطاهم الرب لكنيسته وشعبه، وبواسطتهم نشر إنجيله، ليس في يهوذا فحسب، بل في العالم الأممي، مما أدى إلى إطاحة الوثنية. التلمود البابلي (بِيسيحيم – 5) [قرر مجمع الرابي إسماعيل التعليمي ما يلي: كثوابٍ على رعاية وحفظ الثلاثة أمور التي وُصفت بـ"الأول -ראשون-"، ستنالون استحقاق الظفر بثلاثة أمور أخرى وُصفت أيضاً بـ"الأول -ראשون-"، وهي: اضمحلال ذرية عيسو، وتشييد الهيكل المقدس، وظهور اسم المسيح. ففي شأن انقطاع نسل عيسو ورد: "فخرج الأول -ראשون- أحمر.. فسموه عيسو" (تكوين 25: 25)، وفي شأن بناء البيت المقدس ورد: "عرش مجدٍ سامٍ منذ الأول -ראשون- هو مِقرُّ مقدِسنا" (إرميا 17: 12)، وفيما يخص اسم المسيح ورد: "الأول -ראשون- لصهيون ها، ها هم، ولأورشليم جعلت بشيراً" (إشعياء 41: 27).] مدراش رباه للتكوين (63: 8) [نقل الرابي حجي عن الرابي إسحاق قوله: إن جزاء الامتثال لهذه الفريضة: "وتأخذون لأنفسكم في اليوم الأول -ראשׁون-" (لاويين 23: 40)، هو أنني سأكشف لكم عن "الأول" (وهو القدوس تبارك اسمه) وفق ما جاء: "أنا الأول -ראשׁون- وأنا الآخر" (إشعياء 44: 6)، وسأنتقم لكم من "الأول" (وهو عيسو) الذي كُتب في حقه: "فبرز الأول -ראשׁون- كله أحمر" (تكوين 25: 25)، وسأشيد لكم "الأول" (وهو البيت المقدس) الذي قيل عنه: "عرش مجدٍ رفيع منذ الأول -ראשׁون- هو مكان قدسنا" (إرميا 17: 12)، وسأوافيكم بـ"الأول" (وهو الملك المسيح) الذي سُطر فيه: "الأول لصهيون ها، ها هم، ولأورشليم جعلت مبشراً" (إشعياء 41: 27).] مدراش رباه للخروج (15: 1) ["هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور" (خروج 12: 2). فكما أن القدوس تبارك اسمه قد سُمي "الأول" كقوله: "أنا الأول وأنا الآخر" (إشعياء 44: 6)، وصهيون قد وُصفت بـ"الأول" كقوله: "عرش مجدٍ شامخ منذ الأول هو موضع قدسنا" (إرميا 17: 12)، وعيسو قد لُقب بـ"الأول" كقوله: "فخرج الأول كله أحمر" (تكوين 25: 25)، والمسيح قد نُعت بـ"الأول" كقوله: "الأول لصهيون ها، ها هم" (إشعياء 41: 27). فإن القدوس تبارك اسمه الذي دُعي الأول، سيتجلى ليبني الهيكل الذي دُعي الأول، وسينتصف من عيسو الذي دُعي الأول، وسيقدم المسيح الذي دُعي الأول في الشهر الأول (نيسان) كما قيل: "هذا الشهر يكون لكم أول الشهور" (خروج 12: 2).]
28 وَنَظَرْتُ فَلَيْسَ إِنْسَانٌ، وَمِنْ هؤُلاَءِ فَلَيْسَ مُشِيرٌ حَتَّى أَسْأَلَهُمْ فَيَرُدُّونَ كَلِمَةً. وَنَظَرْتُ فَلَيْسَ إِنْسَانٌ، من بين جميع الكهنة والأنبياء الوثنيين، مَن يستطيع التنبؤ بالمستقبل؛ أو يستطيع إثبات أن أصنامهم قالت أو استطاعت قول أي شيء في صالحهم. وَمِنْ هؤُلاَءِ فَلَيْسَ مُشِيرٌ ليس من يمكنه أن يكون محامياً عن هذه الأصنام ويحاجج عن قضيتها؛ أو يمكنه تقديم نصيحة ومشورة صالحة لمن يحتاجها ممن لجأوا إليهم أو إلى أصنامهم لأجلها. حَتَّى أَسْأَلَهُمْ فَيَرُدُّونَ كَلِمَةً. عندما سُئلوا عما لديهم لقوله دفاعاً عن الآلهة التي يعبدونها، ظلوا صامتين بلا نطق؛ وعلاوة على ذلك، يمكن قول كل هذا عن الأصنام ذاتها؛ فليس بينها مَن استطاع التنبؤ بحدث مستقبلي، أو تقديم مشورة نافعة لعُبّادها، أو قول أي شيء دفاعاً عن نفسها؛ ولذلك، ولختام النزاع، يُنطق بالحكم التالي.
29 هَا كُلُّهُمْ بَاطِلٌ، وَأَعْمَالُهُمْ عَدَمٌ، وَمَسْبُوكَاتُهُمْ رِيحٌ وَخَلاَءٌ. هَا كُلُّهُمْ بَاطِلٌ، الأصنام وعُبّادها على حد سواء؛ فباطلاً يدّعون لقب الألوهية الذي لا حق لهم فيه؛ وباطلاً يعبدهم البشر، إذ لا ينالون منهم نفعاً. وَأَعْمَالُهُمْ عَدَمٌ، لا يستطيعون فعل شيء، لا خيراً ولا شراً؛ لا يُرجى منهم شيء ولا يُخشى منهم شيء، والعبادة المقدمة لهم لا طائل منها؛ لا يُجنى منها شيء؛ فهي كلها عديمة الفائدة وغير ذات أهمية، بل هي ضارة. وَمَسْبُوكَاتُهُمْ رِيحٌ وَخَلاَءٌ. برغم أنها مصنوعة من معدن مصبوب، إلا أنه بصرف النظر عن المادة المكلفة التي صُنعت منها، فهي ليست أكثر تماسكاً أو فاعلية أو نفعاً من "الريح"؛ وهي تشبه "عماء" الأرض الأولى، مجرد "توهو وبوهو" (خربة وخالية)، وقد استُخدمت إحدى هاتين الكلمتين هنا؛ فهي بلا شكل ولا جوهر، وليس عليها أي سمة من سمات الألوهية؛ ولذلك يُوجَّه البشر للإعراض عنها، والنظر إلى "أبهى شخص"، المستحق للعبادة والثناء، والموصوف في بداية الأصحاح التالي: "هوذا عبدي..." إلخ.
 ⏮