↰🏠 
🔝

إشعياء

فهرس الاصحاحات 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66

الاصحاح 60

فهرس الاعداد1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22
📖 Aᴬ   - + 📢 📚
⪡ 1 «قُومِي اسْتَنِيرِي لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نُورُكِ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ. بينما تنبأ الإصحاحان السابقان عن الرياء والشكوكية والفجور الذي سيسود في الأيام الأخيرة، يقدم هذا الإصحاح وصفاً مستفيضاً لنور ومجد تلك الأيام؛ وعن ملك المسيح الروحي والشخصي. يصف (عدد 1) نور ومجد الكنيسة، ويتنبأ (عدد 4) عن التحولات الكثيرة للأمم من كل صوب نحوها، ويوضح (عدد 9) نفع هؤلاء في بناء الكنيسة وتمجيدها، وخضوع الأعداء لها (عدد 14)، ورخاءها وسلامها (عدد 17). ويختتم الإصحاح بوصف الحالة الكاملة للكنيسة حيث كمال النور والبر (عدد 19). «قُومِي اسْتَنِيرِي يضيف الترجوم: "يا أورشليم"، وكذا السبعينية واللاتينية؛ ولا شك أن الخطاب موجه لكنيسة الله؛ ومن السياق يظهر أنها "الكنيسة اليهودية" متميزة عن الأمم (إذ قيل إن الأمم يأتون إليها)؛ أي اليهود المهتدين حديثاً. يُطلب منهم القيام من حال الاندحار الذي عاشوا فيه طويلاً و"الاستنارة"؛ أو «الاستيقاظ» من السبات الطويل لممارسة النعمة والواجب؛ أو «أن تستنير» بنور المسيح والإنجيل الذي جاءهم الآن، ونشر هذا النور للآخرين. لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نُورُكِ، الترجوم: "لأن وقت فدائك قد جاء"؛ ويقصد بها السبي البابلي. لكن المقصود هنا هو الرخاء الروحي والسعادة لليهود في الأيام الأخيرة وقت تحولهم؛ والمعنى أن المسيح (نور العالم) قد جاء إليهم روحياً، أو أن نور الإنجيل المجيد قد أشرق عليهم، وحان الوقت لرفع العمى والبرقع الذي غطاهم طويلاً ليرجعوا إلى الرب. وَمَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ. أو الرب المجيد؛ ذاك الذي يُرى مجده "كمجد ابن وحيد"، بهاء مجد أبيه، شمس البر؛ الذي سيشرق الآن عليهم ويترك عليهم مجداً يكون مرئياً للجميع. أوريجانوس: إن "الكلمة" (Logos)، وهو يحثنا على المجيء إلى هذا النور، يقول في نبوات إشعياء: "استنيري، استنيري يا أورشليم، لأنه قد جاء نورك، ومجد الرب أشرق عليكِ". لاحظ الآن الفرق بين عبارات أفلاطون المنمقة فيما يخص "الخير الأسمى" وإعلانات أنبيائنا بشأن نور الطوباويين؛ ولاحظ أن الحق كما هو وارد عند أفلاطون في هذا الموضوع لم يساعد قراءه البتة على الوصول إلى عبادة نقية لله، بل ولا حتى نفسه، هو الذي استطاع أن يتفلسف بعظمة عن الخير الأسمى، بينما نجد اللغة البسيطة للكتابات المقدسة قادت قراءها المخلصين إلى الامتلاء بالروح الإلهي؛ وهذا النور يتغذى في داخلهم بالزيت، الذي يُقال في مَثَل معين إنه حفظ نور مصابيح العذارى الخمس الحكيمات. مدراش سفري للعدد (41: 1 / نَسُّو – 41) [في تأويل "يضيء الرب بوجهه عليك" (عدد 6: 25)؛ قيل: أي يمنحك بصيرة ونوراً للعينين. وذهب الرابي ناثان إلى أنه "نور الشكينة" (الحضرة الإلهية)؛ استناداً إلى قوله: "قومي استنيري لأنه قد جاء نورك.. لأنه ها هي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم" (إشعياء 60: 1-2). وهو ما يوافق التضرع القائل: "ليتحنن الله علينا وليباركنا، ينير وجهه علينا، سلاه" (مزمور 67: 1)، وقوله: "الإله هو الرب وقد أنار لنا" (مزمور 118: 27).] بسيكتا ربتي (36) [ذكر الرابي إسحاق: في السنة التي يظهر فيها الملك المسيح، تضطرب المسكونة وتتصارع الممالك؛ فيشتبك ملك فارس مع ملك العرب، ويقصد ملك العرب بلاد "آدوم" طلباً للمشورة، ثم يعود ملك فارس ليهلك العالم، فترتعد الأمم وتأخذها أوجاع كآلام المخاض. وحين يداخل إسرائيل الرعب ويتساءلون: إلى أين المفر؟! – يقول لهم القدوس تبارك اسمه: أبنائي، لا تخافوا، فكل ما صنعته إنما هو لأجلكم؛ فلا تجزعوا فقد حان موعد خلاصكم. واعلموا أن هذا الخلاص الأخير ليس كالأول؛ فبعد خلاصكم الأول نالكم الضيق وعبودية الممالك، أما هذا الخلاص فلا تعقبه شدة ولا عبودية أبد الدهر. وعلّم ربواتنا: في ساعة ظهور الملك المسيح، سيقف على سطح بيت المقدس (الهيكل) وينادي إسرائيل قائلاً: أيها المساكين، قد وافى زمن خلاصكم! فإن لم تصدقوا قولي، فانظروا إلى نوري الذي أشرق عليكم؛ كما قيل: "قومي استنيري لأنه قد جاء نورك ومجد الرب أشرق عليكِ" (إشعياء 60: 1). وهذا النور يختص بظهوره عليكم دون غيركم من الأمم؛ لقوله: "لأنه ها هي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم، أما عليكِ فيشرق الرب ومجده عليكِ يُرى" (2). وفي تلك الساعة، يسطع نور المسيح وإسرائيل، بينما تغرق الأمم في دياجير الظلام، فيهرعون جميعاً نحو ضياء المسيح وإسرائيل؛ كما قيل: "فتسير الأمم في نورك، والملوك في ضياء إشراقك" (3). وحينئذ يجيئون ويخضعون للملك المسيح؛ كما كُتب: "بالوجوه إلى الأرض يسجدون لكِ ويلحسون تراب رجليكِ" (إشعياء 49: 23)، ويقرون بالتبعية لإسرائيل قائلين: نكون لكم عبيداً؛ تصديقاً لقوله: "يمسك عشرة رجال من جميع ألسنة الأمم يتمسكون بذيل رجل يهودي قائلين: نذهب معكم لأننا سمعنا أن الله معكم" (زكريا 8: 23).] مدراش رباه للعدد (15: 2) [قال القدوس تبارك اسمه لموسى: لم يكن أمري لكم بإيقاد السرج لحاجةٍ بي إلى النور، بل لتزكيتكم وترفيع شأنكم؛ لقوله: "عنده يسكن النور" (دانيال 2: 22)، و"الليل مثل النهار يضيء" (مزمور 139: 12). وهذا لتعليمك أن الرب لا يحتاج لنور البشر. واعتبر بصنيع سليمان في الهيكل؛ فعلى خلاف عادة الناس في بناء النوافذ (ضيقة من الخارج وواسعة من الداخل لجلب النور)، جعل سليمان نوافذ الهيكل "فتحات ضيقة" (1 ملوك 6: 4) – أي ضيقة من الداخل وواسعة من الخارج – لكي يفيض النور من القدس إلى العالم؛ ليعلم الجميع أن الرب هو مصدر النور. فما الغرض من وصية "متى رفعت السرج" (عدد 8: 2)؟ – إنها لتزكيتكم؛ فجزاء حرصكم على إنارة السرج أمامي هو أنني سأفيض عليكم نوراً عظيماً في المستقبل الآتي؛ لقوله: "قومي استنيري لأنه قد جاء نورك ومجد الرب أشرق عليكِ.. فتسير الأمم في نورك والملوك في ضياء إشراقك" (إشعياء 60: 1-3).] بسيكتا دي راب كهانا (مُلحقات – 5) [قال الرابي حييا بن أبا نقلاً عن الرابي يوحنان: كُتب "الرجاء المماطل يمرض القلب والشهوة المتممة شجرة حياة" (أمثال 13: 12)؛ فمتى ترقب المرء أمراً ولم يتحقق سَقِم قلبه، أما إذا نال مُبتغاه فكأنما وُهب حياةً جديدة. هكذا وقفت كنيسة إسرائيل قائلة: يا سيد العالمين، إن لكل أمنية في العالم موعداً للتحقق، إلا أمنية مجيء المسيح فليس لها توقيت معلوم. فأجابها القدوس تبارك اسمه: تعالَي لأطمئنكِ؛ كما قيل: "فإن الرب قد عزّى صهيون، عزّى كل خربها" (إشعياء 51: 3). وماذا سيقول لها؟ – "قومي استنيري لأنه قد جاء نورك ومجد الرب أشرق عليكِ" (إشعياء 60: 1). وحينها ستقول إسرائيل: يا سيد العالمين، قم أنت أولاً على رأسنا ونحن نقتفي أثرك؛ وفي تلك الساعة يقوم القدوس تبارك اسمه؛ تحقيقاً لقوله: "الآن أقوم يقول الرب، الآن أصعد الآن أرتفع" (إشعياء 33: 10)، وقوله: "الآن أقوم يقول الرب، أجعل في وسع الذي ينفث فيه" (مزمور 12: 5).]
2 لأَنَّهُ هَا هِيَ الظُّلْمَةُ تُغَطِّي الأَرْضَ وَالظَّلاَمُ الدَّامِسُ الأُمَمَ. أَمَّا عَلَيْكِ فَيُشْرِقُ الرَّبُّ، وَمَجْدُهُ عَلَيْكِ يُرَى. لأَنَّهُ هَا هِيَ الظُّلْمَةُ تُغَطِّي الأَرْضَ وَالظَّلاَمُ الدَّامِسُ الأُمَمَ. مثل تلك الظلمة التي غطت أرض مصر بينما كان هناك نور في "جاسان"؛ ويُقصد بها إما ظلمة الجهل، والوثنية، والخرافات، والعقائد والعبادات الباطلة التي ستغطي الجزء الأكبر من أمم العالم قبل انبثاق هذا النور والمجد. كما هو الحال في أيامنا هذه؛ حيث تغطي الظلمة أجزاءً. ولا توجد بقعة صغيرة فيها نور الإنجيل النقي إلا بين قلة قليلة جداً؛ فالعالم في معظمه يعيش وقت "المساء" الذي سيتبعه النور عما قريب (زكريا 14: 6). أو قد يشير هذا إلى الضيق والارتباك الذي ستكون فيه الدول المعادية للمسيح حين ينبثق هذا النور؛ فتكون مملكة الوحش مليئة بالظلمة والاضطراب (رؤيا 16: 10). أَمَّا عَلَيْكِ فَيُشْرِقُ الرَّبُّ، وَمَجْدُهُ عَلَيْكِ يُرَى. كما كان يظهر على المسكن قديماً (لاويين 9: 23)، وهو ما تشير إليه الآية تلميحاً في (إشعياء 4: 5). وهذا يوضح أن "نور ومجد الرب" المذكورين في العدد السابق هما الرب نفسه، وإعلان مجده في الإنجيل الذي سيُكرز به؛ وسيكون هذا المجد مرئياً في الكنيسة وملاحظاً من الآخرين، مما يدفعهم (وحتى كبار الشخصيات) للمجيء إليها. أو يفسرها "بن مالك": «سيظهر في مجده عليكِ»؛ أي يظهر المسيح في مجد شخصه وفي مجد نعمته وبره من خلال كلمة الرب بين شعبه. يطبق اليهود هذا على المجيء الأول للمسيح. بسيكتا دي راب كهانا (مُلحقات – 6) [إن اللباس الذي سيخلعه الرب على المسيح سيسري سناه ويسطع نوره من أقصى العالم إلى أقصاه؛ كما قيل: "مثل عريس يتزين بعمامة" (إشعياء 61: 10). وسوف تبتهج إسرائيل بنوره ويقولون في حق المسيح: طوبى للساعة التي خُلق فيها، وطوبى للبطن التي حملته، وطوبى للجيل الذي تكتحل عيناه برؤيته؛ ففي افتتاح شفتيه بركة وسلام، وحديثه طمأنينة للروح، وفي لباسه البهاء والجلال، وفي كلماته الثقة، ولسانه فيض من المغفرة، وصلاته ريح طيبة، ودراسته طهر وقداسة. ويقولون: طوبى لإسرائيل لما ذُخر لها؛ كما قيل: "ما أعظم جودك الذي ذخرته لخائفيك" (مزمور 31: 19)، و"مثل عروس تتزين بحليها" (إشعياء 61: 10). – وما هو هذا "الحُلي"؟ – إنه كما تتمايز العروس بجواهرها، كذلك لن تُخزي كنيسة إسرائيل أعداءها إلا بالنور الذي ستتمنطق به؛ كما قيل: "لأنه ها هي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم.. فتسير الأمم في نورك والملوك في ضياء إشراقك" (إشعياء 60: 2-3). وفي تفسير آخر: الحُلي هو رداء "النعمة" الذي سيغمرها في أعين كل رائيها. وهل تعود إسرائيل للعبودية كما تعود العروس لعملها بعد انقضاء أيام العرس؟ – كلا، بل "مفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح أبدي على رؤوسهم" (إشعياء 35: 10).] التلمود البابلي (سنهدرين – 99) [سأل أحد المهرطقين الرابي أبهو: متى يوافينا المسيح؟ – فأجابه: حينما يغشى الظلام هؤلاء القوم (الأمم). فقال السائل: ألعلك تلعنني؟ – فأجاب الرابي: لست أفعل، بل أقرأ آية مسطورة: "لأنه ها هي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم، أما عليكِ فيشرق الرب ومجده عليكِ يُرى" (إشعياء 60: 2).] مدراش رباه للخروج (14: 3) [قيل: "ولكل بني إسرائيل كان لهم نور في مساكنهم" (خروج 10: 23)؛ فلم يقل في أرض جاسان فحسب، بل في كل موضع يحل فيه يهودي كان النور يحل معه؛ وعليه قيل: "سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي" (مزمور 119: 105). وإذا كان في مصر ستة أيام من الظلمة، وكان اليوم السابع هو ظلام البحر (خروج 14: 20)، فقد جعل الرب ذاك الظلام يغشى المصريين بينما أضاء للإسرائيليين؛ ولهذا قيل: "الرب نوري وخلاصي" (مزمور 27: 1). وبالمثل في المستقبل الآتي؛ سيأتي القدوس تبارك اسمه بظلام يطبق على الأمم، بينما يفيض النور على إسرائيل؛ كقوله: "لأنه ها هي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم، أما عليكِ فيشرق الرب ومجده عليكِ يُرى" (إشعياء 60: 2).]
3 فَتَسِيرُ الأُمَمُ فِي نُورِكِ، وَالْمُلُوكُ فِي ضِيَاءِ إِشْرَاقِكِ. فَتَسِيرُ الأُمَمُ فِي نُورِكِ، أي يسيرون إلى الإنجيل المكروز في وسطها، وإلى المسيح الذي هو نورها، وينضمون إلى حالة الكنيسة ويشتركون في رخائها وسعادتها. الترجوم: "وتسير الشعوب في نورك"؛ وكذا في (رؤيا 21: 24) حيث تُفسر عن الأمم التي ستخلص. وَالْمُلُوكُ فِي ضِيَاءِ إِشْرَاقِكِ. سيشرق عليها المسيح، "شمس البر"؛ وبما أن هذا هو صباح مجد الأيام الأخيرة، ستشرق الكنيسة ككوكب الصبح المنير. وسيكون لحقائق الإنجيل ووصاياه بهاءٌ وجاذبية تجعل الملوك يستنيرون بها ويأتون للانضمام إليها والسلوك في وصايا الرب. ورغم استجابة قلة من ذوي الرتب العالية قديماً، إلا أن تلك الأوقات ستشهد استجابة كثيرة، بل إن "كل الملوك يسجدون له" (مزمور 72: 11). مدراش رباه للخروج (15: 21) [في قوله: "هذا الشهر (الجديد) -החדש- يكون لكم" (خروج 12: 2)؛ نجد المكتوب يقول: "هوذا الأوليات قد أتت والحديثات -חדשות- أنا مخبر بها" (إشعياء 42: 9). فهل ثمة مستجدات في المستقبل الآتي والجامعة يقول: "ليس تحت الشمس جديد" (جامعة 1: 9)؟ – بلى، إننا نجد عشرة أمور يُحدثها القدوس تبارك اسمه في المستقبل الآتي.. والأمر الخامس منها: أنه يبني أورشليم بأحجار الياقوت؛ كما قيل: "هانذا أبني بالإثمد حجارتك، وأساساتك بالياقوت" (إشعياء 54: 11)، وكُتب أيضاً: "وأجعل كالياقوت شبابيكك" (12). إذ سيجعل تلك الأحجار مضيئة كالشمس، فتأتي الأمم لترى مجد إسرائيل؛ كما قيل: "فتسير الأمم في نورك، والملوك في ضياء إشراقك" (إشعياء 60: 3).]
4 «اِرْفَعِي عَيْنَيْكِ حَوَالَيْكِ وَانْظُرِي. قَدِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ. جَاءُوا إِلَيْكِ. يَأْتِي بَنُوكِ مِنْ بَعِيدٍ وَتُحْمَلُ بَنَاتُكِ عَلَى الأَيْدِي. «اِرْفَعِي عَيْنَيْكِ حَوَالَيْكِ وَانْظُرِي. انظري إلى الأمم والملوك وهم يأتون إلى المسيح وكنيسته؛ إلى الأعداد الهائلة من المهتدين الذين يتدفقون من كل أصقاع الأرض لرؤية عمل الله العجيب بين اليهود الذين آمنوا الآن. الترجوم: "ارفعي عينيكِ يا أورشليم حواليكِ وانظري كل بني شعب سبْيكِ". قَدِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ. جَاءُوا إِلَيْكِ. يبدو أن هذا لا يخص الأمم (كما في العدد السابق)، بل يخص اليهود أنفسهم المشتتين في العالم؛ فحين يهتدون بطريقة معجزية، سيجتمعون كجسد واحد ويصعدون إلى أورشليم، حيث ستتشكل كنيسة مسيحية منهم. أو قد يخص هذا الملوك المذكورين في (عدد 2). يَأْتِي بَنُوكِ مِنْ بَعِيدٍ نسل إبراهيم، أبناء اليهود الذين وُلدوا ثانية وصاروا أبناء لصهيون؛ هؤلاء يأتون من أقاصي الأرض ليندمجوا مع إخوتهم. وَتُحْمَلُ بَنَاتُكِ عَلَى الأَيْدِي. يُتعهد بهن من قِبل رعاة الكلمة، بـ "لبن الكلمة الخالص" وثدي وصايا الإنجيل (1 تسالونيكي 2: 7). الترجوم: "يُحملن على الجوانب"؛ والسبعينية واللاتينية والعربية: "على الأكتاف"؛ إشارة إلى طريقة إحضارهن (إشعياء 49: 22). لكن المعنى الأول (التمريض والتربية) هو الأفضل. ويفسرها "بن مالك" بأنهن يتربين عند جوانب العظماء والملوك والملكات وفقاً لـ (إشعياء 49: 23). مدراش رباه لنشيد الأناشيد (1: 30) ["نبتهج ونفرح بك" (نشيد 1: 4)؛ يُضرب مثل بملكة غاب عنها زوجها الملك وأبناؤها وأصهارها في بلاد عبر البحر، فجاء الخدام وقالوا لها: قد عاد أبناؤكِ، فقالت: وما شأني؟ لتفرح زوجاتهم بهم. ثم قالوا: قد جاء أصهاركِ، فقالت: وما شأني؟ لتفرح بناتي بهم. ولكن حين قالوا لها: قد جاء الملك زوجكِ، قالت: هذه هي الفرحة الكاملة، فرحةٌ فوق فرحة. هكذا في المستقبل الآتي؛ سيأتي الأنبياء ويبشرون أورشليم قائلين: "يأتي بنوكِ من بعيد" (إشعياء 60: 4)، فتقول: وما شأني؟ ويقولون: "وتُحمل بناتكِ على الأيدي" (4)، فتقول: وما شأني؟ ولكن عندما يبشرونها قائلين: "هوذا ملككِ يأتي إليكِ هو عادل ومنصور" (زكريا 9: 9)، حينئذٍ تقول: هذه هي الفرحة الكاملة؛ كما ورد: "ابتهجي جداً يا ابنة صهيون" (9)، و"ترنمي وافرحي يا بنت صهيون" (زكريا 2: 10). وفي تلك الساعة تهتف قائلة: "فرحاً أفرح بالرب، تبتهج نفسي بإلهي" (إشعياء 61: 10).]
5 حِينَئِذٍ تَنْظُرِينَ وَتُنِيرِينَ وَيَخْفُقُ قَلْبُكِ وَيَتَّسِعُ، لأَنَّهُ تَتَحَوَّلُ إِلَيْكِ ثَرْوَةُ الْبَحْرِ، وَيَأْتِي إِلَيْكِ غِنَى الأُمَمِ. حِينَئِذٍ تَنْظُرِينَ وَتُنِيرِينَ أي عندما ترين أبناءك وبناتك يتدفقون إليكِ من كل حدب وصوب، سيفيض فيكِ الفرح كجريان النهر؛ أو سيخفق قلبكِ ويضطرب داخلكِ من المفاجأة والبهجة. وترجمها "ابن عزرا": «حينئذٍ تخافين» أي تُؤخذين بالدهشة من المشهد. وترجم آخرون العبارة التالية: "تستنيرين"؛ أي ترين وتزدادين نوراً ومعرفة، أو "تشرقين" بعظمة ومجد كبيرين. وَيَخْفُقُ قَلْبُكِ وَيَتَّسِعُ، سيخاف القلب الربَّ، ويتسع بالمحبة له ولحقائقه ووصاياه ولشعبه؛ وبشكل خاص سيتسع لقبول أولئك الذين يتدفقون إلى الكنيسة بأكثر الطرق مودة وإخلاصاً. لأَنَّهُ تَتَحَوَّلُ إِلَيْكِ ثَرْوَةُ الْبَحْرِ، يرى البعض أنها تشير إلى الأموال المستخرجة من البحر أو الناتجة عن التجارة البحرية، لكن الأرجح أنها تعني "جمهوراً غفيراً من رجال البحر" الذين سيتحولون للإيمان؛ وستظهر نعمة الله فيهم بشكل أكبر لكونهم غالباً رجالاً قساة وفجاراً. أو تشير إلى سكان جزر البحر (مثل بريطانيا العظمى وغيرها). وبما أن "المياه" في الرؤيا ترمز للشعوب والأمم، فقد تعني كثرة المهتدين في كل مكان، لا سيما في الأجزاء الغربية من العالم (الأوروبية)، إذ من المعتاد في الكتاب المقدس وصف الغرب بـ "البحر" (البحر المتوسط يقع غرب يهوذا)، وأيضًا تشير للناس عمومًا في مياه هذا العالم. وَيَأْتِي إِلَيْكِ غِنَى الأُمَمِ. أي جيوشهم، حيث سيهتدي العسكريون كما اهتدى البحارة؛ لن يقتصر الأمر على الملوك بل جيوشهم أيضاً (القادة والضباط والجنود). وحين يحدث ذلك، فويل لـ "زانية روما"! لأن هؤلاء سيبغضونها ويحرقونها بالنار؛ وأيضًا تشير لذوي البأس من البشر عمومًا.
6 تُغَطِّيكِ كَثْرَةُ الْجِمَالِ، بُكْرَانُ مِدْيَانَ وَعِيفَةَ كُلُّهَا تَأْتِي مِنْ شَبَا. تَحْمِلُ ذَهَبًا وَلُبَانًا، وَتُبَشِّرُ بِتَسَابِيحِ الرَّبِّ. تُغَطِّيكِ كَثْرَةُ الْجِمَالِ، بُكْرَانُ مِدْيَانَ وَعِيفَةَ أي جموع غفيرة من الناس يركبون هذه المخلوقات من تلك المناطق التي تكثر فيها، سيأتون ويملأون أورشليم وما حولها. مديان كان ابن إبراهيم من قطورة، وعيفة ابناً لمديان (تكوين 25: 4)؛ هؤلاء سكنوا بلاد العرب. وهذه نبوة عن تحول العرب. الترجوم: "كثرة من العرب تغطيكِ من حولكِ". كُلُّهَا تَأْتِي مِنْ شَبَا. تَحْمِلُ ذَهَبًا وَلُبَانًا، شبا من نسل إبراهيم أيضاً (تكوين 25: 3). ملكة سبأ جاءت قديماً لتسمع حكمة سليمان، لكن أهلها في الأيام الأخيرة سيأتون إلى من هو أعظم من سليمان؛ إلى المسيح وكنيسته، مقدمين ذهبهم ولُبانهم كما فعل المجوس، مكرمين الرب بمقتنياتهم (مزمور 72: 10). وَتُبَشِّرُ بِتَسَابِيحِ الرَّبِّ. الذين دعاهم بنعمته إلى نور الإنجيل العجيب. وهذه هي الأشياء التي اشتهرت بها بلاد سبأ؛ حيث ذكر "سترابو" و"بليني" وفرة البخور والمر والذهب لديهم، وأنهم أغنياء جداً لدرجة تزيين جدرانهم وبيوتهم بالعاج والذهب والأحجار الكريمة. ويرى البعض أن الإبل بحملها للذهب والبخور ستكون سبباً في تسبيح الرب.
7 كُلُّ غَنَمِ قِيدَارَ تَجْتَمِعُ إِلَيْكِ. كِبَاشُ نَبَايُوتَ تَخْدِمُكِ. تَصْعَدُ مَقْبُولَةً عَلَى مَذْبَحِي، وَأُزَيِّنُ بَيْتَ جَمَالِي. كُلُّ غَنَمِ قِيدَارَ تَجْتَمِعُ إِلَيْكِ. كِبَاشُ نَبَايُوتَ تَخْدِمُكِ. نبايوت وقيدار هما ابنا إسماعيل (تكوين 25: 13). سكن أبناء إسماعيل المنطقة الممتدة من الفرات إلى البحر الأحمر. والمقصود هنا العرب الذين سيهتدون الآن. الترجوم: "كل غنم العرب تجتمع إليكِ". سيأتون بأغنامهم وكباشهم، ليس لتقديم ذبائح حيوانية (إذ ستنتهي هذه الممارسات)، بل ذُكرت هذه لكونها نتاج بلادهم، لإظهار تأثرهم بنعمة الله التي ستدفعهم لتقديم أفضل ما لديهم لخدمة قضية المسيح وتمجيده. تَصْعَدُ مَقْبُولَةً عَلَى مَذْبَحِي، سيصبحون هم وتقدماتهم مقبولين لدى الله من خلال المسيح، الذي هو "المذبح" الذي يقدس كل عطية. وَأُزَيِّنُ بَيْتَ جَمَالِي. بهذا العدد الكبير من المهتدين وما يحملونه من عطايا. والمقصود هنا "الكنيسة" التي هي بيت الله حيث يسكن ويُظهر مجده ونعمته وإنجيله (إرميا 30: 19). التلمود البابلي (عڤودا زاراه – 24) ["كل غنم قيدار تجتمع إليك، كباش نبايوت تخدمك، تصعد مقبولة على مذبحي" (إشعياء 60: 7)؛ ذكر الرابي إليعازر: أن جميعهم سيصيرون مهتدين (غرباء متحولين) في المستقبل الآتي. وسأل الراب يوسف عن الآية التي تعضد هذا، فاستشهد بقوله: "لأني حينئذ أحول الشعوب إلى شفة نقية ليدعوا كلهم باسم الرب" (صفنيا 3: 9). وحين سأله أبيي: لعلهم يتحولون عن الوثنية فحسب؟ – أجابه الراب يوسف مستشهداً بتمام الآية: "ليعبدوه بكتف واحدة" (9)؛ أي في عبادة مشتركة وخالصة.]
8 مَنْ هؤُلاَءِ الطَّائِرُونَ كَسَحَابٍ وَكَالْحَمَامِ إِلَى بُيُوتِهَا؟ يشير هذا إلى الأعداد الهائلة من المهتدين المذكورين سابقاً، والذين شُبّهوا بـ «السحاب» لكثرتهم، حيث يغطون يهوذا كما يغطي السحاب السماء؛ ولعلوّ مكانتهم، إذ رُفعوا من حالة أرضية إلى حالة سماوية بفضل "الدعوة العليا". كما شُبّهوا بالسحاب لامتلاء قلوبهم بنعمة الله كما تمتلئ الغيوم بالمياه؛ ولاتحادهم في جسد واحد كأنهم سحابة واحدة تظهر علانية لتشهد للمسيح وتلتحق بكنيسته. الترجوم: "من هؤلاء القادمون علانية كالسحب السريعة؟". والسبب الرئيسي لتشبيههم بالسحاب هو "سرعة حركتهم" نحو المسيح؛ فالخطاة الذين يشعرون بخطر، ويدركون خلاص المسيح، يفرون إليه بسرعة السحاب التي تقودها الرياح. كما شُبّهوا بـ «الحمام إلى بيوتها (كواها)»؛ أي الفتحات التي يدخل منها الحمام ويسرع إليها هرباً من الطيور الجارحة أو شوقاً لصغاره. المؤمنون كالحمام في طهارتهم، ووداعتهم، وتواضعهم، وحزنهم عند فقدان الأليف. والمسيح وكنيسته هما "بيت الحمام" الذي يفرون إليه للراحة والمأوى. وقد يُقصد بـ "الكوى" أو "النوافذ" أسرار الكنيسة التي من خلالها يدخلون للكنيسة ويستنيرون، ومن خلالها يُظهر المسيح نفسه لهم (نشيد الأنشاد 2: 9). ما يدفعهم لهذا الفرار هو حبهم للمسيح طلباً للشركة معه، وحين يجذبهم بنعمته لا يمنعهم شيء، لا تعيير العالم ولا تجارب الشيطان. تقال هذه الكلمات بلسان الكنيسة تعبيراً عن دهشتها من كثرتهم وسرعتهم. الترجوم: "سبي إسرائيل الذين اجتمعوا وجاءوا إلى أرضهم كالحمام الذي يعود إلى بيوته". غريغوريوس النيسي: رمزياً، وتحت قيادة الناموس (لأن موسى كان رمزاً للناموس العتيد أن يأتي)، عبر إسرائيل البحر جافاً، بينما غرق المصري الذي عبر في أثره. كل واحد نال ما يناسب النية التي يحملها معه؛ فالواحد يمشي بخفة كافية، والآخر يُسحب إلى المياه العميقة. لأن الفضيلة شيء خفيف وقادر على الطفو، وجميع الذين يعيشون في طريقها "يطيرون كسحاب"، كما يقول إشعياء، "وكالحمام إلى بيوتها"؛ أما الخطية فهي حمل ثقيل "جالس"، كما يقول نبي آخر، "على وزنة من رصاص". وإذا بدا هذا التفسير للتاريخ لأي شخص قسرياً وغير قابل للتطبيق، وأن معجزة البحر الأحمر لم تُكتب لمنفعتنا، فليستمع إلى الرسول: "وهذه الأمور جميعها أصابتهم أمثلة، وكُتبت لإنذارنا". مدراش المزامير (48: 4) [قال الرابي نحمان: "ما كان فهو ما يكون" (جامعة 1: 9)؛ فكما أخرج القدوس تبارك اسمه إسرائيل من مصر محمولين على سحب المجد، كقوله: "وأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إليّ" (خروج 19: 4)، هكذا سيفعل لهم في المستقبل الآتي؛ كما قيل: "مَن هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها" (إشعياء 60: 8).]
9 إِنَّ الْجَزَائِرَ تَنْتَظِرُنِي، وَسُفُنَ تَرْشِيشَ فِي الأَوَّلِ، لِتَأْتِيَ بِبَنِيكِ مِنْ بَعِيدٍ وَفِضَّتُهُمْ وَذَهَبُهُمْ مَعَهُمْ، لاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكِ وَقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ قَدْ مَجَّدَكِ. إِنَّ الْجَزَائِرَ تَنْتَظِرُنِي، الترجوم: "تنتظر كلمتي"؛ أي المسيا ومجيئه. وقد يُقصد به النفوس التي تحيط مياه العالم بها، التي تنتظر إنجيله، وهناك الكثيرون فيها الآن ينتظرون مجيئه الروحي ومجد كنائسه في الأيام الأخيرة. وَسُفُنَ تَرْشِيشَ فِي الأَوَّلِ، لِتَأْتِيَ بِبَنِيكِ مِنْ بَعِيدٍ وَفِضَّتُهُمْ وَذَهَبُهُمْ مَعَهُمْ، يُفهم هذا عن اليهود المهتدين في أجزاء بعيدة من العالم، الذين سيُنقلون في سفن إلى كنائس المسيح، لا سيما في يهوذا؛ وستكون سفن ترشيش هي الوسيلة الرئيسية والسبّاقة في هذه الخدمة. يرى المفسرون اليهود (كراشي وابن عزرا وبن مالك) أن هناك حرف تشبيه محذوف، والمعنى: "سفن ترشيش كما في الأول"؛ أي تُستخدم الآن لنقل اليهود وأموالهم كما استُخدمت في زمن سليمان لنقل الذهب والفضة إليه (2 أخبار 9: 21). لكن "ترشيش" هنا لا تعني تارتيسوس في إسبانيا أو طرسوس في قيليقية، بل تعني البحر نفسه؛ وهكذا ترجمها الترجوم: "سفن البحر". أو الكنيسة التي هي فلك النجاة؛ هذه قد تُستخدم بشكل أساسي لنقل أعداد غفيرة من المهتدين. وكما خرج إسرائيل من مصر ببابل بالفضة والذهب لإعادة بناء مدينتهم وهيكلهم (مزمور 105: 37)، هكذا حين يُجمعون من شتاتهم سيأتون بأموالهم ليكرموا الرب ويعززوا شأن الدين. لاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكِ وَقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ، أي تُحضر أشخاصهم وثرواتهم إليه؛ يكرسون أنفسهم وكل ما يملكون لمجده، ذاك الذي كان اسمه مكروهاً لديهم فيما مضى، لكنه صار الآن ثميناً، وسيعترفون به مع الكنيسة رباً وإلهاً وفادياً. لأَنَّهُ قَدْ مَجَّدَكِ. أي مجّد الكنيسة؛ إذ جعل مجده يشرق عليها، وصار هذا المجد حماية لها، وسيكون ظاهراً جداً بحيث يجذب الناس من أبعد الأماكن للانضمام إليها.
10 «وَبَنُو الْغَرِيبِ يَبْنُونَ أَسْوَارَكِ، وَمُلُوكُهُمْ يَخْدِمُونَكِ. لأَنِّي بِغَضَبِي ضَرَبْتُكِ، وَبِرِضْوَانِي رَحِمْتُكِ. «وَبَنُو الْغَرِيبِ يَبْنُونَ أَسْوَارَكِ، أبناء الشعوب أو الأمم (كما في الترجوم)؛ الذين كانوا غرباء عن عهود الموعد وأجانب عن رعوية إسرائيل؛ غرباء عن الله والمسيح وروح المسيح؛ لكن أعداداً غفيرة من أبناء هؤلاء سيهتدون في كل مكان، وسيكونون نافعين في بناء كنيسة الله، وفي تقويتها وحمايتها والدفاع عنها. هؤلاء هم أنفسهم "البعيدون" الذين يأتون ويبنون في هيكل الرب (زكريا 6: 15). لقد وُجد مثل هؤلاء بين الأمم في كل العصور منذ زمن الرسل، وكانوا أدوات لبنيان الكنيسة والدفاع عن عقائدها، وسيزداد عددهم في الأيام الأخيرة. وَمُلُوكُهُمْ يَخْدِمُونَكِ. أي ملوك الأمم، وإن كان عددهم قليلاً حتى الآن؛ ولكن عندما تتحقق هذه النبوة، سيكون هذا حالاً عاماً؛ سيكون الملوك في كل مكان "آباء مربين" والملكات "أمهات مربيات" للكنيسة، يخدمون مصالحها ويعززون شأنها بكل قوتهم (إشعياء 49: 23). لأَنِّي بِغَضَبِي ضَرَبْتُكِ، وَبِرِضْوَانِي رَحِمْتُكِ. بسبب رفض اليهود للمسيا واحتقارهم لإنجيله واضطهادهم لرسله، حلّ عليهم الغضب إلى التمام؛ على مدينتهم وهيكلهم وأمتهم، وهو غضب لا يزال باقياً عليهم. ورغم أن القساوة قد حلّت بهم وأُغلق عليهم في عدم الإيمان، إلا أن هناك وقتاً سيرحمهم فيه الرب، ويدعوهم ويحولهم، ويرد سبيهم (رومية 11: 25).
11 وَتَنْفَتِحُ أَبْوَابُكِ دَائِمًا. نَهَارًا وَلَيْلاً لاَ تُغْلَقُ. لِيُؤْتَى إِلَيْكِ بِغِنَى الأُمَمِ، وَتُقَادَ مُلُوكُهُمْ. وَتَنْفَتِحُ أَبْوَابُكِ دَائِمًا. يعبر هذا عن حالة السلام التي ستكون فيها الكنيسة، حيث لن تكون في خطر أو خوف من الأعداء؛ إذ لا يُؤذي ولا يُهلك في كل جبل قدسها، ولذا لا حاجة لإغلاق الأبواب (حزقيال 38: 11). كما يعبر عن التدفق الهائل والمستمر للناس إليها؛ فالمهتدون سيأتون دائماً، وأبواب الكنيسة ستبقى مفتوحة لاستقبالهم؛ وسيرحب بهم الرعاة والشعب بكل فرح مهما بلغ عددهم (إشعياء 26: 2). وكذلك يعبر عن سعة الكنيسة؛ فرغم الأعداد الغفيرة، سيكون هناك دائماً متسع، وستمتد خيامها وتطول أطنابها لاستيعابهم جميعاً (إشعياء 54: 2). نَهَارًا وَلَيْلاً لاَ تُغْلَقُ. نشير إلى هذه العبارة في (رؤيا 21: 25) لكن بصيغة مختلفة: "وأبوابها لن تُغلق أبداً نهاراً، لأن ليلاً لا يكون هناك". لِيُؤْتَى إِلَيْكِ بِغِنَى الأُمَمِ، أي بكامل قوتهم وجيوشهم (انظر تفسير عدد 5). الترجوم يفسرها بـ "ثروات الشعوب". وَتُقَادَ مُلُوكُهُمْ. يُقادون إما في موكب فخم كما يُقاد الملوك على الخيل، أو بالأحرى كأسرى مكبلين (إشعياء 20: 4)؛ وكما يترجمها الترجوم: "مقيدين"؛ أي مغلوبين بنعمة مقتدرة، ومقادين بقيود الحب إلى المسيح وكنيسته، صائرين طائعين له. ويذكر "كيمحي": "سيأتون أمام الملك المسيا كعبيد أمام أسيادهم".
12 لأَنَّ الأُمَّةَ وَالْمَمْلَكَةَ الَّتِي لاَ تَخْدِمُكِ تَبِيدُ، وَخَرَابًا تُخْرَبُ الأُمَمُ. لأَنَّ الأُمَّةَ وَالْمَمْلَكَةَ الَّتِي لاَ تَخْدِمُكِ تَبِيدُ، التي لا تخدم الرب المسيح ولا تعبده مع كنيسته وشعبه؛ التي لا تطيع قوانين ووصايا بيته، بل تُعين رأساً آخر فوقها، وتضع قوانين ووصايا أخرى رافضة سلطة المسيح وحكم كلمته ونظام كنائسه. وَخَرَابًا تُخْرَبُ الأُمَمُ. أي كل الدول المعادية للمسيح عندما تُسكب جامات غضب الله عليها (زكريا 14: 17). مدراش رباه للخروج (18: 12) [في قوله "هي ليلة تُحفظ -שמורים- للرب" (خروج 12: 42)؛ لأن فيها أجرى الرب عظائم للأبرار كما فعل مع إسرائيل في مصر. وفيها أيضاً سيتعظم شأن المسيح وإيليا؛ كما قيل: "قال الحارس -שמר-: أتى صباح وأيضاً ليل" (إشعياء 21: 12). ويُضرب مثل بامرأة تنتظر زوجها المسافر، فقال لها: خذي هذه العلامة، فمتى رأيتها فاعلمي أني آتٍ عن قريب. هكذا تترقب إسرائيل الخلاص منذ قيام "آدوم". فقال القدوس تبارك اسمه: هذه العلامة تكون في أيديكم؛ في ذات اليوم الذي صنعتُ لكم فيه خلاصاً (الفصح)، في تلك الليلة اعلموا أني سأخلصكم مستقبلاً. فإن لم يحدث في حينه فلا تصدقوا، لأن الوقت لم يحن بعد؛ كقوله: "أنا الرب في وقته أسرع به" (إشعياء 60: 22). ويقول: "هي مرة بعد قليل فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة" (حجي 2: 6)، و"أقلب كرسي الممالك وأبيد قوة ممالك الأمم" (حجي 2: 22). وكما قُلبت مصر، هكذا سيُقلب عابدو الأوثان؛ كما قيل: "والأمم تخرب خراباً" (إشعياء 60: 12)، وكما ورد: "لُيمسك بأكناف الأرض، فينفض الأشرار منها" (أيوب 38: 13).]
13 مَجْدُ لُبْنَانَ إِلَيْكِ يَأْتِي. السَّرْوُ وَالسِّنْدِيَانُ وَالشَّرْبِينُ مَعًا لِزِينَةِ مَكَانِ مَقْدِسِي، وَأُمَجِّدُ مَوْضِعَ رِجْلَيَّ. مَجْدُ لُبْنَانَ إِلَيْكِ يَأْتِي. يقصد الأشجار التي تنمو فيه، ولا سيما الأرز الذي اشتهر به. وكما حُملت هذه الأشجار لبناء هيكل سليمان (1 ملوك 6: 9)، سيأتي هؤلاء من تلقاء أنفسهم، طواعية وبفرح، منجذبين بحبال الحب إلى كنيسة المسيح. هؤلاء يُشبهون أرز لبنان في قوتهم وعلو مواهبهم ونعمهم؛ ثابتين وغير متزعزعين في عمل الرب؛ أعمدة في بيته لا تخرج أبداً؛ مثمرين دائماً وذوي سيرة عطرة وصيت حسن (مزمور 107: 12). السَّرْوُ وَالسِّنْدِيَانُ وَالشَّرْبِينُ مَعًا قد ترمز لأشخاص من رتب ومكانات مختلفة (دنيوياً وروحياً)، ومع ذلك سيتفقون جميعاً على المجيء للكنيسة والاتحاد في خدمة الله وعبادته، ويكونون مجداً حقيقياً لها (انظر إشعياء 41: 19). لِزِينَةِ مَكَانِ مَقْدِسِي، الكنيسة، الملقبة هكذا تيمناً بالخيمة والهيكل. والترجوم يقول: "مكان بيت مقدسي"؛ حيث يسكن الله القدوس ويُعبد بطريقة روحية. ستتجمل الكنيسة في الأيام الأخيرة حين يرتدي القديسون بالإيمان "ثياب بر المسيح الجميلة"، ويزينون سيرة حياتهم بالمحبة الأخوية والوحدة في العقيدة والعبادة، وحين يُكرز بالإنجيل بنقاء وقوة. وَأُمَجِّدُ مَوْضِعَ رِجْلَيَّ. إشارة إلى "التابوت" تحت كرسي الرحمة حيث كان يسكن بين الكروبيم، ولذا سُمي موطئ قدميه (1 أخبار 28: 2). وهذا يعني أن الكنيسة هي المكان الذي يمنح فيه الرب حضوره من خلال المسيح (المرموز إليه بالتابوت وكرسي الرحمة)؛ وهي موضع راحته وإقامته، حيث تُرى خطوات نعمته الغنية، وتُلاحظ قوته ومجده وجماله على شعبه؛ حيث يرى المؤمنون "الملك في جماله"، وهو ما سيتمتعون به بوضوح أكبر في الأيام الأخيرة.
14 «وَبَنُو الَّذِينَ قَهَرُوكِ يَسِيرُونَ إِلَيْكِ خَاضِعِينَ، وَكُلُّ الَّذِينَ أَهَانُوكِ يَسْجُدُونَ لَدَى بَاطِنِ قَدَمَيْكِ، وَيَدْعُونَكِ: مَدِينَةَ الرَّبِّ، «صِهْيَوْنَ قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ. «وَبَنُو الَّذِينَ قَهَرُوكِ يَسِيرُونَ إِلَيْكِ خَاضِعِينَ، المقصود هم نسل اليهود الذين اضطهدوا الكنائس المسيحية الأولى؛ هؤلاء سيقتنعون بحقانية الدين المسيحي ويتحولون إليه، ويأتون ليسجدوا أمام الكنيسة وفي شركة معها، معترفين بأنها كنيسة الله الحقيقية. وهذا ما تنبأت به حالة "فيلادلفيا"، وهي ذاتها الفترة الموصوفة هنا (انظر رؤيا 3: 9). أو قد يشير المعنى إلى أبناء الوثنيين الرومان، أو بالأحرى نسل "روما/بابل"، حيث سيُدعى كثيرون منهم للخروج منها عند دمارها، ليصيروا متضرعين خاضعين لكنيسة المسيح ومذعنين لعقائدها وقواعدها، بعد أن كان أسلافهم قد اضطهدوها بقسوة. وَكُلُّ الَّذِينَ أَهَانُوكِ يَسْجُدُونَ لَدَى بَاطِنِ قَدَمَيْكِ، وهي عبارة تعبر عن عظيم الاحترام والتبجيل والخضوع (انظر إشعياء 49: 23). وَيَدْعُونَكِ: مَدِينَةَ الرَّبِّ، «صِهْيَوْنَ قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ. سيعترفون بأنهم كنيسة المسيح الحقيقية؛ المدينة التي بناها ويسكن فيها؛ موضوع اختياره وسروره ومحبته كما كانت صهيون؛ شعب مقدس صار مسكناً لإله إسرائيل. وهذه كلها أسماء للكنيسة في عهد الإنجيل (عبرانيين 12: 22).
15 عِوَضًا عَنْ كَوْنِكِ مَهْجُورَةً وَمُبْغَضَةً بِلاَ عَابِرٍ بِكِ، أَجْعَلُكِ فَخْرًا أَبَدِيًّا فَرَحَ دَوْرٍ فَدَوْرٍ. عِوَضًا عَنْ كَوْنِكِ مَهْجُورَةً أي مهجورة في الظاهر من الله، كما ظنت هي بنفسها وكان ذلك سبب شكواها، وكما ظن أعداؤها فكان ذلك سبب سرورهم؛ إذ لم يظهر الرب فوراً لإغاثتها وتخليصها من أيدي مضطهديها. وَمُبْغَضَةً من جميع الناس؛ من الفجار والخطاة، ومن المؤمنين بالاسم فقط، ولا سيما من حزب "ضد المسيح". بِلاَ عَابِرٍ بِكِ، أي قلّ السالكون في طرق صهيون، وقلّ من سأل عنها أو انضم لشركتها وعبادتها. "يعقوب كان صغيراً" وعدد المهتدين كان قليلاً جداً. أَجْعَلُكِ فَخْرًا أَبَدِيًّا القديسون هم الأفاضل في الأرض في نظر الله والمسيح؛ هم جواهره وكنزه الخاص، بما لديهم من نعم الروح القدس الفاضلة، ورداء بر المسيح الفاخر، والمعرفة الروحية السامية، وروح المحبة والوحدة، والنظام المنضبط بينهم؛ كل هذا سيستمر ويظهر بوضوح أنه حالهم. فَرَحَ دَوْرٍ فَدَوْرٍ. أي جيلاً بعد جيل؛ أو كما يقول الترجوم: "بيت فرح لجيل فجيل"؛ أي ستكون الكنيسة فرحاً لله وللمسيح وللقديسين وللعالم أجمع، عصراً بعد عصر لفترة طويلة من الزمن (انظر إشعياء 65: 18، مع إشارة لـ مزمور 48: 2).
16 وَتَرْضَعِينَ لَبَنَ الأُمَمِ، وَتَرْضَعِينَ ثُدِيَّ مُلُوكٍ، وَتَعْرِفِينَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ مُخَلِّصُكِ وَوَلِيُّكِ عَزِيزُ يَعْقُوبَ. وَتَرْضَعِينَ لَبَنَ الأُمَمِ، تشتركين في ثرواتهم وغناهم؛ وكما قال الترجوم: "تشبعون من مقتنيات الشعوب". أو تشربون من "لبن الكلمة الخالص" (إنجيل المسيح) الذي حظي به الأمم لقرون؛ فهذا يشير إلى المهتدين اليهود الذين سيشكلون مع الأمم المهتدين كنيسة واحدة تشترك في ذات الامتيازات. وَتَرْضَعِينَ ثُدِيَّ مُلُوكٍ، الذين سيهتدون في أماكن شتى وينضمون للكنيسة ويصيرون "آباء مربين" لها؛ يساعدون شعب الله بثرواتهم لإقامة العبادة بطريقة تليق بكرامتها، ويحمونهم بقوتهم (مزمور 72: 9). يقول الترجوم: "بأسلاب الملوك تتنعمون". وقد يشير أيضاً إلى "ثدي التعزية" (وصايا الإنجيل) التي سيرضع منها الملوك واليهود والأمم على حد سواء (إشعياء 66: 11). وَتَعْرِفِينَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ مُخَلِّصُكِ وَوَلِيُّكِ عَزِيزُ يَعْقُوبَ. فعندما يُدعى اليهود، سيطلبون الرب إلههم، المسيا الحقيقي، وينظرون بالإيمان إلى ذاك الذي طعنوه؛ سيعرفون ويقرون بأنه فاديهم ومخلصهم، المؤهل تماماً لهذا العمل لكونه "عزيز يعقوب" (القوي القدير)، ذاك الذي رفضوه وازدروه هم وأسلافهم من قبل.
17 عِوَضًا عَنِ النُّحَاسِ آتِي بِالذَّهَبِ، وَعِوَضًا عَنِ الْحَدِيدِ آتِي بِالْفِضَّةِ، وَعِوَضًا عَنِ الْخَشَبِ بِالنُّحَاسِ، وَعِوَضًا عَنِ الْحِجَارَةِ بِالْحَدِيدِ، وَأَجْعَلُ وُكَلاَءَكِ سَلاَمًا وَوُلاَتَكِ بِرًّا. عِوَضًا عَنِ النُّحَاسِ آتِي بِالذَّهَبِ، وَعِوَضًا عَنِ الْحَدِيدِ آتِي بِالْفِضَّةِ، وَعِوَضًا عَنِ الْخَشَبِ بِالنُّحَاسِ، وَعِوَضًا عَنِ الْحِجَارَةِ بِالْحَدِيدِ، يمكن فَهْمُ «الخشب والحجارة» على أنها نظام العهد القديم؛ و«النحاس والحديد» نظام الإنجيل الحالي؛ و«الفضة والذهب» مجد الأيام الأخيرة. فالفضة والذهب يرمزوا لملكه الشخصي في أورشليم الجديدة التي وُصفت بأنها ذهب نقي (رؤيا 21: 18). وكما يفوق النحاسُ والحديد الخشبَ والحجارة، هكذا يفوق نظام الإنجيل نظام الناموس؛ فالأول ظل والثاني جوهر. وكما تفوق الفضة والذهب النحاس والحديد، هكذا سيفوق مجد الأيام الأخيرة الحالة الروحيّة الراهنة في صفاء النور، ونقاء العقيدة، وقداسة الحياة. قد يكون هنا تلميح لزمن سليمان (رمز المسيح) (1 ملوك 10: 27). الترجوم: "عوض النحاس الذي سلبوكِ إياه يا أورشليم، آتي بالذهب...". وَأَجْعَلُ وُكَلاَءَكِ سَلاَمًا سيكون الحكام المدنيون ذوي نزعات سلمية يعززون الوحدة في الممالك والمدن، وسيكونون بحق "قضاة سلام" يطابقون مسمى وظيفتهم. أما وكلاء الكنيسة (الرعاة) فسينشرون إنجيل السلام بأوضح صورة، ويملك سلام الله في قلوب جميع القديسين. وَوُلاَتَكِ بِرًّا. حتى جُباة الضرائب، الذين اشتهروا بالظلم، لن يفعلوا إلا ما هو حق وعدل. والسبعينية ترجمتها «أساقفة أو نظاراً»؛ أي رعاة الكنيسة الذين سيكونون خداماً للبر، يكرزون بعقيدة التبرير ببر المسيح ويعلمون الناس العيش بالبر والتقوى.
18 «لاَ يُسْمَعُ بَعْدُ ظُلْمٌ فِي أَرْضِكِ، وَلاَ خَرَابٌ أَوْ سَحْقٌ فِي تُخُومِكِ، بَلْ تُسَمِّينَ أَسْوَارَكِ: خَلاَصًا وَأَبْوَابَكِ: تَسْبِيحًا. «لاَ يُسْمَعُ بَعْدُ ظُلْمٌ فِي أَرْضِكِ، لن يُرتكب الظلم بعد الآن، ولن تُسمع شكاوى منه، سواء كان ضغطاً عاماً أو خاصاً. سينتهي الاضطهاد المعادي للمسيح، ولن يكون هناك من يُفسد في كل جبل قدس الرب (إشعياء 11: 9). وَلاَ خَرَابٌ أَوْ سَحْقٌ فِي تُخُومِكِ، لا حروب ولا أخبار حروب، ولا سفك دماء أو تدمير للمدن. ستكون "زانية روما/بابل" قد شربت كأسها، وبسكب جامات الغضب على الدول المعادية للمسيح، يسود سلام عميق ورخاء عظيم في كل مكان، لا سيما في كنائس المسيح. بَلْ تُسَمِّينَ أَسْوَارَكِ: خَلاَصًا وَأَبْوَابَكِ: تَسْبِيحًا. أو «تسمين الخلاص أسواركِ، والتسبيح أبوابكِ». إذ لا حاجة لأسوار سوى خلاص الله الزمني والروحي، ولا لأبواب سوى التسبيح الذي في قلوب وأفواه القديسين. والمقصود الأساسي هو الخلاص الروحي والأبدي النابع من محبة الله الثابتة وعهده الذي أكمله المسيح. وسيكون القديسون في أبواب صهيون يسبحون الرب لأجل نعمة الاختيار والفداء والغفران، ولأجل شركة بيته (إشعياء 26: 1). الترجوم: "ينادون بالخلاص على أسواركِ، وعلى أبوابكِ يكون المسبحون".
19 لاَ تَكُونُ لَكِ بَعْدُ الشَّمْسُ نُورًا فِي النَّهَارِ، وَلاَ الْقَمَرُ يُنِيرُ لَكِ مُضِيئًا، بَلِ الرَّبُّ يَكُونُ لَكِ نُورًا أَبَدِيًّا وَإِلهُكِ زِينَتَكِ. لاَ تَكُونُ لَكِ بَعْدُ الشَّمْسُ نُورًا فِي النَّهَارِ، هنا يبدأ وصف الحالة الكاملة والمنزهة عن الخطية للكنيسة في "ملك المسيح الشخصي" (أورشليم الجديدة)، كما يظهر من استخدام ذات العبارات في (رؤيا 21: 23): "والمدينة لا تحتاج إلى الشمس ولا إلى القمر ليضيئا فيها، لأن مجد الله قد أنارها، والخروف سراجها". الترجوم: "لن تحتاجوا بعد لنور الشمس نهاراً ولا حتى لنور القمر ليلاً". ويضيف "ابن عزرا" أن السبب هو "نور الشكينة" (الحضور الإلهي). وَلاَ الْقَمَرُ يُنِيرُ لَكِ مُضِيئًا، بسبب البهاء الفائق لمقام المسيح الإلهي الذي سيظهر شخصياً بين شعبه، فلن تتمكن الشمس أو القمر من إعطاء أي نور أمام بهاء مجده؛ تماماً كما يجعل نورُ الشمس ضوءَ الشمعة بلا فائدة (إشعياء 24: 23). قد يُفهم هذا "روحياً" بأن الكنيسة لن تعود بحاجة لوسائط أو وصايا الإنجيل لتعليمها، لوجود المسيح المباشر معها. بَلِ الرَّبُّ يَكُونُ لَكِ نُورًا أَبَدِيًّا أي الرب يسوع المسيح، "حمل الله". هو أصل نور الطبيعة والنعمة، وسيكون أصل نور المجد في تلك الحالة وإلى الأبد. حينئذٍ سيعاين القديسون وجه الله، ويرون المسيح في كل مجده ومجد أبيه وملائكته، وستنكشف كل أسرار العناية الإلهية؛ وسيكون هذا النور سرمدياً، فلا ليل بل يوم أبدي واحد. وَإِلهُكِ زِينَتَكِ. إن فخر القديسين ومجدهم هو أن الله إلههم؛ وسيكون مجدهم في تلك الحالة هو وجود "الإله المتجسد" يسوع المسيح معهم شخصياً؛ "مسكن الله مع الناس"، ومجده ينيرهم (رؤيا 21: 3). مدراش رباه للخروج (15: 21) [في قوله: "هذا الشهر (الجديد) -החדש- يكون لكم" (خروج 12: 2)؛ نجد المكتوب يقول: "هوذا الأوليات قد أتت والحديثات -חדשות- أنا مخبر بها" (إشعياء 42: 9). فهل ثمة مستجدات في المستقبل الآتي والجامعة يقول: "ليس تحت الشمس جديد" (جامعة 1: 9)؟ – بلى، إننا نجد عشرة أمور يُحدثها القدوس تبارك اسمه في المستقبل الآتي.. الأمر الأول: هو عتيدٌ أن يُنير العالم بذاته؛ كما قيل: "لا تكون لكِ بعد الشمس نوراً في النهار، ولا القمر ينير لكِ مضيئاً، بل الرب يكون لكِ نوراً أبدياً" (إشعياء 60: 19). وإذ يتساءل المرء: هل يطيق الإنسان النظر إلى جلال القدوس تبارك اسمه؟ – فإن الرب سيجعل الشمس تفيض نوراً بمقدار تسعة وأربعين ضعفاً؛ كما قيل: "ويكون نور القمر كنور الشمس، ونور الشمس يكون سبعة أضعاف كنور سبعة أيام" (إشعياء 30: 26). وإذا ألمَّ بالمرء سقمٌ، أمر الرب الشمس فشفته؛ لقوله: "ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها" (ملاخي 4: 2).] مدراش تانحوما بوبر للخروج (تتسڤا – 6: 2) [قال القدوس تبارك اسمه لإسرائيل: في هذا العالم احتجتم لنور الهيكل (المنارة)، ولكن في العالم الآتي، وكتزكية وجزاء عن هذا النور، آتي لكم بالملك المسيح المشبه بالنور؛ لقوله: "هناك أنبتُّ قرناً لداود، رتبتُ سراجاً لمسيحي" (مزمور 132: 17). وليس هذا فحسب، بل إني أصنع لكم نوراً ذاتياً؛ كما قال إشعياء: "الرب يكون لكِ نوراً أبدياً وإلهكِ زينتكِ" (إشعياء 60: 19).] مدراش المزامير (72: 4-5) ["يقضي لمساكين الشعب، يخلص بني البائسين" (مزمور 72: 4)؛ كما يُقال في شأن المسيح: "ويقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض" (إشعياء 11: 4). وقوله: "يخشونك ما دامت الشمس" (مزمور 72: 5)؛ أي يخشون المسيح في هذا العالم ما دام نور الشمس باقياً. وقوله: "وقدام القمر" (5)؛ أي يهابونه ما دام القمر يطلُّ بوجهه قبل أن ينطفئ نوره؛ كقوله: "ويخجل القمر وتخزى الشمس لأن رب الجنود قد ملك في جبل صهيون" (إشعياء 24: 23)، وأيضاً: "لا تكون لكِ بعد الشمس نوراً في النهار ولا القمر ينير لكِ مضيئاً" (إشعياء 60: 19). أما معنى "إلى جيل الأجيال" (5)؛ فهو ذاك الجيل الأخير الذي لا يعقبه جيل آخر.]
20 لاَ تَغِيبُ بَعْدُ شَمْسُكِ، وَقَمَرُكِ لاَ يَنْقُصُ، لأَنَّ الرَّبَّ يَكُونُ لَكِ نُورًا أَبَدِيًّا، وَتُكْمَلُ أَيَّامُ نَوْحِكِ. لاَ تَغِيبُ بَعْدُ شَمْسُكِ، هذه شمس مختلفة عن سابقتها؛ إنها شمس الكنيسة، وهي ليست سوى "شمس البر"، المسيح يسوع؛ الذي له إشراق واحتجاب الآن (على الأقل في إدراك شعبه)، إذ قد يتوارى أحياناً ثم يعود؛ أما في هذه الحالة فلن يكون الأمر كذلك. سيكون القديسون معه للأبد، وسيكون هو معهم للأبد، يعاينون مجده ويستنيرون به دائماً (1 تسالونيكي 4: 16). وَقَمَرُكِ لاَ يَنْقُصُ، أو «لا يُجمع» تحت سحابة، أو «لا يفشل/يضمحل» (كما في السبعينية)، أو «لا يعاني نقصاً» (كما في العربية)؛ كما يحدث للقمر في محاقه أو كسوفه. قد يشير هذا إلى حالة الكنيسة حينذاك بأنها لن تفشل، وإلى بركاتها وتعزياتها من المسيح (الشمس) بأنها لن تنقطع، ولن يُعكر صفو تمتعهم بها شيء. الترجوم: "مملكتكِ لن تكف بعد، ومجدكِ لن يُنزع"؛ وكذا فسرها "موسى بن ميمون" عن ملك المسيا الذي سيدوم للأبد. لأَنَّ الرَّبَّ يَكُونُ لَكِ نُورًا أَبَدِيًّا، تكرار العبارة هنا هو من قبيل التأكيد والتوثيق. وَتُكْمَلُ أَيَّامُ نَوْحِكِ. أي تكتمل وتنقضي؛ أو «تُعوَّض» بيوم أبدي من الفرح والسرور. لن تعود هناك خطيئة تضني القديسين، ولا تجارب شيطان تزعجهم، ولا آلام جسدية أو نفسية تكدرهم؛ لا وجع ولا صراخ ولا موت، وبالتالي لا نوح بعد الآن؛ سيهرب الحزن والتنهد، ويُمسح كل دمع من عيونهم، وعلى رؤوسهم فرح أبدي (رؤيا 21: 4).
21 وَشَعْبُكِ كُلُّهُمْ أَبْرَارٌ. إِلَى الأَبَدِ يَرِثُونَ الأَرْضَ، غُصْنُ غَرْسِي عَمَلُ يَدَيَّ لأَتَمَجَّدَ. وَشَعْبُكِ كُلُّهُمْ أَبْرَارٌ. أي شعب الكنيسة أو أعضاؤها؛ فبينما كان شعب الرب الحقيقيون دائماً وأبداً أبراراً، لم يكن أعضاء الكنائس (بالاسم) كذلك دوماً. ففي إسرائيل القديمة لم يكن الكل أبراراً، بل بقية فقط بحسب اختيار النعمة. وفي الكنائس المسيحية الأولى كان هناك يهوذا بين التلاميذ، وحنانيا وسفيرة في أورشليم. وحتى في فترة الملك الروحي، سيكون هناك من لهم "صورة التقوى" فقط. أما في ملك المسيح الشخصي، فسيكون كل أعضاء الكنيسة أبراراً ببر المسيح المحسوب لهم؛ ستكون جماعة أبرار لا يقف بينهم خاطئ واحد، بل سيكونون أبراراً في جوهرهم، مقدسين تماماً وخالين من الخطية (مزمور 1: 5). لليهود مقولة : "لا يأتي ابن داود إلا في جيل كله أبرار أو كله أشرار"؛ واستشهدوا بهذه الآية. إِلَى الأَبَدِ يَرِثُونَ الأَرْضَ، ليس أرض كنعان فحسب (وإن كانت كاحتمال فهي البقعة التي قد ينزل ويملك فيها المسيح بمجد حيث صُلب وأُهين قديماً، إذ تقف قدماه على جبل الزيتون - زكريا 14 :4)؛ بل المقصود هو "الأرض الجديدة" التي رآها يوحنا وينتظرها القديسون بحسب الوعد، حيث يسكن البر والأبرار فقط (رؤيا 21: 1). وقد تشمل أيضاً "الوطن الأفضل"، أي المجد السماوي. غُصْنُ غَرْسِي المغروسون في المسيح بنعمة الاختيار؛ وفي شبه موته وقيامته بنعمة الفداء؛ وكأغصان فيه (الكرمة) بنعمة الدعوة الفعالة. سيظهر جلياً أنهم غرس الرب في فردوس الله، بجوار شجرة الحياة. عَمَلُ يَدَيَّ هم صنعة الله التي شكلها ببراعة؛ نتاج قوته المقتدرة وحده؛ وذلك لبيان عظيم محبته وغنى نعمته. سيكون ذلك في "يوم الرب" حيث يكتمل العمل ويصبح كاملاً بلا شكوك. لأَتَمَجَّدَ. كما سيتمجد الرب في جميع المؤمنين؛ وبواسطة هذه الصفات التي يحملونها والتي تُنسب لقوته ونعمته وبره. المسيح وحده سيُرفع، ويملك أمام شيوخه بمجد، حتى يسلم الملك، ويكون الله (الآب والابن والروح القدس) الكل في الكل. التلمود البابلي (سنهدرين – 90) [إن لكل إسرائيل نصيباً في العالم الآتي؛ استناداً لقوله: "وشعبكِ كلهم أبرار، إلى الأبد يرثون الأرض، غصن غرسي عمل يدي لأتمجد" (إشعياء 60: 21). ويُستثنى من هذا النصيب: من ينكر قيامة الأموات من التوراة، ومن يدعي أن التوراة ليست من السماء، والأبيكوريون (المستهزئون بالحكمة الإلهية).] التلمود البابلي (سنهدرين – 98) [قال الرابي يوحنان: لن يجيء ابن داود (المسيح) إلا في جيل يكون حاله أحد طرفين: إما جيلٌ كله أبرار، أو جيلٌ كله آثمون. فجيل الأبرار تأويله: "وشعبكِ كلهم أبرار، إلى الأبد يرثون الأرض" (إشعياء 60: 21)؛ أما جيل الآثمين فتأويله: "فرأى أنه ليس إنسان وتحيّر من أنه ليس شفيع، فخلصت ذراعه لنفسه" (إشعياء 59: 16)، وقوله: "من أجل نفسي، من أجل نفسي أفعل" (إشعياء 48: 11).]
22 اَلصَّغِيرُ يَصِيرُ أَلْفًا وَالْحَقِيرُ أُمَّةً قَوِيَّةً. أَنَا الرَّبُّ فِي وَقْتِهِ أُسْرِعُ بِهِ». اَلصَّغِيرُ يَصِيرُ أَلْفًا العائلة الصغيرة، والقلة القليلة من الناس في كل العصور، المشتتون والمنبوذون في العالم؛ عندما يجتمعون جميعاً، سيظهرون بالآلاف والملايين، "جمعاً لا يستطيع أحد أن يعده" (رؤيا 7: 9). وَالْحَقِيرُ أُمَّةً قَوِيَّةً. جماعة من الضعفاء الذين اضطهدهم الأعداء ولم يقووا على المقاومة؛ سيصبحون الآن أمة قوية مقتدرة؛ "يكون العاثر بينهم في ذلك اليوم مثل داود، وبيت داود مثل الله" (زكريا 12: 8). أَنَا الرَّبُّ فِي وَقْتِهِ أُسْرِعُ بِهِ». كما كان هناك وقت محدد ومعين لمجيء المسيح الأول، هناك وقت لمجيئه الثاني حين تبدأ هذه الحالة وهذا النظام. وعندما يأتي ذلك الوقت، لن يتأخر الأمر لحظة واحدة؛ بمجرد أن يحين الوقت، سيُسرع الرب بإتمام ما وعد به، وهو القادر على التنفيذ (1 تيموثاوس 6: 15). التلمود البابلي (سنهدرين – 98) [أشار الرابي ألكسندري إلى ما أورده الرابي يهوشع بن لاوي حول وجود تعارض ظاهري في النص؛ إذ يقول: "في وقته" (إشعياء 60: 22)، ويقول في ذات الآية: "أسرع به"! فكيف يستقيمان؟ – الإجابة: إن تزكّت إسرائيل بأعمالها "أسرع به" (أي يأتي الخلاص قبل أوانه)، وإن لم يتزكوا "في وقته" (أي يأتي في الميعد المحتوم).] مدراش رباه للخروج (18: 12) [في تأويل قوله: "هي ليلة تُحفظ -שמורים- للرب" (خروج 12: 42)؛ قيل لأن الرب صنع فيها عظائم للأبرار كما فعل في مصر، وفيها عتيدٌ أن يتعظم شأن المسيح وإيليا. ويُضرب مثل بامرأة تنتظر زوجها الغائب، أعطاها علامةً لتعرف بها دنو إيابه. هكذا تترقب إسرائيل الخلاص منذ قيام "آدوم"؛ فقال القدوس تبارك اسمه: هذه العلامة في أيديكم؛ في ذات اليوم (والليلة) التي صنعتُ لكم فيها خلاصاً قديماً، اعلموا أني سأخلصكم مستقبلاً. فإن لم يوافق الخلاص ذلك التوقيت فلا تترقبوه، لأن الوقت لم يقترب بعد؛ كقوله: "أنا الرب في وقته أسرع به" (إشعياء 60: 22). وحين يحين الوقت، سيزلزل الرب الممالك ويقلب عابدي الأوثان كما قلب مصر؛ تحقيقاً لقوله: "والأمم تخرب خراباً" (إشعياء 60: 12).]
 ⪢