⪡ 1هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «السَّمَاوَاتُ كُرْسِيِّي، وَالأَرْضُ مَوْطِئُ قَدَمَيَّ. أَيْنَ الْبَيْتُ الَّذِي تَبْنُونَ لِي؟ وَأَيْنَ مَكَانُ رَاحَتِي؟ يتناول هذا الأصحاح نفس الموضوعات التي وردت في الأصحاح السابق: رفض اليهود غير المؤمنين، والالتفات إلى الذين آمنوا؛ وتحول هذا الشعب (اليهود) في الأيام الأخيرة؛ ودعوة الأمم، والحالة السعيدة للكنيسة في الأزمنة الأخيرة. وكانت أسباب رفض اليهود هي تصوراتهم غير اللائقة عن الله، كما لو كان محصوراً في هيكل أورشليم، وأنه يُسر بالذبائح الخارجية التي انتهى زمنها الآن تحت تدبير الإنجيل؛ إذ قُدمت ذبيحة أفضل وأُقيمت عبادة أكثر روحانية في كل مكان؛ وهذه التصورات جرى تفنيدها في (إش 66: 1). ولأنهم أصروا على طرقهم وأعمالهم ورفضوا إنجيل المسيح، فقد هُددوا بالخراب في (إش 66: 3). أما تلاميذ المسيح، الذين طردهم هؤلاء واضطهدوهم، فلهم وعد بظهور إلهي لأجلهم، بينما سيحل الانتقام بأعدائهم ومدينتهم وهيكلهم في (إش 66: 5). ومع ذلك، في الأيام الأخيرة، سيكون هناك تحول كبير ومفاجئ لهذه الأمة من اليهود، وهو ما يُرمز إليه بولادتهم، الأمر الذي سيكون مبعث فرح عظيم لكل المحبين الحقيقيين لمصالح المسيح في (إش 66: 7). ومما سيزيد من ازدهار وفرح وتعزية كنيسة المسيح في هذا الوقت هو دخول ملء الأمم في (إش 66: 12)؛ وعندها ستُصب جامات غضب الله على "المسيح الدجال" وأتباعه في (إش 66: 15). ويختتم الأصحاح بذكر جديد لعمليات تحول واسعة للبشر من جميع الأمم، واتحاد اليهود والأمم في حالة كنسية واحدة، تبقى طويلاً دون أن يزعجها الأعداء الذين سيُقتلون جميعاً وتُنظر جثثهم بازدراء في (إش 66: 18).
هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «السَّمَاوَاتُ كُرْسِيِّي،
السماء الثالثة، سماء السماوات، حيث الملائكة والقديسون المُمجدون، وبعضهم بأجسادهم كأخنوخ وإيليا، وحيث يوجد المسيح الآن بطبيعته البشرية؛ هذا هو مقر الجلال الإلهي، حيث يعرض مجده بأبهى صورة؛ ولذلك علينا أن نتطلع إلى فوق إلى الله في السماء، ونوجه كل عبادتنا إليه هناك، ولا نتخيل أنه يسكن في هياكل مصنوعة بأيادٍ؛ أو أنه محصور في أي مكان، فضلاً عن أي مكان على الأرض كهيكل أورشليم الذي افتخر به اليهود ووثقوا فيه؛ وهي التصورات غير اللائقة التي كانت لديهم عن الله في زمن المسيح ورسله؛ وتفنيداً لها قيلت هذه الكلمات هنا، ولأجل هذا الغرض اقتبسها "استفانوس" وطبقها في (أع 7: 48).
وَالأَرْضُ مَوْطِئُ قَدَمَيَّ.
التي يطأ عليها، وهي تحته، وخاضعة له، وتحت تصرفه؛ ولذلك فهو غير محدود بأي جزء منها، ولا محصور في أي مكان فيها؛ ومع أنه تنازل لفترة وجعل "الكروبيم" عرشه و"التابوت" موطئ قدميه في قدس الأقداس في الهيكل، إلا أن هذه كلها كانت رموزاً لأشياء أخرى وأفضل، ولذلك لم تعد تُستخدم.
أَيْنَ الْبَيْتُ الَّذِي تَبْنُونَ لِي؟
أي بيت يمكن أن يُبنى لكائن غير محدود كهذا؟ وكيف أن محاولة ذلك لا داعي لها فضلاً عن كونها بلا ثمر؟ أين يمكن العثور على مكان لبناء بيت فيه، بما أن السماء كرسيه والأرض موطئ قدميه؟ ولذلك، إذا وُجد أي مكان، فيجب أن يكون خارجاً عنهما معاً ويحتويهما كليهما؛ ولكن أي حيز يمكن تصوره ليسع مثل هذا العرش وموطئ القدم، فضلاً عمن يجلس عليهما؟ انظر (ملوك الأول 8: 27).
وَأَيْنَ مَكَانُ رَاحَتِي؟
ليأخذ الله فيه راحته وإقامته كما يفعل الإنسان في بيته؟ لا يمكن العثور على مثل هذا المكان له، ولا هو يحتاج إليه؛ في الواقع بُني الهيكل ليكون "بيت راحة" لتابوت الرب، الذي كان قبل ذلك ينتقل من مكان لآخر؛ ولكن هذا كان مجرد رمز للكنيسة التي اختارها الله لراحته وحيث سيسكن، كما هو رمز للسماء، مكان راحة شعبه معه إلى كل الأبدية؛ فلا يوجد مكان على الأرض هو مكان راحته أو راحتهم.
2وَكُلُّ هذِهِ صَنَعَتْهَا يَدِي، فَكَانَتْ كُلُّ هذِهِ، يَقُولُ الرَّبُّ. وَإِلَى هذَا أَنْظُرُ: إِلَى الْمِسْكِينِ وَالْمُنْسَحِقِ الرُّوحِ وَالْمُرْتَعِدِ مِنْ كَلاَمِي. وَكُلُّ هذِهِ صَنَعَتْهَا يَدِي،
السماوات والأرض اللتان هما كرسيه وموطئ قدميه؛ ولذلك، بما أنه خالق كل الأشياء، فلا بد أن يكون غير محدود، وحاضراً في كل مكان، ولا يمكن حصره في أي حيز أو مكان.
فَكَانَتْ كُلُّ هذِهِ، يَقُولُ الرَّبُّ.
أو "تكون"؛ أي هي كائنة ومستمرة وسوف تبقى، بكونها مسنودة باليد التي صنعتها؛ وماذا يمكن أن يصنع المخلوق بعد ذلك؟ أو أي بيت يُبنى لله؟ أو ما الحاجة لأي بيت؟
وَإِلَى هذَا أَنْظُرُ:
تقرأ النسختان السبعينية والعربية بصيغة الاستفهام: "وإلى من أنظر؟"، وكذلك النسخة السريانية التي تضيف: "وفيمن أسكن؟"؛ ليس في هياكل مصنوعة بأيادٍ، ولا في هيكل أورشليم، بل في "المسكن الحقيقي الذي نصبه الرب لا إنسان"؛ في المسيح، الهيكل الرمزي، الذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً، وفيه يسكن "يهوه الآب" شخصياً؛ انظر (عب 8: 2)؛ وكذلك في كل مؤمن حقيقي هو هيكل الله الحي، الموصوف لاحقاً؛ فهذه الكلمات قد تخص المسيح وأعضاءه معاً؛ فالأوصاف تنطبق عليه تماماً.
إِلَى الْمِسْكِينِ وَالْمُنْسَحِقِ الرُّوحِ وَالْمُرْتَعِدِ مِنْ كَلاَمِي.
كان المسيح مسكيناً حرفياً، وكانت حالته وظروفه في هذا العالم وضيعة جداً (كو 2 8: 9)، أو "مبتلى" كما ترجمها البعض، بكونه ابتُلي من الله ومن الناس ومن الشياطين؛ أو "متواضعاً"، وديعاً ومنخفض الجانب كما في السبعينية والترجوم؛ وقد نُبئ عنه بأنه سيكون "وضيعاً"، وظهرت هذه الصفة فيه بوفرة (زك 9: 9). وكان "منسحق" أو مكسور الروح، فلم يُكسر جسده فحسب، بل روحه أيضاً؛ ليس بسبب شعور بالخطيئة أو وعي بها، بل بسبب أحزانه وآلامه.
المسكين
أي كان لديه توقير لائق ومناسب لها؛ فبكلمة الرب اتخذ الطبيعة البشرية؛ وكما علمه أبوه وأعطاه وصية، هكذا تكلم؛ وبناءً على ذلك، بذل حياته وأطاع حتى الموت: والآن ينظر الرب "إليه"؛ ينظر إليه كابنه، بنظرة حب، وحتى في طبيعته البشرية، وهو مسرور بكل ما صنعه وعاناه فيها؛ نظر إليه كضامن لشعبه، لسداد ديونهم وحماية وسلامة أشخاصهم؛ وهو ينظر الآن إلى طاعته وبره اللذين سُر بهما ويحسبهما لشعبه، وإلى دمه وذبيحته وترضيته التي على أساسها يغفر خطاياهم، وإلى شخصه لقبول أشخاصهم؛ وينظر إليهم "فيه"، وله اعتبار ممتلئ بالنعمة نحوهم: كما يمكن وصفهم هم أيضاً بـ "المساكين"؛ مساكين بالروح، مساكين روحياً كما يرون أنفسهم ويقرون بذلك، ويطلبون من المسيح غنى النعمة والمجد الذي يبصرونه فيه ويتوقعونه منه؛ وهم "مبتلون ومتواضعون" على السواء.
المنسحق
إذ انكسرت قلوبهم القاسية بروح الله وكلمته، وذابت بحب الله ونعمته؛ وهكذا هم منسحقون، ليس بطريقة ناموسية مجردة، بل بطريقة إنجيلية.
المرتعد من كلمة الله
ليس من تهديدات الغضب فيها، أو بطريقة عبودية ذليلة؛ بل لديهم توقير مقدس لها، ويقبلونها لا ككلمة بشر، بل ككلمة الله: وإلى هؤلاء ينظر الرب؛ ينظر إلى هؤلاء المساكين ويطعمهم؛ وإلى هؤلاء المبتلين ويتعاطف معهم؛ وإلى هؤلاء المنسحقين ويُسر بذبائحهم، ويسكن معهم وبينهم؛ انظر (مز 51: 17).
غريغوريوس النيسي: يقول النبي بلسان الآب: "يدي صنعت كل هذه"، قاصداً بكلمة "اليد" في قوله الغامض: قوة الابن الوحيد. فالرسول يقول إن كل الأشياء هي من الآب وأن كل الأشياء هي بالابن، والروح النبوي يتفق بطريقة ما مع التعليم الرسولي، الذي هو نفسه مُعطى بالروح.
3مَنْ يَذْبَحُ ثَوْرًا فَهُوَ قَاتِلُ إِنْسَانٍ. مَنْ يَذْبَحُ شَاةً فَهُوَ نَاحِرُ كَلْبٍ. مَنْ يُصْعِدُ تَقْدِمَةً يُصْعِدُ دَمَ خِنْزِيرٍ. مَنْ أَحْرَقَ لُبَانًا فَهُوَ مُبَارِكٌ وَثَنًا. بَلْ هُمُ اخْتَارُوا طُرُقَهُمْ، وَبِمَكْرَهَاتِهِمْ سُرَّتْ أَنْفُسُهُمْ. مَنْ يَذْبَحُ ثَوْرًا فَهُوَ قَاتِلُ إِنْسَانٍ.
ليس المقصود مَن قتل ثور جاره، والذي وجب عليه التعويض عنه بحسب الناموس؛ أو مَن ذبح ثوراً للأكل، وهو أمر مشروع؛ بل مَن ذبحه وقدمه ذبيحة؛ ولا يُلام هنا لكون الثور أعمى أو أعرج أو به عيب يجعله غير صالح للذبيحة؛ أو لأنه لم يُقدم بطريقة صحيحة مع الشعور بالخطيئة والتوبة عنها والإيمان بالمسيح؛ بل لأن جميع الذبائح من هذا النوع قد أُبطلت الآن في عصر الإنجيل، الذي تنتمي إليه هذه النبوة؛ بعد أن قُدم المسيح الذبيحة العظمى؛ ولذلك فإن تقديم الذبائح -التي استمر اليهود غير المؤمنين في تقديمها يومياً حتى توقفت بدمار هيكلهم- كان إساءة عظيمة لله؛ وكان ذلك كريهاً عنده كتقديم أطفالهم لـ "مولك"؛ أو كقتل إنسان؛ وكان في الواقع دوساً لابن الله تحت الأقدام، واعتبار دمه وذبيحته كأنها لا شيء، وهو أمر يغضب الله بشدة.
مَنْ يَذْبَحُ شَاةً فَهُوَ نَاحِرُ كَلْبٍ.
سواء كانت الشاة للذبيحة اليومية، صباحاً ومساءً، أو خروف الفصح، أو أي ذبيحة أخرى؛ فهذا الآن ليس مقبولاً عند الله أكثر مما لو ذُبح كلب -وهو مخلوق نجس جداً- وقُطع رأسه وقُدم على المذبح؛ وهو أمر كان بغيضاً جداً للرب لدرجة أنه لم يجز إدخال ثمن الكلب إلى بيته (تثنية 23: 18).
مَنْ يُصْعِدُ تَقْدِمَةً يُصْعِدُ دَمَ خِنْزِيرٍ.
وهي تقدمة الدقيق الفاخر التي يُصب عليها زيت ويُوضع عليها لبان (لاويين 2: 1)؛ فمهما بلغت دقة تكوينها وتقديمها بحسب الناموس، فهي الآن ليست في اعتبار الله أكثر من الدم الذي حرمه ذات الناموس؛ بل ليست أكثر من دم الخنزير، وهو حيوان نجس بحسب الناموس الطقسي، ولا يجوز أكله، فضلاً عن تقديمه، وأقل من ذلك تقديم دمه (لاويين 11: 7).
مَنْ أَحْرَقَ لُبَانًا فَهُوَ مُبَارِكٌ وَثَنًا.
أو مَن "يذكر اللبان"؛ أي مَن يقدمه تذكاراً للمراحم وشكراً عليها، فكأنه يقدم الشكر لوثن، وهو لا شيء وباطل وباطل الأباطيل في العالم؛ فالذبائح من هذا النوع، مهما كانت، لا تُعد إلا وثنية وعبادة إرادية.
بَلْ هُمُ اخْتَارُوا طُرُقَهُمْ،
التي كانت شريرة ومعاكسة لطرق الله، وخاصة طريق الخلاص بالمسيح؛ فقد أعاروا انتباهم لتقاليد الشيوخ؛ واستمروا في خدمة الناموس الطقسي؛ وأقاموا برهم الذاتي في مواجهة عقائد المسيح ووصاياه وذبيحته وبره.
وَبِمَكْرَهَاتِهِمْ سُرَّتْ أَنْفُسُهُمْ.
أي الأمور التي كانت مكروهة عند الله؛ كتقاليدهم التي فضلوها على كلمة الله وأبطلوا الكلمة بها؛ وذبائحهم التي قُدمت خلافاً لمشيئته وبنية شريرة؛ وبرهم الذي كان ناقصاً ووثقوا فيه، مع إهمال واحتقار بر ابنه.
أثناسيوس الرسولي: إنه غاضب منهم، قائلاً بلسان إشعياء: "مَن طلب هذا من أيديكم؟". وبلسان إرميا، وبما أنهم كانوا جسورين جداً، فهو يهدد: "ضموا محرقاتكم إلى ذبائحكم وكلوا لحماً، لأني لم أكلم آباءكم ولا أوصيتهم يوم أخرجتهم من أرض مصر من جهة محرقة وذبيحة". لأنهم لم يفعلوا ما هو حق، ولم تكن حماستهم بحسب الناموس، بل طلبوا لذة أنفسهم في تلك الأيام، كما يتهمهم النبي، إذ سخروا خدمهم واجتمعوا للخصام والنزاع، وضربوا المسكين بلكمة وظلم، وفعلوا كل الأشياء التي تميل لإرضاء ذواتهم. لهذا السبب، هم يستمرون بلا عيد حتى النهاية، رغم تظاهرهم الآن بأكل اللحم في غير موضعه وفي غير أوانه. فبدلاً من الحمل المعين قانوناً، تعلموا أن يذبحوا للبعل؛ وبدلاً من الفطير الحقيقي، "الأبناء يلتقطون حطباً، والآباء يوقدون النار، والنساء يعجن العجين ليصنعن كعكاً لملكة السماء ويسكبن سكائب لآلهة أخرى لكي يغيظوني، يقول الرب". . . لذلك الآن، "مَن يذبح ثوراً فهو كضارب إنسان، مَن يذبح شاة فهو كقاطع عنق كلب، مَن يصعد تقدمة دقيق فهو كمن يقدم دم خنزير. . . ". إن هذه الأشياء لن ترضي الله أبداً، ولم تطلبها "الكلمة" منهم. بل يقول: "هؤلاء اختاروا طرقهم، وبأرجاسهم تسر نفوسهم".
4فَأَنَا أَيْضًا أَخْتَارُ مَصَائِبَهُمْ، وَمَخَاوِفَهُمْ أَجْلِبُهَا عَلَيْهِمْ. مِنْ أَجْلِ أَنِّي دَعَوْتُ فَلَمْ يَكُنْ مُجِيبٌ. تَكَلَّمْتُ فَلَمْ يَسْمَعُوا. بَلْ عَمِلُوا الْقَبِيحَ فِي عَيْنَيَّ، وَاخْتَارُوا مَا لَمْ أُسَرَّ بِهِ». فَأَنَا أَيْضًا أَخْتَارُ مَصَائِبَهُمْ،
(أوهامهم)... أي أتركهم يستحسنون ويختارون أولئك الأشخاص الذين يضللونهم ويخدعونهم؛ كالكتبة والفريسيين الذين كانوا ذئاباً في ثياب حملان، وخدعوا الكثيرين بمظهر تقواهم، وأكلوا بيوت الأرامل بصلواتهم الطويلة؛ وكما خُدعوا بهؤلاء الأنبياء الكذبة، خُدعوا كذلك بمسحاء كذبة، ظهر الكثير منهم بعد مجيء المسيا الحقيقي ورفضهم له، فقبلوهم فضللوهم وأوردوهم موارد الهلاك (متى 7: 15).
وَمَخَاوِفَهُمْ أَجْلِبُهَا عَلَيْهِمْ.
الأشياء التي كانوا يخشونها؛ كالسيف والمجاعة والوباء؛ وبخاصة الرومان الذين كانوا يخشون أن يأتوا ويأخذوا موضعهم وأمتهم (يوحنا 11: 48).
مِنْ أَجْلِ أَنِّي دَعَوْتُ فَلَمْ يَكُنْ مُجِيبٌ. تَكَلَّمْتُ فَلَمْ يَسْمَعُوا.
أي حين دعا المسيح اليهود في الخدمة الخارجية للكلمة ليأتوا ويسمعوه، رفضوا المجيء، ولم يسمحوا للآخرين بالاستجابة لهذه الدعوة وسماعه وحضور خدمته؛ وكان رفضهم له ولإنجيله هو سبب دمارهم.
بَلْ عَمِلُوا الْقَبِيحَ فِي عَيْنَيَّ،
علانية وجهراً وأمام وجهه؛ جدفوا وناقضوا كلمته واحتقروا وصاياه؛
وَاخْتَارُوا مَا لَمْ أُسَرَّ بِهِ».
شريعتهم الشفوية، وذبائحهم الناموسية، وبرهم الذاتي، فضلاً عن انحلالهم الأخلاقي.
5اِسْمَعُوا كَلاَمَ الرَّبِّ أَيُّهَا الْمُرْتَعِدُونَ مِنْ كَلاَمِهِ: «قَالَ إِخْوَتُكُمُ الَّذِينَ أَبْغَضُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ مِنْ أَجْلِ اسْمِي: لِيَتَمَجَّدِ الرَّبُّ. فَيَظْهَرُ لِفَرَحِكُمْ، وَأَمَّا هُمْ فَيَخْزَوْنَ. اِسْمَعُوا كَلاَمَ الرَّبِّ أَيُّهَا الْمُرْتَعِدُونَ مِنْ كَلاَمِهِ:
يقال هذا لتعزية اليهود المؤمنين الموصوفين هكذا؛ انظر التعليق على (إش 66: 2).
«قَالَ إِخْوَتُكُمُ الَّذِينَ أَبْغَضُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ مِنْ أَجْلِ اسْمِي:
وهم اليهود غير المؤمنين، الفريسيون؛ وهكذا يفسرها "راشي" بأنهم أبناء الفريسيين الذين يقولون: "ابتعدوا أيها النجسون"؛ والذين كانوا إخوة للذين آمنوا بالمسيح بالدم والميلاد والوطن، ومع ذلك أبغضوهم بلا سبب؛ كما أبغضوا المسيح الذي آمن به هؤلاء؛ وطردوهم من عواطفهم وصحبتهم وحديثهم؛ ومن بيوتهم ومن المجامع؛ وعزلوهم (حرموهم) من الشركة معهم، وذلك لأجل إيمانهم بالمسيح واعترافهم باسمه؛ إذ سنوا قانوناً يقضي بأن كل من يعترف به يُخرج من المجمع أو يُحرم؛ والكلمة المستخدمة هنا تشير إلى نوع من الحرمان عند اليهود يُدعى "ندوي"؛ انظر (يوحنا 15: 19). هؤلاء قالوا:
لِيَتَمَجَّدِ الرَّبُّ.
أي أنهم تظاهروا من خلال كل هذا البغض والنفور من إخوتهم المؤمنين بالمسيح وباضطهادهم لهم، بأن كل رغبتهم وقصدهم هو مجد الله، متخيلين أنهم بصنيعهم هذا يقدمون خدمة لله؛ انظر (يوحنا 16: 2). ويعتقد الرابي موسى الكاهن أن المعنى هو أن هؤلاء غير المؤمنين اشتكوا كما لو كان الرب "ثقيلاً" عليهم، وفرض عليهم وصايا وأوامر مرهقة لا يقدرون على أدائها؛ ويقول إن الكلمة بهذا التصريف تأتي دائماً بهذا المعنى؛ لكن "ابن عزرا" يلاحظ أنه نسي المقطع في (أيوب 14: 21) حيث تُستخدم بمعنى الكرامة والمجد. وهذا المعنى لاحظه "كيمحي" أيضاً؛ لكنه لا يبدو معنى المقطع؛ ولو كان كذلك، لكان ادعاءً كاذباً من أولئك غير المؤمنين؛ لأن "نير المسيح هين وحمله خفيف" (متى 11: 30)؛ انظر (يوحنا 6: 60).
فَيَظْهَرُ لِفَرَحِكُمْ، وَأَمَّا هُمْ فَيَخْزَوْنَ.
أي يظهر الرب، إما بطريقة عنايتيه كما فعل للمسيحيين في أورشليم قبل دمارها؛ حين وجههم للخروج منها إلى مكان يُدعى "بيلا"، حيث كانوا في أمان وتوفرت لهم الخيرات؛ بينما حُصر اليهود غير المؤمنين بإحكام ووُضعوا في أضيق الظروف والمآسي، ومن ثم في الخزي والارتباك؛ أو قد يخص هذا المجيء الثاني، الظهور المجيد للمسيح، الذي سيكون لفرح هؤلاء اليهود المؤمنين وكل شعبه؛ بكونه سيظهر لخلاصهم، وسيظهرون معه في المجد ويرونه كما هو (عبرانيين 9: 28)؛ ولخزي وارتباك وهلاك أولئك الذين طعنوه واحتقروه ورفضوه واضطهدوا شعبه (رؤيا 1: 7).
6صَوْتُ ضَجِيجٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، صَوْتٌ مِنَ الْهَيْكَلِ، صَوْتُ الرَّبِّ مُجَازِيًا أَعْدَاءَهُ. صَوْتُ ضَجِيجٍ مِنَ الْمَدِينَةِ،
من مدينة أورشليم، كما يذكر الترجوم؛ وكذا "كيمحي" الذي يقول إنه في أيام المسيا سيخرج من أورشليم صوت ضجيج يخص جوج وماجوج؛ وهذا بالفعل يخص أيام المسيا، لكن تلك التي مضت الآن، وصوت صراخ في مدينة أورشليم عند الاستيلاء عليها وتدميرها من قبل الرومان؛ حين سُمعت منها أصوات ضجيج الجنود الرومان وهم يبتهجون ويحتفلون بذلك، وصرخات السكان وهم يهرعون من مكان لآخر طلباً للمأوى؛ وهكذا عندما يحل الدمار والخراب بمكان ما، يُقال إن صوتاً أو صراخاً يأتي منه؛ انظر (إرميا 48: 3).
صَوْتٌ مِنَ الْهَيْكَلِ،
إما من السماء كما يقول "ابن عزرا"؛ أو بالأحرى من الهيكل في أورشليم، صوت الكهنة هناك وقد مُنعوا من أداء خدمتهم ويتضورون جوعاً لنقص القوت؛ أو صوت الناس الذين لجأوا إلى هناك طلباً للأمن فأخرجهم الجنود قسراً؛ وبشكل أخص سُمع صوت صراخ وعويل حين أُضرمت فيه النار. ويوضح البعض هذا بما سمعه الكهنة في الهيكل قبيل دماره بقليل؛ حفيف وضجيج كأشخاص ينتقلون ويتحركون، وصوت في قدس الأقداس يقول: "لنذهب من هنا"؛ وكذلك كلمات يسوع بن حنانيا، وهو رجل ريفي، طاف منادياً بهذه الكلمات:
"صوت من الشرق، صوت من الغرب، صوت من الرياح الأربع، صوت ضد أورشليم وضد الهيكل، صوت ضد العرسان والعرائس، صوت ضد كل الشعب".
فعل هذا قبل بدء الحرب، ولم يمكن إقناعه بالكف عن ذلك، بل استمر فيه لاحقاً؛ صاعداً على أسوار المدينة ومنادياً:
"ويل، ويل للمدينة، وللهيكل، وللشعب، وويل لنفسي أيضاً"؛
وبينما كان ينطق بالكلمات الأخيرة، قتله حجر قُذف من منجنيق روماني، كما يروي "يوسيفوس".
صَوْتُ الرَّبِّ مُجَازِيًا أَعْدَاءَهُ.
لأن صوت الرب كان في كل هذا، ويده في دمار أولئك القوم؛ فقد كان ذلك وفقاً لتعيينه وتوجيهه وأمره، في حكم عادل على خطاياهم، لكونهم أعداءه الألداء الذين لم يريدوا أن يملك هو عليهم (لوقا 19: 14).
7قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا الطَّلْقُ وَلَدَتْ. قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهَا الْمَخَاضُ وَلَدَتْ ذَكَرًا. قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا الطَّلْقُ وَلَدَتْ.
أي صهيون، كما يتضح من الآية التالية؛ ولئلا يُظن أن مصالح المسيح ستُبتلع وتضيع في دمار اليهود، قيل هذا وما يتبعه بخصوص تحول الكثيرين من ذلك الشعب، سواء في العصور الأولى للإنجيل أو في الأيام الأخيرة، وكذلك بخصوص دعوة الأمم واتحادهما معاً في حالة كنسية واحدة. تُشبَّه صهيون، أو كنيسة الله، هنا بامرأة حامل تلد فجأة وبسهولة، دون الشعور بأي ألم، أو المرور بمخاض، أو آلام الوضع؛ أو على الأقل تشعر بألم ومخاض يسير جداً، وتزول تلك الآلام بمجرد مجيئها، ويعقب ذلك ولادة فورية.
قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهَا الْمَخَاضُ وَلَدَتْ ذَكَرًا.
كأنه امرأة لا تكاد تشعر بأي ألم؛ فبمجرد أن تحس بأدنى انزعاج من هذا النوع، تلد ابناً، ليكون فرحاً عظيماً لها ولكل من حولها. ولا يُفهم هذا عن التحرر المفاجئ والسهل لليهود من السبي البابلي بموجب نداء كورش، والذي سبب فرحاً عظيماً؛ وأقل من ذلك يُفهم عن ميلاد المسيح من العذراء مريم في الخان والمذود، وهو رأي بعض المفسرين؛ بل الأفضل ما ذهب إليه بعض الكتاب اليهود في تفسيرها عن ميلاد المسيح وظهوره قبل أن تأتي المتاعب على أمتهم؛ وهكذا يقول "الترجوم":
"قبل أن يأتيها الضيق ستُفدى؛ وقبل أن يأتي عليها الارتعاد سيُعلن ملكها"؛
أي الملك المسيا؛ وهكذا وُجد في بعض النسخ وفقاً لـ "غالاتينوس" ؛ الذي ذكر أيضاً تفسيراً آخر لهذا المقطع للرابي موسى هدرشان -إذا كان يمكن الاعتماد عليه:
"قبل أن يُولد ذاك الذي سيأخذ إسرائيل إلى السبي الأخير، سيُولد الفادي"؛
أي، كما يوضح، قبل ميلاد "تيطس" الذي دمر الهيكل ومدينة أورشليم، يجب أن يُولد المسيا؛ لكن المقطع لا يشير إلى ميلاده الطبيعي السرائري، أو تجديد نسل روحي في كنيسته؛ أو عن تحول المسيحيين الأوائل في يهوذا وفي العالم الأممي؛ الذين كانوا كـ "ذكر"، أقوياء وأشداء، قادرين على الاحتمال واحتملوا بالفعل مشقات عظيمة لأجل المسيح، وقدموا له عملاً وخدمة جليلة ثبتوا فيها إلى النهاية؛ انظر (غلاطية 4: 26)، كما فعل المسيحيون الأوائل عبر اضطهادات متنوعة حتى زمن "قسطنطين".
الزوهار (فنحاس: 701) ومدراش رباه للاويين (14: 9)
[في هذا العالم، تلد المرأة بالتعب والألم كعقوبة تاريخية (تكوين 3: 16)، أما في المستقبل الآتي فيتغير هذا الناموس؛ لقوله: "قبل أن يأخذها الطلق ولدت، قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكراً" (إشعياء 66: 7).
سر هذه الولادة الإعجازية مرتبط بالاستجابة الإلهية الفورية: "قبلما يدعون، أنا أجيب" (إشعياء 65: 24)، حيث يتجلى المسيحان في العالم ويحل مجد الرب في الهيكل.]
مدراش رباه للتكوين (85: 1)
[استفتح الرابي صموئيل بن نحمان ببيان التدبير الإلهي الخفي؛ فبينما كانت الأسباط منشغلة ببيع يوسف، ويعقوب منتحباً، ويهوذا منشغلاً بشؤونه الخاصة، كان القدوس تبارك اسمه منشغلاً بـ "خلق نور المسيح". وهكذا، "قبل أن يأخذها الطلق ولدت"؛ أي قبل أن يُولد المستعبِد الأول لإسرائيل (فرعون)، كان الرب قد أعدَّ في علمه المخلص الأخير لها.]
8مَنْ سَمِعَ مِثْلَ هذَا؟ مَنْ رَأَى مِثْلَ هذِهِ؟ هَلْ تَمْخَضُ بِلاَدٌ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ تُولَدُ أُمَّةٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً؟ فَقَدْ مَخَضَتْ صِهْيَوْنُ، بَلْ وَلَدَتْ بَنِيهَا! مَنْ سَمِعَ مِثْلَ هذَا؟ مَنْ رَأَى مِثْلَ هذِهِ؟
أي مثل حالات التحول العديدة التي ستُذكر لاحقاً؛ مشيراً إلى أنها كانت عجيبة ومدهشة، ولم يُسمع بها، ولم يُرَ مثيلها في العالم من قبل، وكانت مذهلة للكنيسة نفسها؛ انظر (إشعياء 49: 21).
هَلْ تَمْخَضُ بِلاَدٌ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ،
كأنه قيل إن الأمر المزمع ذكره هو أمر عجيب كما لو أن جميع نساء العالم ولدن أطفالهن في يوم واحد، أو ولدن عدداً يملأ الأرض كلها دفعة واحدة؛ أو هو مدهش كما لو أن الأرض أخرجت كل أعشابها ونباتاتها وأشجارها دفعة واحدة كما حدث في اليوم الثالث من الخليقة (تكوين 1: 11)، بينما هي الآن تنبت تدريجياً، بعضها في شهر وبعضها في آخر، وبعضها يستغرق شهوراً في إنتاجه.
أَوْ تُولَدُ أُمَّةٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً؟
هل سُمع بمثل هذا قط؟ ومع ذلك سيكون هذا هو حال اليهود في الأيام الأخيرة، عندما يتحولون جميعاً ويخلصون؛ وسيتم ذلك فجأة ودفعة واحدة؛ انظر (هوشع 1: 10)، والذي كان تحولهم في عصور الإنجيل الأولى عربوناً وضماناً له، حين تبكت وتحول وتجدد ثلاثة آلاف في يوم واحد تحت عظة واحدة؛ وفي وقت آخر تحت الكلمة، ألفان، بل ربما خمسة آلاف: وهكذا كان للمسيح:
فَقَدْ مَخَضَتْ صِهْيَوْنُ، بَلْ وَلَدَتْ بَنِيهَا!
في أول بزوغ لفجر يوم الإنجيل، "ندى حداثته"، أو أعداد من النفوس المولودة له ثانية، كقطرات ندى الصباح؛ انظر (أعمال 2: 41).
وهذا يوضح أن الآية السابقة يجب أن تُفهم على وجود بعض المخاض والألم، وإن كان قليلاً نسبياً وينتهي بسرعة لدرجة كأنه لم يكن؛ ويُفهم هذا عن الآلام التي يتكبدها خدام الإنجيل في الكرازة بالكلمة، التي هي وسيلة التجديد، وهم أدواتها؛ ولذلك يُدعون آباءً، يلدون نفوساً للمسيح من خلال الإنجيل؛ وعن قلقهم الشديد لأجل تحول الخطاة وتصوّر المسيح فيهم، وهو ما يُسمى "مخاض الولادة"؛ انظر (بطرس الأولى 1: 23، رومية 8: 22)؛ وقد يشير أيضاً إلى صلوات الكنيسة وأعضائها الحارة، ومجاهدتهم ومصارعتهم مع الله، ملحين عليه لكي تكون الكلمة المكرزة نافعة لخير النفوس؛ وبخاصة صلواتهم الحارة والملتهبة لأجل تحول اليهود، وهو ما سيتحقق قريباً عندما يُسكب روح النعمة والتضرعات ليس عليهم فقط، بل على القديسين عموماً للصلاة بحرارة لأجل ذلك.
9هَلْ أَنَا أُمْخِضُ وَلاَ أُوَلِّدُ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَوْ أَنَا الْمُوَلِّدُ هَلْ أُغْلِقُ الرَّحِمَ، قَالَ إِلهُكِ؟ هَلْ أَنَا أُمْخِضُ وَلاَ أُوَلِّدُ، يَقُولُ الرَّبُّ،
أو "إلى مكان خروج" الأطفال، كما في (هوشع 13: 13)، أي الرحم وفوهته؛ أو "هل أكسر أو أفتح" ذلك، كما ترجمها البعض؛ ولئلا يُنسب الكثير أو ما يبدو كثيراً للكنيسة بكون قيل إنها "تمخض وتلد بنين"، قال الرب هذا. فالكنيسة قد تصلي، وخدامها قد يكرزون، ويُقال عن كليهما إنهما في مخاض، ولكن الرب هو الذي يورد إليه؛ فالتجديد ليس عمل إنسان بل عمل الله؛ هو الذي يلد ثانية، ويحيي، ويجدد، ويقدس؛ هو الذي يبدأ عمل النعمة في التجديد، في التبكيت الحقيقي والشامل على الخطيئة؛ والذي يكون صحيحاً عندما يقتنع البشر بنجاسة طبيعتهم، وبشاعة الخطيئة، ويكون لديهم حزن إلهي عليها ويتركونها: يبدأ العمل عندما تشعر النفوس بثقل الخطيئة؛ وبالصراع الداخلي بين النعمة والفساد؛ وبالحاجة إلى الطعام الروحي والجوع إليه؛ وبالرغبة في الأمور الروحية والحب المتوقد لها؛ وحين يُفاض النور، ويُنتج الإيمان والخوف والمحبة، وتُغرس كل نعمة أخرى؛ وذاك الذي بدأ العمل الصالح سيكمله؛ كما يعطي "راشي" المعنى الصحيح لهذه العبارة:
"هل أبدأ أمراً ولا أقدر على إتمامه؟"
كلا، فهو صخر وعمله كامل، كما في الخلق والفداء، كذلك في التجديد والتحول؛ كما يمكن الاستنتاج من قدرته على إتمامه، ووعده بفعله؛ ونعمة المسيح وسكنى الروح؛ وعجز كل شيء عن إعاقته، ومجد الأقانيم الإلهية الثلاثة المشتركة فيه. وكما في الولادة الطبيعية هو الذي يعطي القوة على الحبل، ويصور الجنين في الرحم، وينضجه للولادة، ويخرج الطفل من رحم أمه؛ كذلك يفعل كل ما يناظر ذلك في الولادة الروحية.
أَوْ أَنَا الْمُوَلِّدُ هَلْ أُغْلِقُ الرَّحِمَ، قَالَ إِلهُكِ؟
كلا، لن أفعل. فكما جدد الله نفوساً كثيرة في العصور الأولى للإنجيل، وكثيرين غيرهم منذ ذلك الحين في أمم شتى وفي كل عصر وفترة زمنية؛ فإنه لم يكف ولن يكف عن هذا العمل حتى يولد كل مختاريه ثانية؛ فكل من اختاره الآب، وأُعطي للابن، ودخل في العهد، وافتُدي بدمه، سيُولد ثانية لرجاء حي بميراث مجيد؛ ولن يغلق الله رحم التحول حتى يأتي جميعهم إلى الإيمان بالمسيح والتوبة نحو الله. سيلد بنين وبنات كثيرين آخرين؛ وسيجعل ملء الأمم يُولد ويدخل، ويحول شعبه القديم من اليهود؛ فكل وعوده ستتحقق، وكل النبوات المتعلقة بهذه الأمور ستُنجز.
10افْرَحُوا مَعَ أُورُشَلِيمَ وَابْتَهِجُوا مَعَهَا، يَا جَمِيعَ مُحِبِّيهَا. اِفْرَحُوا مَعَهَا فَرَحًا، يَا جَمِيعَ النَّائِحِينَ عَلَيْهَا، افْرَحُوا مَعَ أُورُشَلِيمَ وَابْتَهِجُوا مَعَهَا،
أي الكنيسة؛ بكونها تلد الكثير من الأبناء الروحيين للمسيح؛ فكما أن المرأة حين تلد طفلاً يُهنئها أصدقاؤها وجيرانها ويفرحون معها لأجل ذلك؛ كما فعل جيران وأقرباء أليصابات عند ولادة يوحنا المعمدان (لو 1: 57)، هكذا دُعي أصدقاء الكنيسة هنا ليفرحوا معها بالولادة الغزيرة وتحول النفوس فيها، إذ لا شيء أكثر مدعاة لفرح القديسين من هذا؛ انظر (لو 15: 6).
يَا جَمِيعَ مُحِبِّيهَا.
يا من تتمنون لها الخير وتصلون لأجل سلامها وازدهارها؛ فكل من يحب الله يحب كنيسته، مسكن بيته، الموضع الذي يحل فيه مجده؛ وكل من يحب المسيح يحبها هي التي هي عروسه وزوجته والمشتراة بدمه؛ وكل من يحب الكلمة والوصايا يحب الكنيسة حيث تُمارس فيها.
اِفْرَحُوا مَعَهَا فَرَحًا، يَا جَمِيعَ النَّائِحِينَ عَلَيْهَا،
يا من نحتم عليها حين ساءت أحوالها؛ هؤلاء هم النائحون في صهيون ولأجل صهيون، بسبب خطايا المعترفين بها؛ والفساد في العقيدة والنظام والعبادة؛ والفتور في النعمة؛ ونقص المحبة لبعضهم البعض، وقلة حالات التحول: ولكن بما أن الأحوال قد انعكست الآن وصارت تسير على خير ما يرام، فقد دُعوا ليبتهجوا معها جداً؛ فمثل هذه هي روح التعاطف لدى القديسين، أن يفرحوا مع الفرحين ويبكوا مع الباكين (رو 12: 15).
بسيكتا دي راب كهانا (مُلحقات – 5)
[في قوله: "لأنهم يبصرون عيناً لعين عند رجوع الرب إلى صهيون" (إشعياء 52: 8)؛ أشار النص إلى حالة الترقب المشترك؛ فإسرائيل تشتهي رجوع الرب ليفرح بتوراته، والقدوس تبارك اسمه يترقب موعد رجوعه لبيته ليُفرِح كنيسة إسرائيل.
ويحدث هذا الجلاء حين يقتص الرب من "آدوم الشرير"؛ عندها ترفع إسرائيل شكواها عما كابدته من تخريب المقدسات وقتل الحكماء والاستعباد، معلنةً عطشها الشديد لذلك اليوم؛ كقوله: "عطشت نفسي إلى الله، إلى الإله الحي" (مزمور 42: 2).]
11لِكَيْ تَرْضَعُوا وَتَشْبَعُوا مِنْ ثَدْيِ تَعْزِيَاتِهَا، لِكَيْ تَعْصِرُوا وَتَتَلَذَّذُوا مِنْ دِرَّةِ مَجْدِهَا». لِكَيْ تَرْضَعُوا وَتَشْبَعُوا مِنْ ثَدْيِ تَعْزِيَاتِهَا،
يعبر هذا، وفقاً لنسختنا، عن الغاية من دعوة أصدقاء الكنيسة للاجتماع والفرح معها، لكي يشاركوا في أفراحها وتعزياتها ومسراتها ولذاتها: ولكن الكلمات قد تُترجم بشكل أفضل، إما وفقاً لمعنى "كيمحي": "لذلك سترضعون" إلخ؛ لأنكم نحتم عليها ولأنكم فرحتم معها؛ أو بالأحرى كما يرى "نولديوس" : "بسبب أنكم ترضعون" إلخ؛ أي تشاركون في امتيازاتها ووصاياها، وبذلك يعطي سبباً لِمَ ينبغي أن يفرحوا معها. وكما يلاحظ "راشي"، فإن "ثدي" (بصيغة المفرد في الأصل) تُوضع مقام "ثديين"؛ فبما أن الكنيسة مُمثلة هنا بامرأة، وامرأة مُرضعة، فلها ثديان ممتلئان بحليب التعزية؛ فعبارة "ثدي تعزياتها" هي ذاتها "ثديا تعزيتها"؛ انظر (نش 4: 5)، وهذان الثديان هما إما المسيح وروحه. فالمسيح هو ثدي ملآن بالتعزية لشعبه، في عظمة شخصه وغنى نعمته؛ وفي دمه الكريم، وبره الكامل، وذبيحته الكفارية، وخلاصه العظيم؛ فإذا كانت هناك أي تعزية فهي فيه وتفيض به. والروح القدس هو ثدي آخر للتعزية، ومُعزٍّ آخر، بمنحه معرفة عطايا نعمة الله المجانية؛ وبإظهاره أمور المسيح؛ وبفتحه وتطبيقه لوعود الإنجيل الثمينة؛ وبسكبه محبة الله في القلب؛ وبشهادته للقديسين بتبنيهم، وختمهم إلى يوم الفداء. أو هما العهد وبركاته ووعوده: فالعهد ثدي ملآن بالتعزية، يفيض بالكثير في الحياة وعند الموت؛ وبركاته هي مراحم صادقة، بل هي بركات روحية حقاً، ومن له نصيب فيها فلديه الكفاية، لديه كل شيء؛ ووعوده عظيمة وثمينة وصادقة وغير مشروطة، وتمنح تعزية قوية لورثتها. أو هما الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، واللذان يشبهان تماماً الثديين المتماثلين؛ يتفقان في شخص المسيح ووظائفه، وفي كل عقائد النعمة، وهما مليئان بلبن الكلمة الخالص وبالتعزية الروحية. أو هما فريضتا المعمودية وعشاء الرب؛ اللتان تتفقان مع بعضهما؛ وتصدران عن نفس المؤلف؛ وتتعلقان بذات الأمور: آلام وموت المسيح؛ ويشترك فيهما ذات الأشخاص: فالمعمودية تقود إلى دم المسيح للتطهير والغفران؛ وإلى دفن المسيح الذي تمثله، ليرى المرء هناك كل الخطايا مدفونة معه؛ وإلى قيامة المسيح للتبرير، وبذلك هي وسيلة لتعزية روحية كبيرة؛ كما كانت للخصي الذي مضى من هناك في طريقه فرحاً: وعشاء الرب هو ثدي آخر للتعزية، فهو وليمة سمينة؛ يمثل جسد المسيح المكسور ودمه المسفوك، الذي جسده مأكل حق ودمه مشرب حق، وبذلك هو وسيلة للقوت والتعزية الروحية. هذه الثديان يجب أن "تُرضع"؛ أي يجب وضع فم الإيمان عليهما؛ ويجب الالتجاء للمسيح لنيل إمدادات جديدة من النعمة والتعزية؛ ويجب التمسك بالعهد ووعوده، وعصر كل الصلاح الموجود فيهما واستخراجه؛ ويجب قراءة الكتب المقدسة والبحث فيها بجد، وحضور الوصايا بتكرار، واستخدام الصلاة الحارة بلا انقطاع وبلا كفّ حتى تُعطى البركة؛ ومن يفعل ذلك "يشبع" عاجلاً أو آجلاً ويمتلئ إلى التمام. فما أشد إشباع المسيح ونعمته! وعهد النعمة وبركاته ووعوده! وعقيدة الإنجيل ووصاياه! هذه هي جودة بيت الله التي يشبع بها شعبه، كما من دسم وشحم (مز 36: 8).
لِكَيْ تَعْصِرُوا
أو "لأجل" أو "لأنكم تعصرون"، "قد" أو "سوف تعصرون"؛ أي تضغطون بِيَد الإيمان على ثديي التعزية المذكورين أعلاه، وتستخرجون منهما كل التعزية المخزونة فيهما: وبذلك:
وَتَتَلَذَّذُوا مِنْ دِرَّةِ مَجْدِهَا».
أو بـ "بهائه"؛ فالمسيح هو مجد كنيسته؛ وحضوره معها، ونعمته وبره الممنوحان لها، هما ما يعطيانها كثرة المجد؛ وهو الذي به تفتخر: وروح الله، كروح المجد، يستقر عليها، ونعمته تجعلها "كلها مجد من الداخل"؛ ومجدها يكمن في كونها صاحبة نصيب في عهد النعمة ووعوده وبركاته، وفي امتلاكها الكلمة والوصايا؛ فثدياها هما مجدها، وسيكون لها كثرة منه في الأيام الأخيرة؛ انظر (إش 66: 12)، وكل هذا "يلذ" جداً لمحبي صهيون وأصدقائها؛ فرؤية المسيح وملئه، والنظر إلى الله كإله عهدهم، أمور لذيذة للغاية؛ وعقائد الإنجيل كلمات ممتعة، وطرق المسيح أو وصاياه هي طرق لذة؛ وبخاصة الكنيسة في الأيام الأخيرة، بتمتعها بكل هذه الأمور إلى التمام وحلول مجد الله عليها، ستكون منظراً لذيذاً للغاية.
12لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «هأَنَذَا أُدِيرُ عَلَيْهَا سَلاَمًا كَنَهْرٍ، وَمَجْدَ الأُمَمِ كَسَيْل جَارِفٍ، فَتَرْضَعُونَ، وَعَلَى الأَيْدِي تُحْمَلُونَ وَعَلَى الرُّكْبَتَيْنِ تُدَلَّلُونَ. لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «هأَنَذَا أُدِيرُ عَلَيْهَا سَلاَمًا كَنَهْرٍ،
كنهر الفرات كما يذكر الترجوم؛ أو كنهر النيل الذي غمر مصر وجعلها مثمرة؛ أو كأي نهر جارٍ، ضخم ومتسع، يستمر في التدفق ويجلب البركات حيثما حل؛ وبذلك يشير إلى وفرة هذا السلام وديمومته وآثاره المباركة. وهذا لا يخص العصور الأولى للإنجيل؛ لأنه رغم مجيء المسيح صانع السلام وصنعه السلام بدمه وذهابه ليكرز بالسلام لليهود والأمم، وتمتع الكثيرين بسلام روحي في الإيمان نابع من دمه وبره، إلا أنه كان هناك القليل جداً من السلام الخارجي لكنائس المسيح، وحتى إن وجد في أي وقت فإنه لم يدم طويلاً: ولكن في الأيام الأخيرة، لن يمتد السلام الروحي الذي يفوق كل عقل والفرح الذي لا يُنطق به والمجيد إلى القديسين فحسب، بل سيمتد إليهم سلام خارجي بوفرة كبيرة وديمومة مستمرة، مع كل نوع من الازدهار الزمني والروحي (مز 72: 7).
وَمَجْدَ الأُمَمِ كَسَيْل جَارِفٍ،
كنهر النيل حين يفيض؛ ويعني إما الأعداد الغفيرة من المتحولين من بين الأمم الذين سيتدفقون إلى الكنيسة، وبخاصة الكثير من عظمائهم، الأمراء والنبلاء وحتى الملوك والملكات، الذين سيكونون "آباءً مربين وأمهات مرضعات" لها؛ انظر (إش 60: 3)، أو غناهم، وهو الكرامة والمجد الذي سيجلبونه معهم إلى الكنيسة بوفرة كبيرة، وسينفقونه ببهجة وحرية في خدمة الله وعبادته (إش 60: 6)، وهكذا يفسرها "كيمحي" بثرائهم وممتلكاتهم:
فَتَرْضَعُونَ،
لبن الأمم، وأثداء ملوك؛ أي تشاركون في خيراتهم (إش 60: 16) أو أثداء تعزية الكنيسة، لبن الكلمة والوصايا الخالص (إش 60: 11)، وهذا موجه لأصدقاء صهيون ومحبي أورشليم، الأشخاص حديثي التحول (إش 66: 10).
وَعَلَى الأَيْدِي تُحْمَلُونَ
حيث يُحمل الأطفال من قبل الوالدين أو المربيات على أحد جانبيهم بين أذرعهم؛ وهذا يشير إلى الرعاية العاطفية والاعتبار الذي توليه الكنيسة للمتحولين الجدد، الذين يُقال إنهم يُرضعون على جانبها (إش 60: 4)، وهي تسندهم وتزودهم بكل ما في وسعها من خلال الكلمة والوصايا.
وَعَلَى الرُّكْبَتَيْنِ تُدَلَّلُونَ.
كما يُفعل بالأطفال المحبوبين، الذين يُوضعون في الحجر ويُلاعبون، ويكونون مبعث اللذة، اللذة العظمى لوالديهم؛ وحيث يحبون أن يكونوا، كما تعني الكلمة المستخدمة. كل هذا يظهر أن المتحولين الجدد يُحتفى بهم ويجب أن يُحتفى بهم، ويُعاملوا برقة؛ فلا ينبغي احتقار يوم الأمور الصغيرة، أو كسر القصبة المرضوضة، أو إطفاء الفتيلة المدخنة؛ بل يجب جمع هذه الحملان بين الأذرع وحملها في الحضن كالأطفال الرضع.
مدراش رباه للاويين (9: 9)
[أين (الدليل على أن السلام هو الأساس) في العالم الآتي؟ – "هأنذا أُدير عليها سلاماً كنهر" (إش 66: 12)]
13كَإِنْسَانٍ تُعَزِّيهِ أُمُّهُ هكَذَا أُعَزِّيكُمْ أَنَا، وَفِي أُورُشَلِيمَ تُعَزَّوْنَ. كَإِنْسَانٍ تُعَزِّيهِ أُمُّهُ هكَذَا أُعَزِّيكُمْ أَنَا،
بالرغم من أن الوصايا هي وسائل، والخدام هم أدوات للتعزية، إلا أن الله هو العلة الفعالة الوحيدة لها؛ ومن العجيب جداً أن يتنازل ليقدمها، وهو الكائن غير المحدود وغير المتناهي، العلي المرتفع، الحائز على كل الكمالات، ومع ذلك يتلطف ليحيي روح المتواضعين والمنسحقين؛ وبما أنه صانع السماء والأرض وكل الأشياء، والذين يعزيهم هم تراب ورماد؛ ولا سيما أنهم أخطأوا إليه وصيروا أنفسهم مكروهين لديه؛ وعلاوة على ذلك، برؤية أنه عادل وبار تماماً، وهم مذنبون باستمرار بالارتداد والتمرد عليه: ومع ذلك هناك أشياء كثيرة تؤكد أنه سيعزيهم كما يعلن هنا؛ بما أنه أحبهم محبة أبدية لدرجة بذل ابنه لأجلهم وإحيائهم وهم أموات بالذنوب؛ وبما أنه أدخلهم في عهد مع نفسه، وهو إله عهدهم وأبوهم؛ وفضلاً عن ذلك، فقد وعد بفعل ذلك، وهو الذي لا يخلف وعده أبداً، وهو القادر بكونه الإله القدير (المانح الكفاية). ويقول الترجوم:
"كلمتي ستعزيكم"؛
أي كلمته الجوهرية، المسيح، تعزية إسرائيل، الذي منه تتدفق كل التعزيات الحقيقية والراسخة؛ أو الكلمة المكتوبة، مقروءة أو مسموعة، وبخاصة كما يطبقها روح الله، الذي هو "معزٍّ آخر"، والذي يسير شعب الله في تعزياته، وهي ليست بصغيرة. والآن، فإن الطريقة التي يعزي بها الرب القديسين، وبخاصة المتحولين الجدد، هي الطريقة الأكثر لطفاً ورقة وحناناً؛ كما تعزي الأم رقيقة القلب طفلها؛ عندما يسقط ويؤذي نفسه ويصرخ، فإنها تأخذه بين ذراعيها، وتضمه إلى صدرها، وتتحدث إليه بلطف ليسكن ويهدأ. إن أبناء الله كثيراً ما يسقطون في الخطيئة ويؤذون أنفسهم، وسلامهم وفرحهم، وتكسر عظامهم، ويفقدون التمتع بالله؛ وحينها، وإذ يشعرون بشرورهم، يصرخون كما فعل داود، ويبكون بمرارة كما فعل بطرس؛ عندها يتحدث الرب بلطف إليهم، ويطلب منهم أن يثقوا لأن خطاياهم مغفورة لهم. أو كأم لديها طفل مبتلى أكثر من الباقين، فيحن قلبها إليه أكثر من غيره وتبذل كل ما في وسعها لتعزيته. إن شعب الله شعب مبتلى، وابتلاءاتهم أليمة وموجعة؛ وهم يصرخون إلى الله في ضيقهم، فيرثي لهم ويزورهم وينظر إلى آلامهم، ويمنحهم حضوره، ويمدهم بنعمته، ويسندهم بأذرعه الأبدية، ويمهد فراشهم، ويعزيهم في كل ضيقاتهم. أو كطفل ساء سلوكه، فتنظر إليه أمه بجفاء وتتعامل معه ببعد؛ وإذ يلاحظ الطفل ذلك يضيق صدره، فيؤثر ذلك فيها فتعود إليه وتعزيه: وهكذا، لأجل الأخطاء المرتكبة، يحجب الرب نفسه عن شعبه، مما يحزنهم ويزعجهم؛ ثم يجمعهم لنفسه بمراحم عظيمة، وبإحسان يرحمهم؛ وإذ يكون قد أدبهم على خطاياهم، وسماعهم وهم يندبون أنفسهم، يتحرك قلبه نحوهم ويعيد التعزيات لهم، لنفوسهم النائحة؛ انظر (إش 49: 14). وفي الأصل العبري: "كَإِنْسَانٍ (رجل) تُعَزِّيهِ أُمُّه"؛ فللأمهات رعاية رقيقة لأبنائهن حتى بعد بلوغهم سن الرجولة؛ وكل الأمور المذكورة أعلاه قد تصيب شعب الله حين يصيرون "شباباً"، بل وحتى "آباءً".
وَفِي أُورُشَلِيمَ تُعَزَّوْنَ.
لن يعيق التعزية شيء عندما ينطق بها الله أو يقرر منحها؛ لا الشيطان بكل تجاربه؛ ولا العالم بكل ضيقاته؛ ولا كل خطاياهم وتعدياتهم وشعورهم بها؛ ولا كل عدم إيمانهم الذي بسببه يرفضون أحياناً أن يتعزوا؛ بل عندما تكون مشيئة الله أن يتعزوا، يتدفق تيار من التعزية يغلب كل شيء؛ وغالباً ما يتم ذلك في "أورشليم"، في الكنيسة، حيث يمنح الرب حضوره ويأمر ببركاته؛ وحيث تُكرز كلمته للتعزية، وتُمنح الوصايا، تلك "أثداء التعزية"؛ ومع أن هذا يقال دون استبعاد الأماكن الأخرى، حيث قد يلتقي الرب بشعبه ويعزيهم، في بيوتهم، في مخادعهم، في متاجرهم، عند قيامهم ونومهم، وعند خروجهم ودخولهم.
14فَتَرَوْنَ وَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَتَزْهُو عِظَامُكُمْ كَالْعُشْبِ، وَتُعْرَفُ يَدُ الرَّبِّ عِنْدَ عَبِيدِهِ، وَيَحْنَقُ عَلَى أَعْدَائِهِ. فَتَرَوْنَ
أي كل الأشياء المذكورة أعلاه والتي نُبئ بوقوعها؛ تحول اليهود؛ حالة السلام والازدهار لكنيسة المسيح؛ وتدركون وتشعرون وتتمتعون بتعزيات الله بطريقة اختبارية.
وَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ،
لأنه لا شيء يمكن أن يكون مبعث فرح أعظم من هذه؛ فهذه تسبب فرحاً داخلياً قلبياً ومخلصاً، وليس مجرد تعبيرات خارجية عنه.
وَتَزْهُو عِظَامُكُمْ كَالْعُشْبِ،
كما في جنة مروية جيداً أو يسقط عليها الندى؛ فتعود للحياة وترفع رأسها وتكون خضراء زاهية: وهكذا تتعزى قلوب شعب الله وتمتلئ بالفرح، فيجدد ذلك قوتهم الروحية؛ والعظام التي يبست من الحزن تصير سمينة وزاهية وكجنة أعشاب لا تنقطع مياهها؛ انظر (أمثال 17: 22). إن شعب اليهود في حالتهم الحالية هم كالعظام اليابسة؛ ولكن هذه العظام اليابسة ستحيا بكلمة الله وبقوة نعمته، وتقف على أرجلها، مما سيسبب فرحاً عظيماً للآخرين، ويكون "حياة من الأموال". يفسر "أبرابانيل" وكتاب يهود آخرون هذا المقطع عن قيامة الأموات؛ لأنهم يؤمنون أن ذات الجسد سيقوم، وذات العظام ستحيا. ولديهم بالفعل تصور أسطوري عن عظمة تُسمى "لوز" (luz)، يقولون إنها لا تفنى أبداً ومنها ستُرمم بقية العظام؛ ولكن بترك هذا جانباً، يُلاحظ أنهم يستخدمون هذه الكلمات مع غيرها في جنازات موتاهم وعند عودتهم من القبر، معبرين بذلك عن إيمانهم بهذا المعتقد. والمراسم المستخدمة عندهم هي كالتالي:
"عندما يعودون من القبر، يقتلع كل واحد منهم العشب من الأرض مرتين أو ثلاثاً، ويلقيه فوق رأسه خلف ظهره، قائلاً كلمات المزمور: "وَيُزْهِرُونَ مِنَ الْمَدِينَةِ كَعُشْبِ الأَرْضِ" (مز 72: 16)، ويفعلون ذلك ليشيروا إلى رجائهم في قيامة الأموات، الذين سيزهرون كالعشب، كما يقول النبي: "عظامكم تزهر كالعشب".
أو كالعشب الطري؛ فكما ينبت ذلك العشب بعد قطعه، هكذا ستحيا عظام الموتى ثانية بعد أن تتحول إلى تراب في القبر؛ وإذا كانت تلك التجربة حقيقة، والتي يُقال إن الكيميائيين أجروها، بأنه يمكن جعل الأعشاب تنمو من رمادها، فإنها ستخدم كثيراً في توضيح الكلمات المأخوذة بهذا المعنى؛ والتي تتم بالطريقة التالية:
"يأخذون وردة أو قرنفل أو أي نبات آخر في الربيع وهو في كامل قوامه، ويدقونه كله في هاون حتى يصير عجينة، ويستخرجون نوعاً من الرماد أو الملح منه، ويضعونه في زجاجات مغلقة ومختومة؛ وبتسليط شمعة أو نار هادئة عليها، يُلاحظ أن الأعشاب أو النباتات ترتفع شيئاً فشيئاً ثانية من ملحها أو رمادها، بأشكالها المناسبة الخاصة، كما كانت في الحقل".
وَتُعْرَفُ يَدُ الرَّبِّ عِنْدَ عَبِيدِهِ،
بجعلهم فرحين ومزدهرين ومثمرين؛ وبحمايتهم وحفظهم وسد كل أعوازهم؛ يده القديرة التي لم تقصر عن أن تخلص؛ ويده الممتلئة نعمة والمنبسطة لتوزع على احتياجات شعبه.
وَيَحْنَقُ عَلَى أَعْدَائِهِ.
عابدي "الوحش"، وأتباع "المسيح الدجال"، الذين سيشربون بعمق من خمر غضب الله المصبوب صرفاً في كأس غضبه الذي سيضعه في أيديهم؛ وغضبه هو مما لا يُطاق، ولا يمكن الوقوف أمامه أو احتماله أو البقاء تحته؛ انظر (رؤ 14: 9). ويقول "كيمحي" إن هذا سيتحقق في حرب "جوج وماجوج".
15لأَنَّهُ هُوَذَا الرَّبُّ بِالنَّارِ يَأْتِي، وَمَرْكَبَاتُهُ كَزَوْبَعَةٍ لِيَرُدَّ بِحُمُوٍّ غَضَبَهُ، وَزَجْرَهُ بِلَهِيبِ نَارٍ. لأَنَّهُ هُوَذَا الرَّبُّ بِالنَّارِ يَأْتِي،
إما بنار مادية، تُحرق بها "بابل" أو روما (رؤيا 18: 8)، أو بسخط وغضب يُصب كالنار، ويكون غير محتمل ومفنيًا مثلها.
وَمَرْكَبَاتُهُ كَزَوْبَعَةٍ
مُحدثة ضجيجًا عظيمًا، ومثيرة لرعب شديد؛ وفي ذلك إشارة إلى المركبات التي كان الرجال يقاتلون بها قديمًا.
لِيَرُدَّ بِحُمُوٍّ غَضَبَهُ، وَزَجْرَهُ بِلَهِيبِ نَارٍ.
حشد من الكلمات لإظهار ضراوة غضبه، ومدى شدة زجره لأعدائه؛ وهو لن يكون زجرًا بالمحبة كما يفعل مع شعبه، بل بطريقة الغضب الانتقامي.
16لأَنَّ الرَّبَّ بِالنَّارِ يُعَاقِبُ وَبِسَيْفِهِ عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، وَيَكْثُرُ قَتْلَى الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ بِالنَّارِ يُعَاقِبُ وَبِسَيْفِهِ عَلَى كُلِّ بَشَرٍ،
مع الأشرار، الذين سيستدعي ضدهم سيفًا، ويمطر عليهم نارًا وكبريتًا، المرموز إليهم بـ "جوج وماجوج" (حزقيال 38: 22)؛ ومع القوى الأخرى المعادية للمسيحية في معركة "هرمجدون"؛ وعندما يُصب الجام الرابع على الشمس ويحترق الناس بالنار؛ انظر (رؤيا 16: 8).
وَيَكْثُرُ قَتْلَى الرَّبِّ.
أي أولئك الذين سيقتلهم الرب، سواء في محاولة الأتراك استعادة أرض كنعان من أيدي اليهود الذين تملكوها؛ والذين ستكون أعداد قتلاهم كثيرة لدرجة أن دفنهم سيستغرق سبعة أشهر (حزقيال 39: 12)؛ وفي المعركة بين الأمراء المسيحيين، والمسيح على رأسهم، والجيوش المعادية للمسيح بقيادة الوحش وملوك الأرض؛ عندما تُدعى طيور السماء إلى عشاء الرب العظيم، لتأكل لحم ملوك وقواد وأقوياء، فستكون المذبحة عظيمة جدًا (رؤيا 19: 17)؛ انظر أيضًا (إشعياء 11: 13).
17الَّذِينَ يُقَدِّسُونَ وَيُطَهِّرُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْجَنَّاتِ وَرَاءَ وَاحِدٍ فِي الْوَسَطِ، آكِلِينَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَالرِّجْسَ وَالْجُرَذَ، يَفْنَوْنَ مَعًا، يَقُولُ الرَّبُّ. الَّذِينَ يُقَدِّسُونَ
هذا وصف لأعداء الرب وشعبه الذين سيُقتلون في ذلك الوقت؛ ليس أولئك الذين تقدسوا بروح الله ونعمته، بل الذين يقدسون "أنفسهم"، ويدعون أنهم يجعلون أنفسهم مقدسين، ويظهرون أنهم أكثر قداسة من غيرهم؛ متظاهرين بقداسة خارجية عظيمة، لكنهم مجردون من القداسة الداخلية الحقيقية: أو "الذين يعدون أنفسهم" كما يذكر الترجوم؛ للذهاب وعبادة صنم ما في يوم معين، كما يفسر "راشي" و"ابن عزرا"، وكما يفعل أتباع "إنسان الخطية" المذكورون أعلاه (رؤيا 9: 20).
وَيُطَهِّرُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْجَنَّاتِ
في برك أو أحواض مياه في الجنائن. يفسر "كيمحي" هذا عن الفرس، ويقصد بهم الأشرار الذين يغتسلون ويتطهرون يوميًا، ومع ذلك هم نجسون في حياتهم وأفعالهم.
وَرَاءَ وَاحِدٍ فِي الْوَسَطِ،
(شجرة واحدة) هكذا أضافها "ابن عزرا". والبعض يأخذ كلمة "أحد" (Achad) المترجمة بـ "واحد" على أنها اسم لصنم. يقول "ماكروبيوس" إن الآشوريين عبدوا الشمس باسم "أداد" (Adad) التي تعني "واحد"؛ ويعبدونه كإله قدير؛ وربما هو نفسه "أدودوس" عند "سانكونياثو" الذي يسميه ملك الآلهة؛ و"أدادوس" عند "بليني" إله السوريين. ويفسرها الترجوم بـ "جماعة تلو جماعة"؛ وهو ما يتفق مع النسخة السريانية "يطهرون أنفسهم.. واحدًا تلو الآخر". وعبارة "خلف واحد في الوسط" قد تعني خلف شخص وسيط أو "وسيط زائف".
أما "بن مالك" فيفهمها عن بركة واحدة في وسط الجنة؛ ويلاحظ أن آخرين يفسرونها عن أيكة (غابة صغيرة) في وسطها.
آكِلِينَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَالرِّجْسَ وَالْجُرَذَ،
كان أكل لحم الخنزير والفأر محرمًا بناموس موسى (لاويين 11: 7)، والبعض يرى أن "الرجس" يقصد به "ابن عرس" بما أنه ذُكر في الناموس المذكور مع "الفأر"؛ وإن كان الأرجح أن المقصود هو الأشياء المقدمة للأصنام أو الدم. وقد أُكلت الفئران، أو على الأقل أنواع منها كـ "فأر النوم"، من قبل بعض الشعوب وبخاصة الرومان، وكان يُعد طعامًا شهيًا؛ ويلاحظ "بوخارت" أيضًا أن هناك نوعًا من فئران الحقول يسمى عند العرب "الجربوع" ويؤكل عندهم ويُحظى بتقدير كبير، وهو الكلمة ذاتها التي استخدمها المترجم العربي في النص. والآن، رغم إبطال الناموس الطقسي وزوال كل تمييز بين الأطعمة، وسيبقى الأمر كذلك في الأزمنة المشار إليها؛ إلا أن وصف هؤلاء القوم النجسين المدعين للقداسة والطهارة مأخوذ من الأشخاص الذين كانوا يُعتبرون نجسين في زمن كتابة النبي؛ وقد يشير بشكل خاص إلى أولئك الذين يمتنعون عن أطعمة في أوقات معينة يجوز أكلها شرعًا؛ ومع ذلك هم نجسون كأولئك الذين كانوا تحت الناموس ويأكلون المحرمات؛ بكونهم نجسين ويصنعون رجسًا وكذبًا (رؤيا 21: 8).
يَفْنَوْنَ مَعًا، يَقُولُ الرَّبُّ.
في المعارك المذكورة أعلاه، أو في البحيرة المتقدة بنار وكبريت.
18وَأَنَا أُجَازِي أَعْمَالَهُمْ وَأَفْكَارَهُمْ. حَدَثَ لِجَمْعِ كُلِّ الأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ، فَيَأْتُونَ وَيَرَوْنَ مَجْدِي. وَأَنَا أُجَازِي أَعْمَالَهُمْ وَأَفْكَارَهُمْ.
أي أعمال وأفكار الأشخاص الموصوفين سابقًا؛ أعمالهم وأفكارهم الشريرة المعروفة للمسيح فاحص الأفكار ونيات القلوب، الذي عيناه كلهيب نار تخترقها وتنفذ إليها (رؤيا 2: 18)؛ أو: "أما أنا، فأعمالهم وأفكارهم"؛ فبما أنني أعرفها وأمقتها، سأنتقم منهم لأجلها، ولأجل ما دبروه وفعلوه ضدي وضد خاصتي: "فإنه يأتي"؛ أي سيحدث ذلك، أو سيأتي الوقت.
حَدَثَ لِجَمْعِ كُلِّ الأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ،
ليس ضد أورشليم في حرب جوج وماجوج كما يفسر المفسرون اليهود "ابن عزرا" و"راشي" و"كيمحي" مستشهدين بـ (زكريا 14: 2)؛ بل إلى المسيح وكنيسته، بالكرازة بالإنجيل؛ الذي سيُنشر في الأيام الأخيرة لكل أمة وقبيلة ولسان وشعب، وذلك فور دمار "المسيح الدجال" الغربي والشرقي على حد سواء؛ وبشكل خاص، ومن خلال دمار الأخير، سيُفتح الطريق إلى ممالك الشرق، التي ستصير بذلك ممالك لربنا ولمسيحه (رؤيا 14: 6).
فَيَأْتُونَ وَيَرَوْنَ مَجْدِي.
مجد شخص المسيح ونعمته؛ مجد إنجيله وعبادته ووصاياه؛ المجد الذي سيكون على صهيون الكنيسة، وعلى كل ما سيكون فيه حماية، وسيكون منظرًا مجيدًا؛ انظر (إشعياء 4: 5).
19وَأَجْعَلُ فِيهِمْ آيَةً، وَأُرْسِلُ مِنْهُمْ نَاجِينَ إِلَى الأُمَمِ، إِلَى تَرْشِيشَ وَفُولَ وَلُودَ النَّازِعِينَ فِي الْقَوْسِ، إِلَى تُوبَالَ وَيَاوَانَ، إِلَى الْجَزَائِرِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي لَمْ تَسْمَعْ خَبَرِي وَلاَ رَأَتْ مَجْدِي، فَيُخْبِرُونَ بِمَجْدِي بَيْنَ الأُمَمِ. وَأَجْعَلُ فِيهِمْ آيَةً،
إما آية معجزية، أي أمراً عجيباً كما تُستخدم الكلمة غالباً (خروج 4: 8)، وليس المقصود بها فيضان الروح القدس في يوم الخمسين أمام رجال من كل الأمم؛ ولا المعجزات التي صنعها الرسل في العالم الأممي تثبيتاً للإنجيل؛ بل بالأحرى التحول العجيب لليهود (إشعياء 66: 8)، أو تلك العجائب التي يُستفسر عن وقت نهايتها في (دانيال 12: 6)؛ أو يُقصد بها علامة أو سمة مميزة؛ كتلك التي وُضعت على قايين، أو على الذين يئنون وينوحون على خطايا أورشليم (حزقيال 9: 4)، وقد تعني ختم أو سمة اسم أب المسيح على جباه شعبه لتمييزهم وحفظهم من الأذى مع الآخرين (رؤيا 7: 3)؛ أو، وهو الأفضل، آية بمعنى "راية" لجمع الأشخاص معاً؛ وبالرغم من أنها ليست الكلمة المعتادة للراية، إلا أنها تُستخدم أحياناً بهذا المعنى كما في (مزمور 74: 4)، وبذلك قد تقصد المسيح، الذي هو "آية تقاوم" (لوقا 2: 34)، والذي رُفع في خدمة الإنجيل لجمع النفوس إليه (إشعياء 10: 10)، وهو ما صاحبه نجاح كبير في عصور الإنجيل الأولى، وسيكون كذلك في الأيام الأخيرة (إشعياء 2: 2).
وَأُرْسِلُ مِنْهُمْ نَاجِينَ إِلَى الأُمَمِ، إِلَى تَرْشِيشَ
لا يقصد الرسل وأوائل الكارزين بالكلمة الذين نجوا من عناد واعوجاج الأمة اليهودية وغضبهم واضطهادهم ومن السخط الذي حل عليهم إلى التمام؛ بل أولئك الذين سينجون عند دمار بابل (رؤيا 11: 13)؛ والذين أيضاً، بالمعنى الروحي، سينجون من نجاسات العالم بنعمة الله ومعرفة المسيح؛ ومن انتقام العدل الإلهي، ولعنات الناموس، والغضب الآتي؛ ومن الجحيم والهلاك الأبدي بالهروب إلى المسيح؛ هؤلاء سيُجعل بعضهم كرازة للإنجيل؛ فمَن أجدر من هؤلاء لتحذير الخطاة من خطرهم، وإرشاد الناس إلى طريق الخلاص ونشر بشائر الإنجيل؟ وسوف يُرسلون من الله بتكليف منه "إِلَى الأُمَمِ"؛ لأجل جمعهم إلى المسيح وكنيسته ليعاينوا مجده: وبشكل خاص إلى "تَرْشِيشَ"، وهي كلمة تُستخدم أحياناً للتعبير عن البحر، وترجمتها نسخة الفولجاتا اللاتينية بـ "الأمم التي في البحر"؛ أو كما يذكر الترجوم: "إقليم البحر"، أي الأقاليم الساحلية القريبة من البحر؛ بحر العرب وبحر فارس؛ أو "تارتيسوس" في إسبانيا؛ وقد تُوضع للتعبير عن البلاد بأكملها.
وَفُولَ وَلُودَ النَّازِعِينَ فِي الْقَوْسِ،
يرى البعض أنها هي ذاتها "فوط ولود"، أي ليبيا وليديا، اللتان تأتيان معاً في (إرميا 46: 9)، وهما بلدان في أفريقيا اشتهرا بالرماية بالقوس؛ وترجمتها الفولجاتا: "أفريقيا وليديا"؛ بينما يرى "بوخارت" وتبعه البعض أن "فول" هي ذاتها "فيلة" (Philas)، وهي جزيرة على النيل فوق أسوان بين إثيوبيا ومصر، ذكرها ديودورس الصقلي وسترابو؛ أو "إلفنتين" (جزيرة الفيلة). أما "كيمحي" فيفسر "النازعين في القوس" بأنهم الأتراك.
إِلَى تُوبَالَ وَيَاوَانَ،
واللتين ترجمتهما النسخة ذاتها (الفولجاتا) بـ "إيطاليا واليونان".
إِلَى الْجَزَائِرِ الْبَعِيدَةِ
حتى أقصى جزر الهند الغربية؛ ولا يمكن تحديد الأماكن والبلاد المقصودة بدقة واستقصاء؛ بل المقصود عموماً أن الإنجيل وخدام الإنجيل سيُرسلون إلى أجزاء مختلفة من العالم، شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، حتى الأكثر بعداً منها.
الَّتِي لَمْ تَسْمَعْ خَبَرِي
أي الإنجيل، الذي هو خبر طيب وحقيقي عن المسيح؛ وهذا ما لم تسمع به الأمم المغطاة بظلام دامس (الأمم الوثنية)، ولكنها ستسمع الآن من خلال هؤلاء الرجال المرسلون إليهم.
وَلاَ رَأَتْ مَجْدِي،
في مرآة الإنجيل، إذ لم يُوضع أمامهم قط؛ وبذلك لم يروا أبداً مجد المسيح بكونه "الوحيد من الآب"؛ ولا جماله وبهاءه، ولا ملء النعمة فيه، ولا أي من صفاته الممتازة، سواء في شخصه.
فَيُخْبِرُونَ بِمَجْدِي بَيْنَ الأُمَمِ.
وهذا ما سيفعله "الناجون" أو الكارزون المرسلون إلى الأمم؛ سيخبرون علانية وبوضوح وجلاء أن المسيح هو "ضياء المجد الإلهي"؛ وسيعلنون مجد لاهوته؛ وغنى نعمته ومحبته للخطاة في تألمه وموته لأجلهم؛ وعن خلاصه، مدى عظمته وكماله وملاءمته ومجده؛ مع كل حقائق الإنجيل المجيدة، من سلام وصفح وبر وحياة أبدية بالمسيح.
20وَيُحْضِرُونَ كُلَّ إِخْوَتِكُمْ مِنْ كُلِّ الأُمَمِ، تَقْدِمَةً لِلرَّبِّ، عَلَى خَيْل وَبِمَرْكَبَاتٍ وَبِهَوَادِجَ وَبِغَال وَهُجُنٍ إِلَى جَبَلِ قُدْسِي أُورُشَلِيمَ، قَالَ الرَّبُّ، كَمَا يُحْضِرُ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَقْدِمَةً فِي إِنَاءٍ طَاهِرٍ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ. وَيُحْضِرُونَ كُلَّ إِخْوَتِكُمْ مِنْ كُلِّ الأُمَمِ،
لا يقال هذا عن اليهود، سواء فيما يخص العصور الأولى للإنجيل؛ ولا عن الرجال الأتقياء من كل الأمم الذين سمعوا الرسل في يوم الخمسين؛ ولا عن أولئك الذين التقى بهم الإنجيل في العالم الأممي من خلال خدمة الرسل الذين وجه إليهم بطرس ويعقوب رسائلهما؛ ولا، في الأيام الأخيرة، عمن تبقى في الأمم المختلفة بعد التحول العام لذلك الشعب؛ بل يجب فقه هذا عن "الأمم" (غير اليهود)، وعن إدخال ملئهم، بواسطة أولئك الذين سينجون من ويلات تلك الأزمنة، ومن دمار "المسيح الدجال" الشرقي والغربي؛ حيث سيصير بعضهم كارزين بالكلمة وأدوات للقيام بهذا العمل: وهنا يُدعى الأمم "إخوة" لليهود المتحولين، إذ أن كل شعب الرب إخوة لبعضهم البعض، أياً كانت الأمة التي ينتمون إليها؛ فهم جميعاً بالمعنى الروحي نسل ونسل وأبناء إبراهيم، الذي هو "أب لجميع المؤمنين"؛ وهكذا كل المؤمنين إخوة، يهوداً وأمماً؛ بل هم جميعاً أبناء الله، الذي هو الإله الواحد وأب الجميع في عهد النعمة المشترك بينهم جميعاً؛ وعن طريق التبني والتجديد الذي هو برهانه. والمسيح يقف في مقام "الأخ البكر" لهم جميعاً؛ والكنيسة الجامعة، "أورشليم العليا"، هي أمهم جميعاً؛ فهم "أبناء الأم" وبالتالي هم إخوة؛ وهم شركاء في ذات البركات والامتيازات، وورثة لذات الوعود والنعمة والمجد: والآن فإن كل أولئك المعينين سابقاً لتبني البنين، الذين هم أبناء الله المشتتون، والذين وعد الله بدعوتهم بنعمته، سيُحضرون؛ ولن يُترك واحد منهم خلفاً؛ فهذه هي مشيئة الله التي لا تُقاوم؛ وهذا هو اختيار النعمة الثابت على مشيئة الله السيادية والذي يدرك هدفه دوماً؛ وهذا هو ضمان المسيح وما اشتراه بدمه، مما يجعل إحضارهم ضرورة مطلقة؛ والرب يعرف أين هم، وسيرسل إنجيله وخدامه إليهم ليأتوا بهم، مهما كانوا في أماكن بعيدة ومغمورة: وسوف يُحضرون.
تَقْدِمَةً لِلرَّبِّ،
والتي ستُقدم له، إما بواسطة الأشخاص الذين يحضرونهم، أي خدام الإنجيل، الذين هم "كهنة الرب" (إشعياء 66: 21) والذين يقدمون، ليس ذبائح حيوانات كما في الناموس، بل أشخاصاً أحياء، رجالاً ونساءً، تحولوا تحت خدمتهم؛ حيث يحضرونهم للرب وإلى بيته، كأكاليل لنعمته المنتصرة، لخدمته وتمجيده. ويبدو أن الرسول بولس يشير إلى هذا المقطع ويعطي معناه في (رومية 15: 16)؛ أو تُقدم بواسطة أنفسهم، الذين يقدّمون أرواحهم وأجسادهم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله، كعبادة عقلية؛ ليس للتكفير عن خطاياهم، بل عرفاناً للرب، بكونهم له وليسوا لأنفسهم (رومية 12: 1). وتتبع ذلك الوسائل التي سيُحضرون بها.
عَلَى خَيْل وَبِمَرْكَبَاتٍ وَبِهَوَادِجَ وَبِغَال وَهُجُنٍ
وهو ما يفسره "كيمحي" و"ابن عزرا" بكونه "الإبل" من النوع الممتاز؛ أما الترجوم فيترجمها بـ "التسابيح"؛ وهكذا يفهمها "راشي" بأنها أغاني الذين يقفزون ويرقصون فرحاً؛ انظر (صموئيل الأول 6: 16)؛ وهذه الوسائل لا يجب فهمها حرفياً، بل مجازياً، تعبيراً عن "خدمة الإنجيل"، التي هي مَركبة الخلاص، والتي تُحضر فيها النفوس إلى المسيح وإلى كنيسته؛ وذكر أنواع مختلفة قد يشير إلى الجموع الغفيرة التي ستُجمع، والترتيبات المختلفة المتخذة وفقاً للظروف المتباينة؛ فبعضهم الأقوياء والمندفعون والمتلهفون لشركة الكنيسة، يُحضرون بسرعة أكبر، "على خيل وهجن"؛ وآخرون أكثر ضعفاً ولا يمكنهم التحرك إلا ببطء، في "مركبات وزميل"؛ وكلها تشير إلى الطريقة الآمنة والكريمة التي يُقادون بها، وكذلك الترحيب الذي يتوقعون نيله في كنائس المسيح، إذ تُقدم لهم كافة أنواع المساعدة. فالخيل رمز لخدمة الإنجيل، وكذلك المركبة (رؤيا 6: 2). والمكان الذي سيُحضرون إليه هو:
إِلَى جَبَلِ قُدْسِي أُورُشَلِيمَ، قَالَ الرَّبُّ
ليست أورشليم بالمعنى الحرفي، وإن كان من المحتمل جداً أنها ستكون في ذلك الوقت مكاناً يقصده جميع المسيحيين؛ بل الكنيسة، التي غالباً ما تُدعى بهذا الاسم في هذه النبوة وفي هذا الأصحاح؛ "جبل" لارتفاعه، وظهوره، وبخاصة لثباته وعدم تزلزله؛ وجبل "مقدس"، حيث تُمارس فيه الأمور والكلمات والوصايا المقدسة، ويجتمع فيه الأشخاص المقدسون، ولا ينبغي لغيرهم أن يكونوا أعضاءً فيه؛ إلى هنا يُحضر المتحولون، للمشاركة في تلك الأمور المقدسة والحصول على شركة مع المقدسين، عن طريق خدام الإنجيل الذين يدعون ويعظون ويشجعون ويقنعون ويستخدمون أقوى الحجج الممكنة، ولكنهم في النهاية ليسوا إلا أدوات، والله هو العلة؛ فهو الذي يأتي بالنفوس إلى صهيون (إرميا 3: 14). وتتبع ذلك الكيفية:
كَمَا يُحْضِرُ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَقْدِمَةً فِي إِنَاءٍ طَاهِرٍ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ.
تماماً كما كانت "المنحة" أو تقدمة الدقيق، تُحضر في إناء نقي وطاهر إلى مقدس الرب وتُقدم أمامه؛ وبما أن كل الآنية هناك كانت "آنية قدس" (عزرا 8: 28)، فهذا يشير إلى هوية أولئك الذين سيُحضرون ويُقدمون؛ أشخاص طُهرت قلوبهم بالإيمان بدم المسيح؛ دُعوا بدعوة مقدسة؛ قُدسوا بالروح القدس؛ وظهروا في جمال قداسة القلب والحياة. وترجمتها السبعينية: "مع مزامير"؛ والنسخة العربية: "مع يوبيل"؛ مشيرة إلى أنه سيُحضرون بفرح وابتهاج؛ انظر (مزمور 45: 15). ويفسر اليهود القدماء كل هذا عن العطايا التي ستُقدم للملك المسيا في أيامه.
مدراش رباه لنشيد الأناشيد (4: 19)
["انظري -תשורי- من رأس أمانة" (نش 4: 8)، الرابي حونيا باسم الرابي يوستا قال: في المستقبل فإن المسبيين سيصلون حتى تيروس مونوس وسيقولون أغنية وستجلبهم أمم العالم كأمراء للملك المسيح، ما الدليل؟ – "انظري -תשורי- من رأس أمانة" لا معنى لـ(תשורי) إلا أنها تقدمة كما قيل "ليس من هدية -תשורה- نقدمها لرجل الله" (1 صم 9: 7).. ألم أصنع هذا لكم بالفعل في أيام حزائيل "فذهب حزائيل لاستقباله وأخذ هدية بيده ومن كل خيرات دمشق حمل أربعين جملاً" (2 مل 8: 9).. هم بنفسهم عتيدون أن يجلبوا هدايا للملك المسيح، ما الدليل؟ – "ويحضرون كل إخوتكم من كل الأمم تقدمةً للرب على خيل وبمركبات وبهوادج وبغال وهجن" (إش 66: 20).. هذا هو المكتوب "قدموا للرب العائلات أيها الشعوب" (مز 96: 7)، قال الرابي آحا: لم تُكتب أيها الشعوب قدموا للرب العائلات وإنما "قدموا للرب العائلات أيها الشعوب قدموا للرب مجداً وقوة" أي أنه عندما يجلبونهم، فهم لن يأتوا بمذلة وإنما بمجد وقوة]
الزوهار (ڤييَّر: 119)
[.. يتجلى الملك المسيح (بن يوسف) في أرض الجليل، وأحد النجوم من جهة المشرق يبلع سبع نجوم من جهة الشمال.. وتتحد كل الأمم على بنت يعقوب ليطردوها من العالم، وعن هذا الوقت مكتوب "وهو وقت ضيق على يعقوب ولكنه سيخلص منه" (إر 30: 7).. (وبعد سبع سنوات من ظهور المسيح).. كل ملوك العالم يتجمعون في داخل مدينة روما العظيمة، والقدوس مبارك هو يهيج عليهم ناراً وبرداً وحجارة فيُبادون من العالم، عدا أولئك الملوك الذين لم يذهبوا لهناك، فيعودون ليصنعوا حرباً أخرى، وأثناء ذلك الوقت يظهر الملك المسيح (بن داود) لكل العالم، وتجتمع أمم كثيرة إليه مع جيوش كثيرة من كل أطراف العالم، وكل بني إسرائيل سيجتمعون في كل تلك الأماكن.. عندما تكتمل تلك السنوات إلى مئة.. "ويحضرون كل إخوتكم من كل الأمم تقدمة للرب" (إش 66: 20)، وبنو إسماعيل في ذلك الزمان سيتحدون عليهم مع كل أمم العالم وسيأتون إلى أورشليم، كالمكتوب "وأجمع كل الأمم على أورشليم للمحاربة" (زك 14: 2) ومكتوب "قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه" (مز 2: 2) ومكتوب "الساكن في السماوات يضحك، الرب يستهزئ بهم" (4).. (وبعد هذا).. يُجدد تلك النفوس العتيقة، لكي يُجدد عالمه، كما هو مكتوب "يفرح الرب بأعماله" (مز 104: 31)، ومكتوب "يكون مجد الرب إلى الدهر" (31).. فيصيرون جميعهم خليقة جديدة، فتتحد العوالم جميعها معاً. طوبى لجميع أولئك الذين يتبقون في العالم في نهاية الألفية السادسة ليدخلون السبت، لأن هذا هو اليوم الذي للرب وحده.. "يكون أن الذي يبقى في صهيون والذي يُترك في أورشليم يُسمى قدوساً. كل من كتب للحياة في أورشليم" (إش 4: 3)]
21وَأَتَّخِذُ أَيْضًا مِنْهُمْ كَهَنَةً وَلاَوِيِّينَ، قَالَ الرَّبُّ. وَأَتَّخِذُ أَيْضًا مِنْهُمْ كَهَنَةً
أي من الأمم، أولئك الإخوة الذين أُحضروا كتقديمة للرب؛ ولذلك يجب أن يخص هذا العصور الإنجيلية، حين يتغير الكهنوت الهاروني وينتهي، وهو الذي لم يكن يسمح بدخول الأمم، ولا أي شخص من أي سبط آخر في إسرائيل سوى سبط لاوي؛ ولا يجب أن يُفهم هذا على أنه الكهنوت الروحي العام لجميع المؤمنين (بطرس الأولى 2: 5)، بما أن أولئك الأمم المتحولين الذين أُحضروا لن يُؤخذ "جميعهم" بل "بعضهم" فقط ليكونوا كهنة؛ وبالتالي لا يمكن تفسير ذلك إلا عن "خدام الكلمة"، الذين يُدعون بلغة العهد القديم كهنة، وإن كان لم يطلق عليهم ذلك أبداً في العهد الجديد؛ بل شيوخ، وأساقفة، ونظار، ورعاة، ومعلمون. كان الكارزون الأوائل بالإنجيل يهوداً، كالرسل الاثني عشر، والسبعين تلميذاً، وبولس وبرنابا وغيرهم؛ ولكن عندما كُرز بالإنجيل غُرست الكنائس في العالم الأممي، حينها اتُخذ "كهنة" أو رعاة أو شيوخ من بينهم، ورُسموا فوق الكنائس في كل مكان؛ والذين استمروا، بشكل أو بآخر، منذ ذلك الحين؛ وسيكونون أكثر وفرة في الأيام الأخيرة؛ وعملهم ووظيفتهم ليست تقديم ذبائح حيوانية ككهنة قديماً، بل الإشارة إلى ذبيحة المسيح، إلى حمل الله الذي يرفع خطايا العالم؛ وتعليم معرفة المسيح مصلوباً، ومختلف عقائد وواجبات الديانة المسيحية، كما كان الكهنة سابقاً يعلمون معرفة الناموس (ملاخي 2: 7).
وَلاَوِيِّينَ، قَالَ الرَّبُّ.
وهذا يوضح بجلاء أكبر أن النبوة تنتمي إلى التدبير الإنجيلي، ويجب أن تُفهم مجازياً وروحياً؛ إذ لم يكن من الممكن اتخاذ أحد ليكون من اللاويين بالمعنى الحرفي إلا إذا كان من سبط لاوي؛ ولكن هنا يُقال إن الأمم اتُخذوا ليكونوا كذلك، ويقصد بهم رجال في كنائس الإنجيل. واللاويون، كما يشير اسمهم، هم أولئك الذين "اتصلوا" بغيرهم؛ فقد خدموا الكهنة وساعدوهم، وكانوا مسؤولين عن الهيكل وآنية الخدمة، والذين يناظرهم الآن "الشمامسة"؛ الذين هم أعوان ومساعدون لخدام الكلمة. عملهم هو خدمة الموائد والاهتمام بالشؤون الزمنية للكنيسة؛ وبناءً عليه، فإن هذه نبوة عن الكنائس في الأيام الأخيرة بكونها ستُنظم حقاً، وتُملأ بالمسؤولين المناسبين، فضلاً عن الأعضاء الكثيرين.
مدراش المزامير (87: 6)
[قال الرابي يهوذا ابن سيمون: في المستقبل فإن أمم العالم سيجلبون هدايا للملك المسيح.... لأنه قيل "انظري -תشوري- من رأس أمانة" (نش 4: 8).. وعندما يأتون عند الملك المسيح سيقول لهم: هل من بينكم إسرائيليون؟ اجلبوهم إليَّ. كما قيل "قدموا للرب العائلات أيها الشعوب" (مز 96: 7) الشعوب يقدمون لي عائلات إسرائيل. قال الرابي آحا: (سيقول لهم): (قدموهم إليَّ) لا بمذلة وإنما بمجد..
قال الرابي يهوذا وقيل (من البعض) أن الرابي برخيا باسم الرابي يهوذا قال: "في ذلك الوقت تُقدم هدية -شي/שי- لرب الجنود" (إش 18: 7) هدية شَي / שי في أطبش (تساوي) بَم / בם. أي تُقدِّم كل الشعوب إسرائيل كهدايا للملك المسيح، أي أنهم سيجلبون إسرائيل كما قيل "ويحضرون كل إخوتكم من كل الأمم تقدمةً للرب على خيل وبمركبات وبهوادج وبغال وهجن" (إش 66: 20).
قال الرابي برخيا: المقتدرون سيركبونهم على الخيل، والتلاميذ الذين ليس فيهم قوة على المركبات، النساء والأطفال على العجلات المغطاة.. الشيوخ على البغال التي تسير ببطء، أما الشيوخ الذين لا يستطيعون أن يركبوا سيصنعون لهم كراسي مريحة، وسيضعوا فيها وسائد من صوف وسيحملوهم على أكتافهم وسيمسكوهم بأياديهم. – وما هو "قد قيل بكِ أمجاد" (مز 87: 3)؟ – أي سيجلبوهم بمجد. وفيما هم ذاهبون ليخرجوا من عند الملك المسيح، ستخبر الأمم الذين عند المسيح بمجد إسرائيل وسيقولون: هذا كاهن، وهذا لاوي، وهذا إسرائيلي. ولماذا؟ - لأنهم قد بيعوا للعبودية وتناسوا أنسابهم بسبب عبودية السبي. تناسوا وأصبحوا أمماً على يد مضطهديهم.
قال الرابي أليعزر "وأتخذ أيضاً منهم كهنة ولاويين، قال الرب" (إش 66: 21)، أي من الأمم الجالبين إسرائيل للملك المسيح. منهم سيفرز (الرب) كل من هو كاهن أو لاوي أو إسرائيلي. "وأتخذ أيضاً منهم" أي من الجالبين (الأمم) وليس (فقط) من المجلوبين (إسرائيل) ولهذا قال "وأتخذ أيضاً منهم.. قال الرب". – وأين قال الرب هذا (في التوراة)؟ – قال الرابي فينحاس الكاهن ابن حما: "السرائر للرب إلهنا" (تث 29: 28)]
22لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ السَّمَاوَاتِ الْجَدِيدَةَ وَالأَرْضَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي أَنَا صَانِعٌ تَثْبُتُ أَمَامِي، يَقُولُ الرَّبُّ، هكَذَا يَثْبُتُ نَسْلُكُمْ وَاسْمُكُمْ. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ السَّمَاوَاتِ الْجَدِيدَةَ وَالأَرْضَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي أَنَا صَانِعٌ
ليس "التي صنعتها"؛ فهذا لا يُفهم عن السماوات والأرض التي صُنعت في البداية وتستمر دون تغيير؛ رغم أن دوام الكنيسة، المتنبأ به هنا، يُشبه أحياناً بدوام تلك العناصر (مزمور 89: 36)؛ بل يُقصد بها إما الحالة الجديدة للأمور تحت التدبير الإنجيلي التي لا تزال مستمرة والموعود بها في (إشعياء 65: 15)، أو بالأحرى -بما أن ذلك سيكون توضيحاً للشيء ذاته بكلمات مختلفة- يمكن تفسيرها حرفياً عن السماوات الجديدة والأرض الجديدة التي ستُصنع عندما تبلى الحالية وتفنى وتزول، كما في حالة "أورشليم الجديدة" (بطرس الثانية 3: 10).
تَثْبُتُ أَمَامِي، يَقُولُ الرَّبُّ،
هذه ستستمر.
هكَذَا يَثْبُتُ نَسْلُكُمْ وَاسْمُكُمْ.
ليس النسل الطبيعي للمؤمنين؛ فليس لكل المؤمنين نسل كهذا، ومن لديهم نسل فليس جميعهم أشخاصاً متحولين؛ بل المقصود "النسل الروحي" للكنيسة، المولود فيها والمربى بواسطتها؛ والذي سيستمر في أجيال متتابعة إلى نهاية الزمان، رغم اضطهادات البشر، ومكر المعلمين الكذبة، وتعييرات واستهزاء العالم الباطل (مزمور 22: 30). وكذلك "اسمهم"؛ أي اسم المسيح الذي به يُدعون ويعترفون، والذي يُنادى به عليهم، ومنه سُموا مسيحيين؛ هذا سيدوم ما دامت الشمس (مزمور 72: 17)؛ أو الاسم الجديد "بنين وبنات" للقدير؛ أو شهرتهم ومجدهم وذكراهم؛ فسيكونون في ذكر أبدي (مزمور 112: 6).
23وَيَكُونُ مِنْ هِلاَل إِلَى هِلاَل وَمِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ، أَنَّ كُلَّ ذِي جَسَدٍ يَأْتِي لِيَسْجُدَ أَمَامِي، قَالَ الرَّبُّ. وَيَكُونُ مِنْ هِلاَل إِلَى هِلاَل
أو "من شهر في أشهره". والترجوم يذكر:
"في وقت بداية الشهر في شهره"؛
أي في كل يوم من أيام الشهر، أو بالأحرى في كل شهر.
وَمِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ،
صيغة التعبير هي ذاتها السابقة؛ وهي مفسرة بنفس الطريقة في الترجوم؛ وتعني إما كل يوم في الأسبوع، أو بالأحرى كل سبت، أو "اليوم الأول من الأسبوع"؛ إذ لا ينبغي لنا أن نتخيل أن أهلة الشهور والسبوت اليهودية (أي سبوت اليوم السابع) ستُحفظ الآن، وهي التي أُبطلت منذ زمن طويل (كولوسي 2: 16)؛ ولكن، كما دُعي مسؤولو الكنائس في العهد الجديد بأسماء عهد قديم في الآيات السابقة؛ هكذا يُعبر هنا عن أوقات ومواسم العبادة الإنجيلية بلغة العهد القديم؛ والمعنى هو أن شعب المسيح وأعضاء الكنائس، في الأيام الأخيرة، سيحضرون اجتماعات الكنيسة باستمرار؛ سيجتمعون كل شهر للاحتفال بعشاء الرب؛ وكل يوم رب (أحد)، لسماع الكلمة والصلاة وترنيم التسابيح معاً؛ متمتعين بذلك بسلام وراحة روحية كبيرة، ومتزايدين في النور الإنجيلي الذي ترمز إليه الأهلة والسبوت؛ وبشكل خاص سيتحقق هذا بملئه في حالة أورشليم الجديدة، عندما يكون هناك "تفرغ" (Sabbathism) كامل، وهو ما يزال باقياً لشعب الله، وعندما يكون نورهم عظيماً جداً ومجيداً؛ وهكذا يفسر اليهود هذا عن العالم الآتي ، الذي هو كله سبت أو راحة؛ أي من كل عناء وتعب، ومن الخطيئة والحزن، ومن تجارب الشيطان واضطهادات العالم؛ ولكن ليس راحة من عبادة الله وخدمته؛ وإن كان ذلك سيتم بطريقة مختلفة وأكثر كمالاً مما هي عليه الآن؛ كما يتبع:
أَنَّ كُلَّ ذِي جَسَدٍ يَأْتِي لِيَسْجُدَ أَمَامِي، قَالَ الرَّبُّ.
أي رجال من كل الأمم، وأشخاص من كلا الجنسين؛ ليس اليهود فقط وذكورهم كما كان سابقاً، بل رجال ونساء؛ ليس كل فرد بعينه، بل كل من سيتحولون -وهم كثيرون- سيأتون إلى أماكن العبادة العامة حيث يجتمع القديسون لهذا الغرض ويشتركون فيه؛ وسيفعلون ذلك باستمرار ودون انقطاع، كما فعل المسيحيون الأوائل (أعمال 2: 42). ويفسر التلمود هذا عمن صارت قلوبهم "لحماً"؛ انظر (حزقيال 36: 26)؛ هؤلاء لن يسجدوا في حضرة الله وتحت نظره كإله عليم وبمساعدته ولأجل مجده فحسب؛ بل سيسجدون له هو ذاته، الآب والابن والروح، بخشوع وتقوى، بالروح وبالحق، وبشكل مستمر، في أورشليم الجديدة والمجد النهائي، في أقصى درجات الكمال والطهارة.
جيروم: يقول الفيزيائيون وأولئك المعنيون بالجدل حول الأفلاك إن القمر لا يمتلك نوراً خاصاً به، بل يستمد ضياءه من أشعة الشمس. فهو يضيء دائماً بشكل كامل في ذلك الجزء من جرمه الأقرب إلى الشمس والذي لا يحجبه ظل الأرض. . . وإذا كان هذا صحيحاً، فيمكننا القول "مجازياً" إن الكنيسة —التي تنمو وتتضاءل في أوقات السلم والاضطهادات، وتتلقى نوراً نقياً بعد تحمل ضيق التجربة المظلمة— تستمد بهاءها من "شمس البر" (المسيح)، وهي تلك الحقيقة التي قيل عنها: "يضيء القمر كالشمس". وسكانها الأبرار أيضاً "سيضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم". . . وفيما يتعلق بما يتبع ذلك، أي "يأتي كل بشر ليسجد أمامي في أورشليم"، تجدر الملاحظة أن كلمة "أورشليم" ليست مكتوبة في النص العبري، مما يمكننا من دحض غطرسة اليهود؛ بل المكتوب هو "أمام وجهي" فقط، لكي تتحقق كلمة الرب الذي يقول في الإنجيل: "تأتي ساعة فيها لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب". فإن "كل بشر" لا تعني الشعب اليهودي بل كل الجنس البشري، وفقاً لما قيل سابقاً: "ويبصر كل بشر خلاص إلهنا". . . أما عبارة "من شهر إلى شهر ومن سبت إلى سبت"، التي فيها "يأتي كل بشر ليسجد للرب"، فيقدم لها "أصحاب الملك الألفي" (Chiliasts) تفسيراً مضحكاً؛ إذ يزعمون أن كل من هم في المنطقة المحيطة يأتون إلى أورشليم كل سبت، والذين هم أبعد قليلاً يأتون كل شهر، والذين يعيشون في أماكن بعيدة جداً يأتون للفصح كل عام. . . بل ويزيدون من إضحاك سامعيهم بقولهم إن التجار سيكفون عن الوجود لمدة ألف عام، لأن كل شيء سيُنتج في كل مكان، لدرجة أننا لن نحتاج إلى فلفل حلو، ولن يشتهي الهندي منا ورقة نعناع!
24وَيَخْرُجُونَ وَيَرَوْنَ جُثَثَ النَّاسِ الَّذِينَ عَصَوْا عَلَيَّ، لأَنَّ دُودَهُمْ لاَ يَمُوتُ وَنَارَهُمْ لاَ تُطْفَأُ، وَيَكُونُونَ رَذَالَةً لِكُلِّ ذِي جَسَدٍ». وَيَخْرُجُونَ
أي أولئك العبادة الروحيون والمواظبون سيخرجون من جبل قدس أورشليم، كنيسة الله، التي أُحضروا إليها كتقديمة للرب وحيث يعبدونه؛33
فهذا لا يجب أن يُفهم على أنه خروج من أورشليم بالمعنى الحرفي كما ذهب "ابن عزرا" و"كيمحي"، ولا خروجهم من قبورهم بعد القيامة كما يرى آخرون؛ بل إما الخروج من المحافل المسيحية، أو من بيوت القديسين والمدينة المحبوبة، عندما تنزل نار من السماء وتأكل الأشرار (رؤيا 20: 9).
وَيَرَوْنَ جُثَثَ النَّاسِ الَّذِينَ عَصَوْا عَلَيَّ،
يذكر الترجوم:
"ضد كلمتي"؛
أي ضد المسيح، الذي جدفوا على شخصه منكرين لاهوته؛ ورفضوا وظيفته كوسيط ومخلص؛ وناقضوا عقائده؛ واحتقروا وصاياه: هؤلاء ليسوا جثث معسكر "جوج وماجوج" كما يسميهم اليهود وكما يفسر "كيمحي"؛ وإن كان النص قد يشير إلى جثث جيش "جوج"، الذين سيُقتلون في محاولتهم استعادة يهوذا (حزقيال 38: 1)؛ أو جثث أولئك الذين سيُقتلون في معركة هرمجدون (رؤيا 16: 16)؛ أو جيش جوج وماجوج (رؤيا 20: 8). ويلاحظ التلموديون من هنا أن الأشرار، حتى عند باب جهنم، لا يعودون بالتوبة؛ لأنه لم يقل "الذين عصوا" (بصيغة الماضي فقط)، بل "الذين يعصون" (أو المستمرون في التمرد)؛ فهم يعصون ويستمرون في ذلك إلى الأبد؛ ولذلك يفسرها الكثيرون عن الهالكين في جهنم، والذين يمكن فهم العبارات التالية عنهم:
لأَنَّ دُودَهُمْ لاَ يَمُوتُ
الذي ستتغطى به جثثهم وهي ملقاة لتتعفن فوق الأرض؛ أو بالمعنى المجازي: ضمائرهم، والأهوال والرعب الذي سيستولي عليهم ولن يتخلصوا منه أبداً. ويذكر الترجوم:
"أرواحهم لا تموت"؛
إذ لن تموت أرواحهم وإن ماتت أجسادهم، بل ستبقى لتعاني غضب الله إلى كل الأبدية.
وَنَارَهُمْ لاَ تُطْفَأُ،
في جهنم، كما يفسرها "راشي"؛ فأولئك الأشرار، أتباع وعابدو المسيح الدجال، سيوضعون في البحيرة المتقدة بنار وكبريت؛ وسيعانون إلى الأبد نقمة النار الأبدية؛ ودخان عذابهم يصعد إلى أبد الآبدين (رؤيا 14: 10).
وَيَكُونُونَ رَذَالَةً لِكُلِّ ذِي جَسَدٍ».
أي لعباد الله الحقيقيين المذكورين في (إشعياء 66: 23)، والذين ستكون هذه الجثث مثيرة للغثيان والاشمئزاز بالنسبة لهم حين ينظرون إليها؛ وتكون أرواحهم ممقوتة بسبب أعمالهم الشريرة؛ والذين لا يسعهم إلا أن يشيدوا بعدل الله في إدانتهم، ويعجبوا بالنعمة والمراحم المميزة التي حفظتهم من دمار وهلاك مماثل. ويذكر الترجوم:
"والأشرار سيُدانون في جهنم، حتى يقول الأبرار عنهم: لقد رأينا ما يكفي"؛
انظر (مرقس 9: 44)، حيث ذكر ربنا وكرر بعض عبارات هذا النص، وطبقها على عذابات جهنم.
يالكوت شمعوني للتكوين (49: 161)
[قال الرابي يوحنان: طبرية ستحفظ (لنا) المسيح كما قيل "تدوسها الرجل، رجلا البائس، أقدام المساكين" (إش 26: 6) – ماذا كُتب بعدها؟ – "فيُثبت الكرسي بالرحمة" (إش 16: 5). في تلك الساعة يقتص القدوس مبارك هو من الأشرار اقتصاصاً عظيماً ليس له فاصل ولا نهاية، وسيُنزلهم في جهنم ويظلون هناك لجيل الأجيال كما قيل "ويخرجون ويرون جثث الناس الذين عصوا عليّ" (إش 66: 24)، – ولماذا كل هذا؟ – لأن القدوس مبارك هو أعطى حداً (للوقت الذي فيه) يضيقون على الأبرار في هذا العالم. في تلك الساعة يأتي عقاب الأشرار الذي لا يكون له نهاية للأبد وضيقة الأبرار ينزعها القدوس مبارك هو من العالم كما قيل "قد جعل للظلمة نهاية" (أي 28: 3)]
⪢