↰🏠 
🔝

إشعياء

فهرس الاصحاحات 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66

الاصحاح 63

فهرس الاعداد1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
📖 Aᴬ   - + 📢 📚
⪡ 1 مَنْ ذَا الآتِي مِنْ أَدُومَ، بِثِيَابٍ حُمْرٍ مِنْ بُصْرَةَ؟ هذَا الْبَهِيُّ بِمَلاَبِسِهِ، الْمُتَعَظِّمُ بِكَثْرَةِ قُوَّتِهِ. «أَنَا الْمُتَكَلِّمُ بِالْبِرِّ، الْعَظِيمُ لِلْخَلاَصِ». يحتوي هذا الإصحاح على نبوة عن انتقام المسيح من أعداء كنيسته في الأيام الأخيرة، وهو ما يحقق لها خلاصاً كاملاً. يستهل النبي هذا الوصف بحوار بين المسيح والكنيسة؛ حيث تطرح الكنيسة سؤالاً تصف فيه المسيح من خلال الأماكن التي أتى منها، وثيابه، وطريقة مشيته؛ فيجيبها المسيح في (عدد 1). ثم يُطرح سؤال ثانٍ حول لون ثيابه، فيوضح السبب (عدد 2)، مبيناً أنه وقت الانتقام وفداء شعبه (عدد 4). يذكر النبي كيف أتم المسيح هذا العمل بمفرده (عدد 5)، وعزمه على استئصال جميع أعدائه (عدد 6). ويختتم الإصحاح بصلاة الكنيسة لله، مستعطفة رحمته، ومذكرة إياه بإحساناته القديمة لإسرائيل، ومتضرعة في محنتها الحالية (عدد 15)، وهي الصلاة التي تستمر في الإصحاح التالي. مَنْ ذَا الآتِي مِنْ أَدُومَ، بِثِيَابٍ حُمْرٍ مِنْ بُصْرَةَ؟ هذه ليست كلمات الملائكة عند صعود المسيح، ولا كلمات شعب إسرائيل، بل الأرجح أنها كلمات النبي أو الكنيسة التي يمثلها. الوصف هنا أسمى وأعظم من أن ينطبق على أي بشر (مثل يهوذا المكابي)؛ بل هو الله نفسه، أو بالأحرى المسيا. يشير العديد من المفسرين اليهود (قدامى ومحدثين) إلى أن هذا هو "الملك المسيا" الذي يتوقعون مجيئه من "روما" (التي يرمزون لها بأدوم). يقول أحد كتابهم: «عندما يأتي الملك المسيا، سيلبس الأرجوان... وسيكون ثوبه أحمر كدم». ويذكر آخرون أن المسيا سيظهر بعد معارك كبرى تدمر روما. ورغم أن المقصود هو المسيا، ويمكن أن يكون هذا يشير إلى مجيئه الأول (الذي كان من صهيون)، أو إلى مجيئه الروحي المستقبلي لينتقم من "ضد المسيح" والقوى المعادية له. من المعتاد في الكتاب المقدس استخدام أعداء إسرائيل القدامى (مثل الأدوميين وعاصمتهم بصرة) كرموز لأعداء الكنيسة في عصر الإنجيل. لذا يُمثل المسيح هنا كقائد منتصر عائد من المعركة وثيابه «مصبوغة» أو ملطخة بدم أعدائه، وهو ما يتوافق تماماً مع وصفه في (رؤيا 19: 18) بأنه متسربل بثوب مغموس بدم. هذَا الْبَهِيُّ بِمَلاَبِسِهِ، فرغم أن ثيابه ملطخة بدم أعدائه، إلا أنها بهية ومجيدة له ولامعة في عيون شعبه؛ لأنه حقق نصراً كاملاً، ولا سيما أن على ثوبه واسمه مكتوب: "ملك الملوك ورب الأرباب" (رؤيا 19: 16). الْمُتَعَظِّمُ بِكَثْرَةِ قُوَّتِهِ. يسير بهيبة وجلال عظيمين في طليعة جيوشه المنتصرة، غير خائف من عدو. والقوة هنا تليق بالمسيح الإله القدير، والوسيط المقتدر الذي له كل سلطان. لقد سار بقوته العظيمة من السماء للأرض بتجسده، وسار في أراضي الشيطان عند صعوده جراً إياه في موكب نصرته، وفي الأيام الأخيرة سيأتي لينتقم من قوى "ضد المسيح" ويعود ظافراً. يأتي الجواب من المسيح واصفاً نفسه بكلامه وقدرته: «أَنَا الْمُتَكَلِّمُ بِالْبِرِّ، الْعَظِيمُ لِلْخَلاَصِ». هذه كلمات المسيح. لقد «تكلم بالبر» في عهد النعمة الأزلي، وتكلم بالبر عبر أنبيائه في العهد القديم، وعندما كان على الأرض تكلم عن "بر الله" وعن "بره الشخصي" وعن عدم كفاية بر الإنسان. وهنا يشير بشكل خاص إلى صدق وعوده للكنيسة بالخلاص وتدمير أعدائها. وهو «عظيم للخلاص»، وقدرته هذه ظهرت في الفداء الروحي الذي أتمه؛ فقد وُضع العون على قدير، وتطلب هذا العمل قوة إلهية للتكفير عن الخطيئة، ووفاء العدل الإلهي، ومواجهة أعداء لا حصر لهم. وستظهر قدرته العظيمة جلياً عندما يبيد "الوحش والنبي الكذاب" ويحرر شعبه تماماً من أيديهم. الترجوم: «من قال هذه الأشياء التي ستجلب الضربة على أدوم، والانتقام الشديد على بصرة؟ يقول: هوذا أنا أظهر كما تكلمتُ بالبر، قوة عظيمة معي للخلاص». (انظر رؤيا 18: 8). بسيكتا دي راب كهانا (مُلحقات – 6) ومدراش المزامير (93: 1) [ثمة سبعة ألبسة تمنطق بها القدوس تبارك اسمه عبر التاريخ: لبس المجد عند الخلق، والعظمة عند البحر، والقدرة في سيناء، والبياض عند غفران الخطايا، والنقمة عند الاقتصاص من الأمم، والبر عند ظهور المسيح. أما اللباس السابع، فيلبسه عند الانتقام من "آدوم الشرير"، وهو لباس أحمر كدائس المعصرة؛ تحقيقاً لقوله: "مَن ذا الآتي من آدوم بثياب حمر.. ما بال لباسك محمر وثيابك كدائس المعصرة" (إشعياء 63: 1-2). وفي "مدراش المزامير"، رُبطت هذه الألبسة بالممالك؛ فلباس "ثياب الانتقام" كان نظير بابل، و"البر كدرع" نظير مادي، و"الغيرة" نظير اليونان، و"الثياب الحمر" نظير آدوم، بينما يكون اللباس السابع في أيام المسيح "أبيض كالثلج" (دانيال 7: 9).] مدراش سفري للعدد (161: 5 / مسعي – 3) [أوضح الرابي ناثان مدى محبة الرب لإسرائيل؛ إذ كانت "الشكينة" (الحضرة الإلهية) تلازمهم في كل منأى سُبيوا إليه. ففي مصر كانت معهم، وفي بابل وعيلام كذلك. وحين سُبيوا إلى "آدوم"، كانت الشكينة معهم؛ لقوله: "مَن ذا الآتي من آدوم بثياب حمر" (إشعياء 63: 1). وعند رجوعهم، ترجع الشكينة معهم؛ إذ لم يقل النص "ويُرجع -והשיب-" (بصيغة المتعدي)، بل قال "ويرد/يرجع -ושב-" (بصيغة اللازم)، أي أنه هو نفسه يرجع معهم. ويُضرب في ذلك مثل بملك قال: إن أردتموني فإني عند ابني؛ فالله جعل مسكنه في وسطهم رغم كدر السبي؛ لقوله: "مسكني الذي في وسطكم" (لاويين 15: 31).] بيركي دي راب إليعازر (29) [أورد الرابي إسماعيل خمسة عشر أمراً سيصنعها بنو إسماعيل في الأرض في آخر الأيام، ومنها: قياس الأرض بالحبال، واتخاذ المقابر مرابض للغنم ومكبات للنفايات، وتشييد المباني فوق رؤوس الجبال، وفشو الغش واحتجاب الحق، وتنحي القضاء عن إسرائيل وكثرة المعاصي فيها، وإعمار المدن الخربة وتمهيد الطرق وغرس الجنات، وسد شقوق حائط بيت المقدس وبناء مبنى في الهيكل. وفي ختام أيام أميرين منهم، يقوم "الغصن ابن داود"؛ لقوله: "وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً" (دانيال 2: 44). وأضاف الرابي إسماعيل: أن بني إسماعيل سيخوضون ثلاثة حروب شغب كبرى في الأرض؛ كما قيل: "فإنهم من أمام السيوف قد هربوا" (إشعياء 21: 15). ومن وسط تلك الأحداث يزدهر ابن داود، ومن هناك يأتي إلى أرض إسرائيل؛ كما قيل: "مَن ذا الآتي من آدوم بثياب حمر" (إشعياء 63: 1).]
2 مَا بَالُ لِبَاسِكَ مُحَمَّرٌ، وَثِيَابُكَ كَدَائِسِ الْمِعْصَرَةِ؟ بعد أن أجاب المسيح الكنيسة عن سؤالها الأول حول هويته، تطرح عليه سؤالاً ثانياً عن لون ثيابه الأحمر وسبب ذلك. فبينما كانت ثيابه في التجلي بيضاء كالثلج، ورداء برّه كتان نقي وأبيض، إلا أن لِباسه هنا صار أحمر؛ بدمه الشخصي الذي سفكه في آلامه (من الجلد وإكليل الشوك والمسامير)، أو بدم أعدائه كما سيأتي توضيحه. فثيابه تشبه ثياب «دَائِسِ الْمِعْصَرَةِ» التي يُلقى فيها عناقيد العنب ويطأها الرجال، فيتطاير عصيرها على ثيابهم ويلطخها باللون الأحمر.
3 «قَدْ دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ وَحْدِي، وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ. فَدُسْتُهُمْ بِغَضَبِي، وَوَطِئْتُهُمْ بِغَيْظِي. فَرُشَّ عَصِيرُهُمْ عَلَى ثِيَابِي، فَلَطَخْتُ كُلَّ مَلاَبِسِي. «قَدْ دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ وَحْدِي، هذا جواب المسيح؛ مؤكداً أن ثيابه صارت هكذا لأنه داس المعصرة بمفرده دون استعانة بأحد. «المعصرة» هنا هي رمز لعدل الله؛ العدل الذي احتمله المسيح كضامن للخطاة (حيث دُس هو نفسه كعنقود عنب)، أو الذي ينفذه هو في الآخرين. يُشبّه الأشرار بعناقيد العنب، والمعصرة هي عدل الله، والمسيح هو الدائس لها؛ وسيحدث هذا خاصة في الأيام الأخيرة عند تدمير "ضد المسيح" وأتباعه (رؤيا 14: 18). وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ. إما لعدم وجود من يقدر على مقاومته، أو لعدم وجود من يعينه في الانتقام. فرغم أن جيوش السماء تتبعه بكتان أبيض، إلا أنهم مجرد مرافقين وشهود؛ أما قوة السحق والدمار فهي منه وحده، ومن السيف ذي الحدين الخارج من فمه (رؤيا 19: 14). فَدُسْتُهُمْ بِغَضَبِي، وَوَطِئْتُهُمْ بِغَيْظِي. فَرُشَّ عَصِيرُهُمْ عَلَى ثِيَابِي، فَلَطَخْتُ كُلَّ مَلاَبِسِي. بكل قوة وعزم؛ وهذا هو سبب تلطخ ثيابه بدم أعدائه. وكما أن من يدوس المعصرة وحده وبكل قوته تتلطخ ثيابه بالعصير أكثر ممن يدوس بخفة، هكذا تلطخت ثياب المسيح. صيغة المستقبل هنا تشير إلى أن هذا الأمر سيتم في وقته، وسوف «يُسْبَغُ (يُرش) دَمُهُمْ عَلَى ثِيَابِي، فَأَلْطَخُ كُلَّ مَلاَبِسِي»؛ كما في (رؤيا 19: 13) حين يظهر بـ "ثوب مغموس بدم". كبريانوس القرطاجي: ألا يشهد الروح القدس أيضاً، متكلماً بلسان إشعياء، بالشيء نفسه بخصوص آلام الرب، قائلاً: "ما بال لباسك محمر، وثيابك كدائس المعصرة المملوءة والمدوسة جيداً؟". فهل يمكن للماء أن يجعل اللباس أحمر؟ أم هل الماء هو الذي يُداس بالأقدام في المعصرة؟ إن ذكر "الخمر" قد وُضع هناك لكي يُعرف دم الرب في الخمر، ولكي يتنبأ الأنبياء الذين أعلنوا ذلك عما سيظهر لاحقاً في كأس الرب. كما جرى الحديث أيضاً عن دَسّ وضغط المعصرة، إذ لا يمكن إعداد الخمر للشرب بأي طريقة أخرى ما لم يُدس عنقود العنب ويُضغط أولاً. وهكذا، لم يكن بإمكاننا أن نشرب دم المسيح ما لم يكن المسيح قد ديس وضُغط أولاً، وما لم يكن قد شرب أولاً الكأس التي ينبغي أن يعطي المؤمنين ليشربوا منها أيضاً. مدراش رباه للعدد (14: 1) ومدراش المزامير (60: 3) [في تأويل قوله: "موآب مرحضتي.. على آدوم أطرح نعلي" (مزمور 60: 8)؛ قال الله: سأسحب نعلي لأدوسهم وأطأهم بعقبي؛ كما قيل: "قد دستُ المعصرة وحدي.. فدستهم بغضبي ووطئتهم بغيظي" (إشعياء 63: 3). وهذه "الرجل" التي تدوس إنما هي رجل القدوس تبارك اسمه، المذكورة في قوله: "تدوسها -תרמסנה- الرجل" (إشعياء 26: 6). أما "رجلا الفقير -עני-" (26: 6)؛ فهو الملك المسيح الموصوف بـ "وديع -עני- وراكب على حمار" (زكريا 9: 9). وأما "أقدام المساكين" (26: 6)؛ فهم إسرائيل الذين قيل في حقهم: "فذُلَّ -ידל- إسرائيل جداً" (قضاة 6: 6).]
4 لأَنَّ يَوْمَ النَّقْمَةِ فِي قَلْبِي، وَسَنَةَ مَفْدِيِّيَّ قَدْ أَتَتْ. لأَنَّ يَوْمَ النَّقْمَةِ فِي قَلْبِي، أي أنه أمر قد حسمه في نفسه، وهو يتوق إليه لينتقم لدم قديسيه من "ضد المسيح" الذي سيبيده بنفخة فمه وببهاء مجيئه (2 تسالونيكي 2: 8). وَسَنَةَ مَفْدِيِّيَّ قَدْ أَتَتْ. الوقت الذي فيه الذين افتداهم بدمه وصاروا ملكاً له، سيُفدون مرة أخرى من عبودية "ضد المسيح" ويُخرجون من بابل. ستكون هذه "سنة يوبيل" للقديسين، ووقت انتعاش من وجه الرب بعد زوال مضطهديهم (رؤيا 13: 10). مدراش رباه للجامعة (11: 4) [في قوله: "كما أنك لست تعلم ما هي طريق الريح" (جامعة 11: 5)؛ ثمة سبعة أمور استأثر الله بعلمها وحجبها عن بني آدم، وهي: يوم الموت، يوم التعزية، وعمق الدينونة، وكيفية نيل الأجر، وما في ثنايا القلوب، وما في أحشاء الحوامل، ومتى تسقط مملكة آدوم الشريرة؛ إذ قيل في توقيت سقوطها: "لأن يوم النقمة في قلبي" (إشعياء 63: 4).] مدراش المزامير (90: 9) [في البحث عن مدة "أيام المسيح" استناداً لقوله: "فرحنا كالأيام التي فيها أذللتنا" (مزمور 90: 15)؛ ذهب "الربوات" إلى أنها تبلغ ثلاث مئة وأربعة وخمسين عاماً، وهي تعادل عدد أيام السنة القمرية التي عانى فيها إسرائيل؛ لقوله: "وسنة مفديي قد أتت" (إشعياء 63: 4). بينما استشهد الرابي أبيهو بهذه الآية لبيان أن يوم النقمة وسنة الخلاص يقابلان فرح العرس الذي شُبه به فرح الرب بشعبه (إشعياء 62: 5).] التلمود البابلي (سنهدرين – 99) [تعددت آراء الحكماء في تحديد أمد "أيام المسيح": • الرابي أليعزر: أربعون سنة؛ قياساً على جيل التيه في البرية (مزمور 95: 10، تثنية 8: 3). • الرابي أليعزر بن عزريا: سبعون سنة؛ لقوله: "سبعين سنة كأيام ملك واحد" (إشعياء 23: 15)، وهو المسيح. • رابي (يهوذا الناسي): ثلاثة أجيال (مزمور 72: 5)، وفي قول آخر: ثلاث مئة وخمس وستين سنة كعدد أيام السنة الشمسية؛ لقوله: "وسنة مفديي قد أتت" (إشعياء 63: 4). • الرابي دوسا: أربع مئة سنة؛ كفترة استعباد مصر (تكوين 15: 13). • الرابي أبيمي بن الرابي أبهو: سبعة آلاف سنة؛ كأيام العرس (إشعياء 62: 5). • صموئيل: مدة تعادل عمر العالم من الخلقة حتى الآن (تثنية 11: 21). • الراڤ نحمان بن إسحاق: مدة تعادل ما انقضى منذ أيام نوح (إشعياء 54: 9).] مدراش رباه للجامعة (12: 9) [سعى سليمان الحكيم لاستجلاء وقت "النهاية"، فأجابه القدوس تبارك اسمه: لقد أودعتُ ذلك في "سِفر الاستقامة" (التوراة) بقولي: "لأن يوم النقمة في قلبي" (إشعياء 63: 4). وعلّم الرابي شاول: إذا سألك إنسان عن موعد نهاية الخلاص، فقل له إنها في "قلب" الخالق وحده.]
5 فَنَظَرْتُ وَلَمْ يَكُنْ مُعِينٌ، وَتَحَيَّرْتُ إِذْ لَمْ يَكُنْ عَاضِدٌ، فَخَلَّصَتْ لِي ذِرَاعِي، وَغَيْظِي عَضَدَنِي. فَنَظَرْتُ وَلَمْ يَكُنْ مُعِينٌ، كما في الفداء الأول على الأرض لم يكن معه من الملائكة أو البشر من يعينه (إلا الآب)؛ كذلك في هذا الخلاص الأخير، ستصل الكنيسة إلى حالة من الضعف والعجز بحيث يظهر جلياً أن خلاصها هو عمل القوة الإلهية وحدها. وَتَحَيَّرْتُ إِذْ لَمْ يَكُنْ عَاضِدٌ، ليس لأن المخلص يحتاج عوناً، بل إشارة إلى تدهور قضية شعبه تحت آلامهم. والكلمة تعني "الدهشة" أو "الذهول"، وهي تُستخدم هنا بأسلوب بشري لتأكيد أن الخلاص هو عمله الشخصي الصرف. فَخَلَّصَتْ لِي ذِرَاعِي، أي خلصت كنيستي وشعبي لمجدي؛ وهو خلاص لا يقدر عليه إلا ذراعه القديرة (إشعياء 59: 16). وَغَيْظِي عَضَدَنِي. أي غيرته لشعبه وسخطه على أعدائهم استنهضا قوته وأتمّا عمل الخلاص (إشعياء 9: 7).
6 فَدُسْتُ شُعُوبًا بِغَضَبِي وَأَسْكَرْتُهُمْ بِغَيْظِي، وَأَجْرَيْتُ عَلَى الأَرْضِ عَصِيرَهُمْ». فَدُسْتُ شُعُوبًا بِغَضَبِي وَأَسْكَرْتُهُمْ بِغَيْظِي، يُشبَّه غضب الله بـ «كأس» يسكر بها الأشرار (مزمور 75: 8). والمقصود هنا "كأس خمر غضب الله" التي ستُعطى لبابل ولأتباع "ضد المسيح" (رؤيا 14: 10). وَأَجْرَيْتُ عَلَى الأَرْضِ عَصِيرَهُمْ». أي أسقطت ممالكهم القوية، ومدنهم المحصنة، وثرواتهم التي اتكلوا عليها (إشعياء 26: 5). ويُعد الإصحاح الثامن عشر من سفر الرؤيا تفسيراً وافياً لهذه الكلمات.
7 إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَذْكُرُ، تَسَابِيحَ الرَّبِّ، حَسَبَ كُلِّ مَا كَافَأَنَا بِهِ الرَّبُّ، وَالْخَيْرَ الْعَظِيمَ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي كَافَأَهُمْ بِهِ حَسَبَ مَرَاحِمِهِ، وَحَسَبَ كَثْرَةِ إِحْسَانَاتِهِ. إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَذْكُرُ، هذه هي كلمات النبي (كما يلاحظ راشي وكيمحي)؛ فبعد أن سمع ما سيفعله الرب لكنيسته في الأزمنة اللاحقة بالانتقام من أعدائهم، يستحضر في ذهنه الانعامات التي أُسبغت على إسرائيل قديماً. هو يعتزم ذكرها وتذكير القديسين بها باعتبارها رموزاً وعرابين وضمانات لما سيفعله الرب لأجلهم؛ تشجيعاً لإيمانهم ورجائهم. ويسميها «إِحْسَانَاتِ (مراحم) الرَّبِّ»؛ ولا يقصد فقط جوده الإلهي في إخراجهم من مصر وعبور البحر، بل يقصد أيضاً نعمته الخاصة لمختاري الله بينهم. وقد وردت الكلمة بصيغة الجمع (إحسانات) لأنها تعبر عن أعمال الأقانيم الثلاثة في الاختيار والفداء والتقديس، ولأنها كثيرة ومتنوعة ويفيض فيها الحب الإلهي. تَسَابِيحَ الرَّبِّ، حَسَبَ كُلِّ مَا كَافَأَنَا بِهِ الرَّبُّ، التسابيح واجبة له من كل الخلائق، ولا سيما القديسين، بحسب عطايا النعمة المجانية؛ كعطية الله نفسه لشعبه، وعطية ابنه وروحه القدوس، مع كل مواهب الإيمان والرجاء والتوبة، وبركات الغفران والتبرير والتبني والحياة الأبدية؛ فكل هذا يستوجب الحمد والشكر. وَالْخَيْرَ الْعَظِيمَ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي كَافَأَهُمْ بِهِ حَسَبَ مَرَاحِمِهِ، وَحَسَبَ كَثْرَةِ إِحْسَانَاتِهِ. عطايا النعمة لا تُمنح بناءً على استحقاق البشر (وإلا لم تعد نعمة مجانية)؛ فليس في المخلوق ميزة، وأفضل أعمال البشر ليست استحقاقية أمام الله، بل كل ما لديهم يتدفق من رحمته السيادية المطلقة ومحبته غير المحدودة. لقد استُخدمت هنا "كومة من الكلمات" (المراحم، الإحسانات، الخير العظيم) للتعبير عن عظمة لطف الله، وهو ما يجب أن يظل دائماً في بصيرتنا وعقولنا، ويُذكر به في الجلسات الخاصة والمحافل العامة.
8 وَقَدْ قَالَ حَقًّا: «إِنَّهُمْ شَعْبِي، بَنُونَ لاَ يَخُونُونَ». فَصَارَ لَهُمْ مُخَلِّصًا. وَقَدْ قَالَ حَقًّا: «إِنَّهُمْ شَعْبِي، ليسوا شعبه بالمعنى العام كبقية البشر بكونهم خليقته، بل هم شعبه الخاص المختار الذي دخل معه في عهد؛ لقد أعلنهم كشعب له، وأعلنوا هم أنه ربهم وإلههم. هذا الانتماء العهدي هو الأساس لمنح وتطبيق كل بركات النعمة المذكورة سابقاً. هذه كلمات يهوه نفسه يرويها النبي، وهي تنطبق على جميع مختاري الله في المسيح؛ فبواسطة دعوتهم الفعالة يظهر جلياً أنهم شعبه الخاص، حتى وإن لم يكن سلوكهم تجاهه دائماً كما ينبغي (كما كان حال إسرائيل)؛ إلا أنه، بأسلوب بشري، يأمل فيهم خيراً كأب يأمل في أبنائه، معتبراً أن النعم المتجددة ستضعهم تحت التزام أدبي تجاهه. بَنُونَ لاَ يَخُونُونَ». ليسوا أبناء الشيطان (أبو الكذاب)، بل أبناء الله بالتبني والإيمان بالمسيح؛ لذا لا ينبغي أن يكذبوا على الله أو الناس. إن الرب (بأسلوب بشري) ينتظر من أبنائه ألا يعاملوه بخداع أو رياء، بل يخدمونه بإخلاص ويعبدونه بالروح والحق، وأن تكون قلوبهم مستقيمة معه وثابتة في عهده. هكذا رجا خيراً في إسرائيل قديماً، وهكذا يفعل مع كل "إسرائيل الروحي". فَصَارَ لَهُمْ مُخَلِّصًا. انطلاقاً من هذا المنظور والتوقع، صار مخلصاً لهم كما هو مخلص لجميع الناس، ولا سيما للمؤمنين. لقد كان مخلص إسرائيل حرفياً (زمنياً) في مصر والبحر والبرية، ومخلص المختارين بينهم روحياً، كما هو مخلص لكل مختاريه في المسيح يسوع؛ حتى وإن لم يستوفوا تماماً التوقعات العادلة المرجوة منهم.
9 فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ. بِمَحَبَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ هُوَ فَكَّهُمْ وَرَفَعَهُمْ وَحَمَلَهُمْ كُلَّ الأَيَّامِ الْقَدِيمَةِ. فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، أي الله الذي قال الكلمات السابقة؛ وهذا يُقال بأسلوب بشري (لأن الله روح منزه عن الألم)، تعبيراً عن "تعاطفه" مع شعبه المتألم ورعايته الحانية لهم، كما يتعاطف الصديق مع صديقه. الضيقات تأتي لشعب الله بمشيئته وبدافع الحب لا الغضب؛ وفي كل واحدة منها كان الله يتعاطف معهم. وكما نظر إلى بؤسهم في مصر والبحر والبرية وترأف عليهم، فهو يزور كل شعبه في ضيقهم، ويؤنسهم بحضوره، ويجعل أذرعه الأبدية تحتهم. لهذا العدد قراءتان؛ الأولى (في الهامش): «فِي كُلِّ ضِيقهِمْ حَصَلَ لَهُ ضِيقٌ» وهي التي تتبعها النسخة العربية. والقراءة الثانية (في المتن): «لَمْ يَكُنْ ضِيقٌ»؛ أي أنه لم يضيق ذرعاً بهم، أو كما ترجمها الترجوم: «لَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْهِمْ»؛ فهم الذين جلبوا الضيق لأنفسهم بخطاياهم. ويرى آخرون أن المعنى: «فِي كُلِّ مَآزِقِهِمْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَأْزِقٌ»؛ فبسبب محبة الله وسرعة إنقاذه لهم، لا تكاد ضيقاتهم تستحق اسم "ضيق". وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ. ليس ميخائيل، بل المسيا؛ ملاك العهد الذي سار أمامهم في البرية (خروج 23: 20). هو ملاك "بالوظيفة" (أي مُرسل من الله للخلاص) لا "بالطبيعة". سُمي "ملاك حضرته" لأن وجه الله وطبيعته وكمالاته فيه؛ فهو بهاء مجد الآب ورسم جوهره. وهو بصفته الوسيط، يدخل شعبه إلى حضرة الله ويظهر فيها كشفيع لهم. هو الذي خلص إسرائيل من مصر، وخلاصه ذاك كان رمزاً للخلاص الروحي والأبدي الذي لا يكون إلا بالمسيح. بِمَحَبَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ هُوَ فَكَّهُمْ فكّ إسرائيل من عبودية مصر، ويفك "إسرائيل الروحي" من الخطيئة والشيطان والناموس والموت؛ ليس بالقوة فحسب، بل بـ "الثمن" (دمه)، وهو فداء يتدفق من محبته العظيمة التي جعلته يصير رئيس كهنة رحيماً. وَرَفَعَهُمْ وَحَمَلَهُمْ كُلَّ الأَيَّامِ الْقَدِيمَةِ. حملهم في حضنه كأب مربٍّ، وحملهم على أجنحة النسور من مصر إلى كنعان (عدد 11: 12). احتمل أخلاقهم أربعين سنة، وعضدهم في كل تجاربهم. وهكذا يحمل كل شعبه على قلبه وفي يديه، ومنذ لحظة هدايتهم يكمل عمله فيهم ويحملهم بسلام إلى السماء، ولا يتركهم أبداً (إشعياء 46: 3).
10 وَلكِنَّهُمْ تَمَرَّدُوا وَأَحْزَنُوا رُوحَ قُدْسِهِ، فَتَحَوَّلَ لَهُمْ عَدُوًّا، وَهُوَ حَارَبَهُمْ. وَلكِنَّهُمْ تَمَرَّدُوا على الرغم من إحساناته وتوقعه الخير فيهم؛ يا له من جحود مرير! تمردوا في زمن موسى بالتذمر وعبادة الأوثان، وفي أزمنة القضاة والأنبياء؛ وصولاً إلى زمن المسيح حين رفضوه كمسيا وأنكروه كملك، ولا يزالون في تمردهم (لوقا 19: 14). وَأَحْزَنُوا رُوحَ قُدْسِهِ، روح الله الآب، أو روح "ملاك حضرته"؛ فالروح هو روح الآب والابن معاً. أحزنوه بخطاياهم ورفضهم لمشوراته عبر موسى والأنبياء، ثم عبر الرسل. لقد "قاوم" اليهود الروح القدس في الشهادة التي قدمها عن المسيا، وهو أمر مثير للغيظ الإلهي (أعمال 7: 51). يفسر الترجوم وكيمحي "روح قدسه" هنا بأنها "كلمة أنبيائه القديسين". فَتَحَوَّلَ لَهُمْ عَدُوًّا، ليس بمعنى حدوث تغيير في طبيعة الله من الحب إلى البغض، بل في "تدابيره"؛ فقد ظهر لهم كأنه عدو بسبب تأديباته لهم (أيوب 13: 24). يقول الترجوم: «وَصَارَتْ كَلِمَتُهُ لَهُمْ عَدُوّاً». وَهُوَ حَارَبَهُمْ. كما هدد حين أسلمهم ليد أعدائهم (ملك بابل)، وكما فعل المسيح حين جلب الجيوش الرومانية عليهم ودمر مدينتهم؛ وهي الأوقات التي يرى البعض أن هذه النبوة تشير إليها.
11 ثُمَّ ذَكَرَ الأَيَّامَ الْقَدِيمَةَ، مُوسَى وَشَعْبَهُ: «أَيْنَ الَّذِي أَصْعَدَهُمْ مِنَ الْبَحْرِ مَعَ رَاعِي غَنَمِهِ؟ أَيْنَ الَّذِي جَعَلَ فِي وَسَطِهِمْ رُوحَ قُدْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الأَيَّامَ الْقَدِيمَةَ، مُوسَى وَشَعْبَهُ: يُمكن فَهْم هذا إما على أن الرب هو الذي ذكر إحساناته ومراحمه القديمة لشعبه، وعهده مع آبائهم، والمعجزات التي صنعها بيد موسى، فقرر ألا يطرحهم نهائياً بل يصنع كما فعل سابقاً. ويقول الترجوم: «ترأف لأجل مجد اسمه ولأجل ذكر جوده القديم». أو الأرجح أنها كلمات الشعب (أو البقية التقية منهم) في وقت ضيقهم، يستذكرون تدخلات الله السابقة كحجج وبراهين لاستنهاض إيمانه ورجائه؛ فمن الحق "تذكر سنوات يمين العلي" (مزمور 77: 10). ويرى "راشي" أنها كلمات النبي يتضرع بها، بينما يراها "كيمحي" لسان حال إسرائيل في السبي أو قُبيل دمار أورشليم. «أَيْنَ الَّذِي أَصْعَدَهُمْ مِنَ الْبَحْرِ مَعَ رَاعِي غَنَمِهِ؟ أو «رُعاةِ» (بالجمع)؛ أي موسى وهارون، اللذين قاد الرب بهما شعبه كقطيع غنم. التساؤل بكلمة "أين" ليس سخرية، بل شكوى من غياب الحضور الإلهي المعتاد واستحثاث للرب ليظهر نفسه ثانية كما في القديم. أَيْنَ الَّذِي جَعَلَ فِي وَسَطِهِمْ رُوحَ قُدْسِهِ، أي الذي وضع روحه في موسى (راعي القطيع)، أو في إسرائيل (القطيع نفسه)؛ إذ لم يستقر الروح على موسى فحسب بل على الشيوخ والناس لتعليمهم وإرشادهم (نحميا 9: 20). مدراش رباه للتثنية (9: 9) [عندما دنا أجل موسى، طمأنه القدوس تبارك اسمه قائلاً: بحياتك، كما قدتَ أبنائي في هذا العالم، كذلك ستقودهم في المستقبل الآتي؛ استناداً لقوله: "وذكر الأيام القديمة موسى وشعبه" (إشعياء 63: 11)؛ دلالةً على استمرار دوره القيادي.]
12 الَّذِي سَيَّرَ لِيَمِينِ مُوسَى ذِرَاعَ مَجْدِهِ، الَّذِي شَقَّ الْمِيَاهَ قُدَّامَهُمْ لِيَصْنَعَ لِنَفْسِهِ اسْمًا أَبَدِيًّا، الَّذِي سَيَّرَ لِيَمِينِ مُوسَى ذِرَاعَ مَجْدِهِ، أي الذي عبر بهم البحر الأحمر بيد موسى اليمنى وعصاه؛ ولكن لئلا يُنسب الفضل لموسى أو للعصا، ذكر النبي «ذِرَاعَ مَجْدِ الرَّبِّ» التي عضدت وقادت يد موسى، ومنها صدرت كل القوة. يفسر "ابن عزرا" هذا بملاك الرب، بينما يشير المعنى إلى "ذراع القدرة الإلهية" التي تجلت بمجد (خروج 15: 6). الَّذِي شَقَّ الْمِيَاهَ قُدَّامَهُمْ لِيَصْنَعَ لِنَفْسِهِ اسْمًا أَبَدِيًّا، أي شق مياه البحر فصارت سوراً عن يمينهم وعن يسارهم، ليحوز لنفسه شرفاً ومجداً أبدياً بغلبته على فرعون ومركباته؛ وهو العمل العظيم الذي لا يزال وسيظل يُذكر لمجد اسمه.
13 الَّذِي سَيَّرَهُمْ فِي اللُّجَجِ، كَفَرَسٍ فِي الْبَرِّيَّةِ فَلَمْ يَعْثُرُوا؟ الَّذِي سَيَّرَهُمْ فِي اللُّجَجِ، أي في الأعماق، قاع البحر؛ ليس في المياه الضحلة، بل حيث كانت المياه أعمق والمنحدر أشد، وحيث كان يُتوقع وجود الوحل والطين ليعيق مسيرهم؛ ومع ذلك سار بهم هناك. كَفَرَسٍ فِي الْبَرِّيَّةِ الكلمة تعني أحياناً "السهل المنبسط"، والمعنى أن الإسرائيليين عبروا البحر بسهولة ويسر تماماً كما يركض فرس أصيل في أرض مستوية لا عائق فيها يوقفه. فَلَمْ يَعْثُرُوا؟ فلم يكن هناك طين ليعلقوا فيه، ولا حجر ليعثروا به، بل كان المسار كله كأنه سهل ممهد بفضل القوة الإلهية. أثناسيوس الرسولي: لا يمكن أن يكون هناك شك في أن موسى، برفضه مرافقة ملاك، كان يدعو الله ليقودهم بنفسه. وقد قطع الله هذا الوعد: "هذا الأمر الذي تكلمتَ عنه أفعله، لأنك وجدت نعمة في عيني وعرفتك بتفضيل على جميع الآخرين". ويقال أيضاً في إشعياء: "أين الذي أصعد من الأرض راعي غنمه؟ أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه، الذي قاد موسى بيمينه؟". . . في ذلك الوقت وعد الله أن يقود الشعب بنفسه، والآن يعد بأن يرسل، لا ملاكاً بعد الآن، بل الروح الذي هو فوق الملائكة. هو الذي يصير قائداً للشعب، وبذلك يظهر أن الروح ليس من بين الخلائق ولا هو حتى ملاك، بل هو أسمى من الخليقة، متحد بلاهوت الآب.
14 كَبَهَائِمَ تَنْزِلُ إِلَى وَطَاءٍ، رُوحُ الرَّبِّ أَرَاحَهُمْ». هكَذَا قُدْتَ شَعْبَكَ لِتَصْنَعَ لِنَفْسِكَ اسْمَ مَجْدٍ. كَبَهَائِمَ تَنْزِلُ إِلَى وَطَاءٍ، أي بهدوء ولطف، خاصة عندما تكون البهائم محملة بالأثقال؛ وهذا يشير إلى نزول الإسرائيليين إلى البحر، حيث دخلوه دون خوف أو رعب، وبلا عجلة مرتبكة رغم أن جيش فرعون كان خلفهم. أو بالأحرى المعنى: «كَمَا تَسِيرُ الْبَهِيمَةُ فِي الْوَادِي (أو السهل)»؛ أي بكل سهولة وبلا انقطاع؛ هكذا عبر الإسرائيليون البحر. وهكذا ترجمها الترجوم: «كبهيمة تُقاد في سهل». رُوحُ الرَّبِّ أَرَاحَهُمْ». أو قادهم بلطف؛ أي قاد إسرائيل؛ فمشوا عبر البحر بيسر كما تمشي البهيمة في الوادي أو الفرس في السهل. ويفهم البعض هذا عن قيادتهم في البرية حيث وجدوا أماكن للراحة، حتى استقروا أخيراً في أرض الراحة "كنعان". هكَذَا قُدْتَ شَعْبَكَ لِتَصْنَعَ لِنَفْسِكَ اسْمَ مَجْدٍ. قُدتهم عبر البحر والبرية بطريقة سهلة وآمنة ولطيفة، لتنال المجد والوقار بين أمم العالم كما حدث في ذلك الظهور العجيب لأجل إسرائيل؛ ويأمل المصلون هنا أن يصنع الرب مثل ذلك ثانية ليحوز مجداً خالداً.
15 تَطَلَّعْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَانْظُرْ مِنْ مَسْكَنِ قُدْسِكَ وَمَجْدِكَ: أَيْنَ غَيْرَتُكَ وَجَبَرُوتُكَ؟ زَفِيرُ أَحْشَائِكَ وَمَرَاحِمُكَ نَحْوِي امْتَنَعَتْ. تَطَلَّعْ مِنَ السَّمَاوَاتِ هنا تبدأ صلاة الكنيسة وشعب الله، وتستمر حتى نهاية هذا الإصحاح، وتتواصل في الإصحاح التالي، ويبدأ الجواب عليها في (إشعياء 65: 1). يسميها "ابن عزرا" صلاة الحكماء في السبي. ويبدو أنها توسل المهتدين من اليهود (إما في فجر الإنجيل أو في الأيام الأخيرة)؛ الذين يتضرعون للرب أن «يَتَطَلَّعَ مِنَ السَّمَاوَاتِ»، أي سماء السماوات، مقر عظمته حيث يوجد عرش مجده. وهذا الطلب يمثل تنازلاً كبيراً من الله أن ينظر إلى أسفل نحو الأرض (مزمور 113: 6). والمقصود هنا ليس نظرته العامة الشاملة لكل شيء، بل نظرة خاصة مملوءة بالحب والنعمة والرحمة؛ تلك النظرة التي ينظر بها إلى شعبه في المسيح بكل سرور ولذة، ليعضدهم في ضيقاتهم وينقذهم منها. وَانْظُرْ مِنْ مَسْكَنِ قُدْسِكَ وَمَجْدِكَ: هذا وصف للسماء كمسكن لله، الكلي القداسة، الذي تظهر عظمة قداسته في كل أعماله. لذا فالسماء مكان مقدس وعالٍ، لا يسكنه إلا القديسون؛ وهو مكان مجيد يُرى فيه مجد المسيح. ومن هناك، يُطلب من الإله القدوس أن ينظر إلى خلائق هم تراب ورماد، ديدان ملوثة عند موطئ قدميه، شعب بائس ومنكوب. أَيْنَ غَيْرَتُكَ وَجَبَرُوتُكَ؟ أي غيرته على اسمه العظيم ومجده، وغيرته على شعبه العزيز لئلا يُظلموا؛ ومحبته المتوقدة لهم التي لا تطفئها مياه كثيرة. هذه الغيرة لا تظهر دائماً بجلاء، لذا يسأل "عدم الإيمان" أين هي، بينما يصلي "الإيمان" لأجل استعلان جديد لها. أما «جبروتك» أو قوتك فقد ظهرت في الخلق وفي المسيح وفي تدمير الأعداء؛ وحين لا تظهر فوراً لنجدتهم، يسألون "أين هي؟". زَفِيرُ أَحْشَائِكَ وَمَرَاحِمُكَ نَحْوِي الإشارة هنا إلى "رنين" أو اضطراب الأحشاء الذي يحدث نتيجة العواطف القوية كالخوف والحب، وهو ما يسمى "حنين الأحشاء" (كما حدث مع يوسف ومع الأم الحقيقية في زمن سليمان - تكوين 43: 30). وبهذا تُوصف مراحم الله العميقة وحنانه وشفقته التي كانت وراء إرسال ابنه وغفران الخطايا. امْتَنَعَتْ. خُيل إليهم أنها قد انحبست بسبب الغضب ولن تخرج ثانية (مزمور 77: 7). وعبارة «نَحْوِي» في الفقرة السابقة تنتمي -بحسب علامات الوقف- إلى هذا السؤال، وتُقرأ: «هَلِ امْتَنَعَتْ عَنِّي (نَحْوِي)؟». لقد بدا الرب كأنه قسّى قلبه ضد كنيسته وشعبه، وكأنه لم يعد يملك قلباً رحيماً تجاههم كما تخيلوا في محنتهم.
16 فَإِنَّكَ أَنْتَ أَبُونَا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْنَا إِبْرَاهِيمُ، وَإِنْ لَمْ يَدْرِنَا إِسْرَائِيلُ. أَنْتَ يَا رَبُّ أَبُونَا، وَلِيُّنَا مُنْذُ الأَبَدِ اسْمُكَ. فَإِنَّكَ أَنْتَ أَبُونَا بما أنك أبونا، فما بالُك تحبس مراحمك وحنين أحشائك عنا؟ تتذرع الكنيسة هنا بعلاقتها مع الله بقوة؛ فرغم احتجاب وجهه، ظل إيمانها بانتسابها إليه ثابتاً. إن علاقة "الآب والبنون" بين الله وشعبه لا تقوم هنا على مجرد "الخلق" (لأنه أب لجميع البشر بهذا المعنى)، بل على نعمة التبني الخاصة؛ وهي فعل سيادي من مشيئته، مؤسس على سبق التعيين الإلهي، وتتم عبر الفداء بالمسيح وتتجلى في التجديد. إنه أب حنون يشعر بأبنائه، يعولهم، ويدخر لهم ميراثاً في السماوات. ورغم الشكوك التي قد تهاجم المؤمنين بسبب التجارب أو الخطايا، إلا أن شهادة روح التبني في قلوبهم هي التي تمكنهم من دعوته بملء الإيمان: "يا أبانا". وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْنَا إِبْرَاهِيمُ، وَإِنْ لَمْ يَدْرِنَا إِسْرَائِيلُ. لقد مات أسلافهم، والأموات لا يعلمون شيئاً عن نسلهم وظروفهم في هذا العالم، ولا يقدرون على عونهم في ضيقهم. ولعل النبي استخدم هذه اللغة عمداً ليصرف أذهان اليهود عن الاتكال الزائد على إبراهيم ويعقوب (إسرائيل)، ويوجه أنظارهم إلى الله كأبيهم الوحيد القادر على إعانتهم، والذي هو أسمى من أي أب أرضي. ويرى البعض أن المعنى هو: "لقد انحدرنا لدرجة أن إبراهيم ويعقوب لو قاما من الموت لما عرفونا كنسل لهما، ومع ذلك فأنت تظل أبانا". أَنْتَ يَا رَبُّ أَبُونَا، وَلِيُّنَا مُنْذُ الأَبَدِ اسْمُكَ. أو بحسب علامات الوقف: «فادينا من الأبد هو اسمك». لقد عُين المسيح منذ الأزل ليكون فادياً لشعبه، وكان الرب في كل العصور حامياً لشعبه ومنتقماً لمظالمهم، وهو الذي يمكنهم اللجوء إليه في كل حين.
17 لِمَاذَا أَضْلَلْتَنَا يَا رَبُّ عَنْ طُرُقِكَ، قَسَّيْتَ قُلُوبَنَا عَنْ مَخَافَتِكَ؟ ارْجعْ مِنْ أَجْلِ عَبِيدِكَ، أَسْبَاطِ مِيرَاثِكَ. لِمَاذَا أَضْلَلْتَنَا يَا رَبُّ عَنْ طُرُقِكَ، قَسَّيْتَ قُلُوبَنَا عَنْ مَخَافَتِكَ؟ ليست هذه كلمات الأشرار الذين يلقون بتبعة خطاياهم على الله، بل هي كلمات الأتقياء الذين يندبون بمرارة ضلالهم عن وصايا الله وقسوة قلوبهم. إنهم لا يلومون الله على فعل خاطئ، بل "يستفهمون" بتعجب: كيف تسمح لنا وأنت أبونا الحنون أن نضل، عبر حجب نعمتك وسحب حضورك، وتركنا لفساد قلوبنا، والسماح للعدو بأن يضطهدنا لدرجة نكاد فيها نفقد مخافتك؟ يفسر اليهود هذا بأن رؤية ازدهار الأشرار وطول أمد السبي جعلتهم يضلون عن طرق الله. ارْجعْ مِنْ أَجْلِ عَبِيدِكَ، أَسْبَاطِ مِيرَاثِكَ. أي ارجع عن غضبك وسخطك، أو كما يقول الترجوم: «أَعِدْ شكينتك (حضورك) إلى شعبك»؛ ذلك الحضور المجيد الذي احتجب طويلاً. أعد شعبك، الأسباط الاثني عشر الذين هم ميراثك، من أجل عهدك مع إبراهيم وإسحق ويعقوب.
18 إِلَى قَلِيل امْتَلَكَ شَعْبُ قُدْسِكَ. مُضَايِقُونَا دَاسُوا مَقْدِسَكَ. إِلَى قَلِيل امْتَلَكَ شَعْبُ قُدْسِكَ. المقصود إما أرض كنعان التي امتلكها اليهود نحو 1400 عام (وهي مدة قصيرة مقارنة بكلمة "للأبد" التي وُعدوا بها)، أو أنهم استمتعوا بها في سلام لفترة قصيرة فقط قبل أن يزعجهم جيرانهم. أو قد يُقصد بها "المقدس" (الهيكل)، كما يتضح من الفقرة التالية؛ فالهيكل الأول بقي ما يزيد قليلاً عن 400 عام. مُضَايِقُونَا دَاسُوا مَقْدِسَكَ. أي الهيكل؛ فقد دمره نبوخذ نصر (الهيكل الأول)، ودمره الرومان (الهيكل الثاني)، ودنسه أنطيوخوس وبومبي وغيرهم بوطئه بأقدامهم.
19 قَدْ كُنَّا مُنْذُ زَمَانٍ كَالَّذِينَ لَمْ تَحْكُمْ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُدْعَ عَلَيْهِمْ بِاسْمِكَ. قَدْ كُنَّا مُنْذُ زَمَانٍ أي نحن أبناؤك، وشعبك، ورعاياك. يقرأ البعض العبارة بربطها بكلمة من الفقرة التالية: «نحن لك منذ الأزل»؛ كما هو حال شعب الرب الخاص المختارين في المسيح قبل تأسيس العالم، والذين أُدخلوا في عهد أبدي. ويتوافق هذا مع "الترجوم" وقراءة "كيمحي": «نحن شعبك الذي كان لك منذ القديم». كَالَّذِينَ لَمْ تَحْكُمْ عَلَيْهِمْ، ويقصد بهم الوثنيين الذين اضطهدوهم؛ فهؤلاء لم يعترفوا بالله ملكاً عليهم قط كما فعلتم أنتم، ولم يخضعوا له، وبالتالي لا حق لهم في حمايته كما هو حالكم. وَلَمْ يُدْعَ عَلَيْهِمْ بِاسْمِكَ. لم يُسموا "شعب الله" أو "أبناء الله"، ولم يُدعَ اسمك عليهم، بل خدموا آلهة أخرى. الترجوم: «أنت لم تعطِ تلك الشعوب عقيدة شريعتك، ولم يُدعَ اسمك عليهم».
 ⪢