هذا التفسير يعتبر تفسير شامل لسفر اللاويين فهو لا يحتوي على شرح آية بآية فقط، ولكن يحتوي على جميع الخلفيات الممكنة لسفر اللاويين، فسوف تجد أقوال مؤرخين وأقوال علماء وأقوال فلاسفة تعليقًا على كل آية، وبالطبع هذا بجانب اعتماد ثلاث ركائز أساسية في التفسير:
١ قمنا بتضمين كل آية وفقًا لثلاث نسخ للنص وهم: ترجمة الفاندايك (وهي الأشهر في الأوساط العربية وتنقل النص عن الأصل العبري للعهد القديم)، الترجمة السبعينية (وهي ترجمة من الأصل العبري لليونانية قام بها علماء ومفسرين اليهود في القرن الثاني ق.م ولاقت شهرة واسعة في الكنيسة الأولى)، ترجوم نيوفيتي (وهو أحد عدد من الترجومات (مثل ترجوم يوناثان وأورشليم وأونكيلوس وغيرهم) تم فيها نقل النص العبري إلى الآرامي وتم العمل عليها في القرن الخامس ق.م تقريبًا إبان فترة السبي، وتحتوي على خلفية تفسيرية للعديد من النصوص والأهم من ذلك أنها تعطينا الخلفية النصية الأولى ل اللوجوس اليوحانوي وتقوم بكتابته بلفظ الميمرا الذي يتم تعريبه للعربية بصيغة كلام الله أو كلمة الله أو كلامي أو كلمتي).
٢ قمنا بتضمين التفسير اليهودي الأساسي المرجعي لمعظم آيات السفر من مفسرين يهود أمثال: ابن عزرا، بن ميمون، بن مالك، راشي، كيمحي، أبارنيبيل.
٣ قمنا بتضمين التفسير الآبائي لمعظم السفر مع المراجع الخاصة بكل قول.
إذن أنت أمام تفسير كامل من جميع النواحي تقريبّا لسفر اللاويين.
يجب مراعاة أن بعض أسامي العلماء والمؤرخين تم أخذها من مراجع ألمانية وفرنسية.
شوية معلومات لازم نكون فاهميننا ومفاهيم قبل ما ندخل في التفسير.
مبدايًا كده إحنا عرفنا العهد القديم عن طريق ٣ مصادر للمخطوطات .. المخطوطات العبرية اللي بترجع لمنطقة قمران ودي بترجع للقرن الثاني أو الثالث قبل الميلاد .. وعندنا المخطوطات اليمنية ودي بترجع لليهود بتوع مجتمع اليمن وللفترة ما بين القرن الرابع الميلادي والقرن السادس .. وكمان عندنا المخطوطات الماسورية اللي بترجع للقرن العاشر الميلادي ودي الأشهر وسط المجموعة دي كلها للمخطوطات وفيها نظام اسمه الكيتيب كاري ودول كلمتين معناهم المكتوب والمقروء لأن في كلمات ليها كتابة تختلف عن النطق ونطق يختلف عن الكتابة .. ومعرفة الكتابة والنطق الصحيح معتمد عند اليهود على التقليد.
ده كده بالنسبة للمخطوطات اللي بالعبري.
العهد القديم اترجم اكتر من ترجمة ولكن أشهرهم ترجمتين .. أولهم الترجمة الآرامية ودي الأقدم وبترجع لوقت السبي اليهودي في القرن الخامس قبل الميلاد تقريبًا .. وفيه كذا ترجوم والاختلاف بينهم في نوعية الترجمة .. فيه ترجومات الترجمة فيها تمت حرفية يعني حرف بحرف وكلمة بكلمة، وفيه ترجومات الترجمة فيها كانت تفسيرية يعني بيترجم ويشرح النص بشكل بسيط، وفيه آخر نوع وهي الترجومات الحرة ودي زي شرح على النص ومش بيلتزموا بالنص الأصلي في الترجمة .. والترجومات دي كتير زي نيوفيتي واونكيلوس وأورشليم والفلسطيني ويوناثان.
الترجمة التانية للعهد القديم المشهورة هي ترجمة نص العهد القديم من العبري لليوناني، واسمها الترجمة السبعينية لأنه قام بيها تقريبًا ٧٠ أو ٧٢ شيخ من شيوخ اليهود .. والترجمة دي اتعملت في القرن الثاني قبل الميلاد وكانت مشهورة في الكنيسة الأولى لأنهم كانوا متحدثين باليوناية.
كل اللي فات ده بالنسبة للعهد القديم ونصه ومخطوطاته وأشهر ترجماته.
دلوقتي محتاجين نفهم شوية مفاهيم عند اليهود زي التلمود والمدراش والسيدور والزهار والترجوم .. والترجوم طبعًا شرحناه فوق.
العهد القديم وبالتحديد الخمس أسفار اللي كتبهم موسى النبي دول بيتسموا التوراة أو الشريعة، وجواهم هتلاقي ٦١٣ وصية من ربنا واليهود بيقسموهم نصين، نص افعل وبيسموه ميتزفاه، ونص لا تفعل وبيسموه توسفاه .. والوصايا اللي افعل زي اذكر يوم السبت أو تحب الرب إلهك .. أما التوسفاه فهي اللي فيها نهي زي لا تقتل ولا تزن .. على كل ميتزفاه وتوسفاه فيه قوانين وشرايع اتعملت من ربوات اليهود ومعلميهم وبيسموها هلاخوت وأكبر مصدر لل الهلاخوت ده هو التلمود .. وفي نسختين من التلمود .. النسخة الأورشليمية ودي اتعملت في الفترة ما بين القرن الثاني للقرن الرابع الميلادي .. والنسخة التانية والمعتمدة والأكبر هي التلمود البابلي وده اتجمع في الفترة ما بين القرن الرابع والسادس الميلادي .. والتلمود بينقسم لنصين وهما المشناه والجمارا .. المشناه هي اللي فيها نصوص كل الهلاخوت .. الجمارا فيها شرح وتعليقات على هلاخوت المشناه.
عندنا كمان المدراش وجمعه مدراشيم وده عبارة عن تفسير .. أما تفسير تجميعي لعدد من معلمين اليهود على سفر معين زي مدراش رباه لسفر التكوين مثلّا .. أو بيكون تفسير خاص بمعلم معين على أسفار العهد القديم زي مدراش راباي أبا كاهانا .. وأقدم مجموعة مدراشيم بترجع للقرن السابع ويمكن الخامس الميلادي واسمها مدراش رباه ودي فيها منها على أسفار موسى الخمسة وعلى سفر استير وراعوث ونشيد الأنشاد والجامعة ومراثي ارميا .. وبيسموا آخر ٥ أسفار دول باسم اللفافات الخمس.
السيدور بقا هو كتاب اللويتورجيا اليهودي للصلوات والطقوس.
الزهار وده خاص باليهودية الصوفية ومليان شروحات وتأملات على الكتاب المقدس ومش معتمد عند اليهود الأرثوذكس بدرجة كبيرة.
ده بالنسبة لليهود .. طب بالنسبة لينا كمسيحيين ايه التراث بتاعنا؟
عندنا طبعًا الكتاب المقدس وعندنا كتابات الآباء ودول بينقسموا لنصين .. النص الأول الآباء الرسوليين ودول تلاميذ لتلاميذ رب المجد والنص الثاني عصر الآباء لحد القرن الخامس ومجمع خلقيدونية قبل انقسام الكنيسة.
وطبعًا بعد كده عندنا كتابات آباء كنيستنا القبطية لحد انهاردة.
بعد كده عندنا النصوص الليتورجية واللي هي نصوص القداسات وصلوات الكنيسة.
بالتأكيد فيه مصادر تانية كتير ولكن كل اللي فات توضيح مختصر علشان أي حد مننا يكون فاهم كويس الألفاظ اللي ممكن يتم استخدامها في أي تفسير.
وهناك ملحق مع التفسير يحتوي على جداول وتوضيحات لكامل السفر وتفاصيليه.
مقدمة
يُطلق اليهود عادةً على هذا السفر اسم "ويقرا" (Vayikra)، نسبةً للكلمة الأولى التي يبدأ بها، وأحيانًا "تورات كوهانيم" (Torat Kohanim)، أي "شريعة الكهنة"؛ وهذا هو اسمه في الترجمات السريانية والعربية. ويُسميه مترجمو السبعينية "لِويتييكون" (Leuitikon)، واللاتين يسمونه "لِفيتيكوس" (Leviticus)، أو السفر اللاوي، لأنه يقدم وصفًا للكهنوت اللاوي، كما يسميه الرسول في:
"فَلَوْ كَانَ بِالْكَهَنُوتِ الّلاَوِيِّ كَمَالٌ – إِذِ الشَّعْبُ أَخَذَ النَّامُوسَ عَلَيْهِ - مَاذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ بَعْدُ إِلَى أَنْ يَقُومَ كَاهِنٌ آخَرُ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ؟ وَلاَ يُقَالُ عَلَى رُتْبَةِ هَارُونَ." (عب 7: 11).
إنه يتناول الذبائح في ظل النظام اللاوي، والكهنة المعنيين بها، والأوقات والمواسم التي كانت تُقدَّم فيها، والعديد من الطقوس والشعائر الأخرى. إن فكرة أن موسى هو كاتبه ليس مجرد اعتقاد شائع لدى اليهود، بل يؤكده العهد الجديد:
"فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «انْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ. بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ، وَقَدِّمِ الْقُرْبَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ»." (مت 8: 4).
"وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟»" (يو 8: 5).
بالمقارنة مع:
"«هذِهِ تَكُونُ شَرِيعَةَ الأَبْرَصِ: يَوْمَ طُهْرِهِ، يُؤْتَى بِهِ إِلَى الْكَاهِنِ." (لا 14: 2).
"وَإِذَا زَنَى رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ، فَإِذَا زَنَى مَعَ امْرَأَةِ قَرِيبِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ." (لا 20: 10).
ومن هنا، وكذلك من الاقتباسات الأخرى منه في أماكن أخرى، يمكن استنتاج حجيته (سلطته).
وقد أوحي بمادته إلى موسى، ومن المرجح جدًا أنه كتبها آنذاك عند نصب خيمة الاجتماع، وكان ذلك في السنة الثانية لخروج بني إسرائيل من مصر، في الشهر الأول، في اليوم الأول من الشهر:
"وَكَانَ فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَنَّ الْمَسْكَنَ أُقِيمَ." (خر 40: 17).
وفي نفس اليوم كلم الرب موسى من الخيمة، وأعطاه الشرائع المتعلقة بالذبائح، المسجلة في الأصحاحات السبعة الأولى:
"وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى فِي بَرِّيَّةِ سِينَاءَ، فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِخُرُوجِهِمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ قَائِلًا:" (عد 1: 1).
بالمقارنة مع:
"وَدَعَا الرَّبُّ مُوسَى وَكَلَّمَهُ مِنْ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ قَائِلًا:" (لا 1: 1).
وفي اليوم الثامن من نفس الشهر، وبعض الأيام التالية، أُعطي له ما تبقى منه وكتبه:
"وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا:" (لا 8: 1).
"وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا:" (لا 12: 1).
"وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى بَعْدَ مَوْتِ ابْنَيْ هَارُونَ عِنْدَمَا اقْتَرَبَا أَمَامَ الرَّبِّ وَمَاتَا." (لا 16: 1).
وهو ما يتفق معه ترجوم يوناثان على لاويين 1: 1:
"عندما انتهى موسى من نصب خيمة الاجتماع، فكر موسى وتأمل في قلبه وقال، جبل سيناء، كانت رفعته رفعة ساعة، وقدسيته قدسية ثلاثة أيام، لم يكن ممكنًا لي أن أصعد إليه حتى الوقت الذي كان فيه "الكلمة" (الميمرا) يتكلم معي؛ ولكن خيمة الاجتماع هذه، رفعتها رفعة أبدية، وقداستها قداسة أبدية، فمن اللائق ألا أدخل إليها حتى يحين الوقت الذي يتكلم فيه معي من لدن الرب؛ ولذلك دعا "كلمة الرب" (ميمرا دَي يَي) موسى، وكلمه "كلمة الرب" من خيمة الاجتماع، قائلاً"
وعلى نفس المنوال جاء ترجوم أورشليم.
وقد كُتب السفر في بعض التقاليد سنة 2514 منذ خلق العالم، وحوالي عام 1490 قبل مجيء المسيح. إن الذبائح والطقوس والشعائر المتنوعة المذكورة فيه كانت رموزًا للمسيح وظلالاً للخيرات الآتية بواسطته. وفيه أشياء كثيرة تلقي ضوءًا كبيرًا على عدة مقاطع في العهد الجديد، وهو جدير بالقراءة المتأنية والتأمل.
تقسيم السفر
تغطي المواضيع التي يتناولها سفر اللاويين، كما هو الحال في أي سفر من أسفار الشريعة والأنظمة، عدة فئات:
الذبائح الخمس الرئيسية (الأصحاحات ١-٧)
• المحرقة (الأصحاح ١)
• تقدمة الحبوب (الأصحاح ٢)
• ذبيحة السلامة (الأصحاح ٣)
• ذبيحة الخطيئة (٤: ١؛ ٥: ١٣)
• ذبيحة الإثم (٥: ١٤؛ ٦: ٧)
• أحكام إضافية للذبائح (٦: ٨؛ ٧: ٣٨)
تنصيب هارون وأبنائه وخدمته (الأصحاحات ٨-١٠)
• رسامة هارون وأبنائه (الأصحاح ٨)
• خدمة الكهنة (الأصحاح ٩)
• وفاة ناداب وأبيهو والأنظمة المرافقة (الأصحاح ١٠)
التمييز بين الطاهر والنجس (الأصحاحات ١١-١٥)
• الطعام الطاهر والنجس (الأصحاح ١١)
• التطهير بعد الولادة (الأصحاح ١٢)
• أحكام الأمراض الجلدية (١٣: ١-٤٦)
• أحكام العفن (١٣: ٤٧-٥٩)
• التطهير من الأمراض الجلدية (١٤: ١-٣٢)
• التطهير من العفن (١٤: ٣٣-٥٧)
• الإفرازات النجسة (الأصحاح ١٥)
يوم الكفارة السنوي (الأصحاح ١٦)
العيش المقدس (الأصحاحات ١٧-٢٦)
• تحريم أكل الدم (الأصحاح ١٧)
• العلاقات الجنسية غير الشرعية (الأصحاح ١٨)
• شرائع مختلفة للحياة المقدسة (الأصحاح ١٩)
• عقوبات الخطيئة (الأصحاح ٢٠)
• أحكام الكهنة (٢١: ١؛ ٢٢: ١٦)
• الذبائح المقبولة وغير المقبولة (٢٢: ١٧-٣٣)
• الأعياد السنوية (الأصحاح ٢٣)
• أحكام الزيت والخبز في المسكن (٢٤: ١-٩)
• عقوبة التجديف (٢٤: ١٠-٢٣)
• سنة السبت واليوبيل (الأصحاح ٢٥)
• بركات ولعنات العهد (الأصحاح ٢٦)
أحكام التقدمات المنذر بها للرب (الأصحاح ٢٧)
وقت الكتابة
تكلم الله بالشريعة المذكورة في سفر اللاويين لموسى عند جبل سيناء أو بالقرب منه، حيث خيّم بنو إسرائيل لبعض الوقت. ولأن الله سلّم هذه الشرائع المفصلة بعد الوصايا العشر الأصلية، فإن التاريخ الأكثر احتمالًا لكتابتها هو عام 1446 قبل الميلاد. ومن المستحيل تحديد ما إذا كانت جميع الشرائع قد كُتبت في ذلك الوقت؛ ومن الممكن أن تكون قد تم تدوينها تدريجيًا خلال الأربعين عامًا التالية من التيه.
المؤلف
إن الاعتقاد بأن موسى هو مؤلف أسفار التوراة الخمسة (التي تشمل سفر اللاويين) يتأكد بوضوح من القراءة البسيطة للنص الكتابي. تُنسب كميات كبيرة من التوراة إلى موسى (خر 24: 4؛ 30: 11، 17؛ 33: 1، 5؛ 39: 1، 5، 29؛ لا 1: 1؛ 4: 1؛ 6: 1؛ عد 4: 1؛ تث 1: 1، 5؛ 5: 1؛ 31: 22، 30؛ 33: 1) ويُفترض تأليفه للتوراة من قبل اليهود في مجتمع ما بعد السبي (1 أخب 15: 15؛ 22: 13؛ 2 أخب 23: 18؛ 24: 6؛ 25: 4؛ 30: 16؛ 35: 12؛ عز 3: 2؛ 7: 6؛ نح 1: 7؛ 8: 1؛ 13: 1؛ ملا 4: 4) وكذلك العهد الجديد (مت 8: 4؛ مر 12: 26؛ لو 16: 31؛ 24: 27، 44؛ يو 1: 17؛ أع 3: 22). في يوحنا 5: 46-47، أجاب الرب يسوع منتقديه اليهود الذين شككوا في ممارساته قائلاً: "لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي. فَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ كُتُبَهُ، فَكَيْفَ تُصَدِّقُونَ كَلاَمِي؟" هل يمكن أن يكون أوضح من ذلك أن الرب يسوع ويهود عصره لم يكن لديهم أي شك في من كتب التوراة؟ وبالمثل، في رومية 10: 5، يدعي بولس أن التعبير "مَنْ يَفْعَلُ هَذِهِ الأُمُورَ فَسَيَحْيَا بِهَا" كان قولًا كتبه موسى:
"فَتَحْفَظُونَ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي، الَّتِي إِذَا فَعَلَهَا الإِنْسَانُ يَحْيَا بِهَا. أَنَا الرَّبُّ." (لا 18: 5).
يشير الرب يسوع وكتّاب العهد الجديد مرارًا وتكرارًا إلى العهد القديم باسم "موسى والأنبياء" (لو 16: 29، 31؛ 24: 27) أو ناموس موسى والأنبياء (لو 24: 44؛ أع 28: 23).
نظام الذبائح
يختتم سفر الخروج بمجد الرب الذي ملأ المسكن الذي بناه شعبه. والاستجابة اللائقة لحضور الله هي العبادة. فمن خلال سفر اللاويين، يعلم الله شعبه كيف يجب يتواصلوا معه. ويواصل سفر اللاويين موضوعًا رئيسيًا في سفر الخروج وهو أن الله قدوس وشعبه يجب أن يكونوا قديسين. هذا الدليل على العبادة مفصل للغاية ولكنه يوضح أن التفاصيل مهمة لله. يقدم سفر اللاويين تعليمات حول تكريس الكهنة ويوضح بوضوح عواقب عدم عبادة الله كما يأمر. على الرغم من أن إسرائيل قد تم تخصيصها كشعب الله، إلا أنهم ما زالوا شعبًا خاطئًا. يقدم سفر اللاويين صورًا عديدة لكيفية تواصل البشر الخطاة مع إله قدوس. فالذبيحة مفهوم محوري في عبادة إسرائيل.
لم تكن ممارسة ذبح حيوان كذبيحة فريدة للتقاليد الإسرائيلية. كان ذبح حيوان كتعبير "ديني" ممارسة شائعة في العالم القديم، وخاصة في الشرق الأدنى القديم. ومع ذلك، فإن أغراض تقديم الذبائح في إسرائيل لم تكن لتختلف اختلافًا جوهريًا عن دوافع الذبائح بين جيران إسرائيل. اقتصر الأساس المنطقي للذبائح في العالم القديم على صيانة وإعالة الآلهة، حيث كان يُعتقد أن الآلهة لديها نفس شهوات ورغبات البشر. كان الدافع لتقديم الطعام للإله هو الحصول على رضاه. كانت العبادة الوثنية أنانية في جوهرها، حيث كان الشخص الذي يقدم العطاء يستخدم الهدية لمنفعته الخاصة. لم يكن تقديم الذبيحة من المفهوم الوثني مختلفًا في الواقع عن السحر - وهو آلية تستخدم لإحداث تدخل خارق للطبيعة. لذلك ليس من المستغرب أنه في بلاد ما بين النهرين، على سبيل المثال، كان الساحر بنفس أهمية الكاهن.
كان الغرض من نظام الذبائح الإسرائيلي مزدوجًا - تقديم هدية لله وإحداث كفارة. تتناول كلمة "كفارة" الحاجة إلى المصالحة في العلاقة المضطربة بين الله والبشر الناتجة عن الخطيئة. تستدعي الحاجة إلى الكفارة عمومية الخطيئة، وخطورة الخطيئة، وعجز البشرية عن إزالة الخطيئة أو التعامل معها. ترتبط كلمة "كفارة" ارتباطًا وثيقًا وتحدث بشكل متكرر في سياق المصطلحات اللاهوتية البارزة "الغفران" و "المصالحة". إنها تعالج على وجه التحديد الحاجة إلى إزالة الخطيئة (التكفير) من أجل تحقيق المصالحة مع الله.
سبقت القرابين الذبائحية عصر الشريعة الموسوية. فقد أمر الله بالقرابين منذ زمن هابيل (تك 4). وبعد الطوفان، قدم نوح محرقات:
"وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ. وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى الْمَذْبَحِ،" (تك 8: 20).
وكذلك فعل إبراهيم:
"فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ." (تك 22: 9).
وتماشيًا مع أنبياء العهد القديم (انظر هو 6: 6؛ عا 5: 21-24؛ وأيضًا 1 صم 15: 22)، ركز الرب يسوع على الدافع الكامن وراء فعل الذبيحة وعلم أن القربان لم يكن مقبولًا عند الله إلا عندما كان إخلاص الشخص نابعًا من القلب (متى 5: 23-24؛ 9: 13؛ 12: 7؛ مرقس 12: 33). كانت ذبائح العهد القديم لله رموزًا للذبيحة النهائية الحاسمة التي قدمها الرب يسوع المسيح، ابن الله. لا يمكن تكرار ذبيحته أبدًا (رومية 6: 10؛ عبرانيين 7: 27؛ 9: 12؛ 10: 10)، والآن أثمن ذبيحة يمكن لأي شخص، غنيًا كان أم فقيرًا، أن يقدمها لله هي حياة مكرسة (انظر رومية 12: 1؛ 15: 15-16؛ 2 كورنثوس 2: 14-17؛ فيلبي 2: 17؛ 4: 18؛ 2 تيموثاوس 4: 6؛ عبرانيين 13: 15؛ 1 بطرس 1: 15-16؛ رؤيا 6: 9).
جعل الالتزام بنظام الذبائح في العهد القديم أمة إسرائيل أمة مقدسة ومتميزة عن الأمم الأخرى. وربما لم تساهم أي فئة أخرى من القوانين في تميز إسرائيل أكثر من قوانين الطعام (الإصحاح 11). فكما صنف الله العالم عند الخليقة، كان من المتوقع أن يصنف شعب الله المقدس عالمه. كانت القوة الدافعة وراء هذا الاعتبار الجديد بالتأكيد فكرة أن إسرائيل قد دُعيت لتكون شعبًا مقدسًا. يتجاوز الالتزام بهذه القوانين المفهوم الأكثر محدودية للطهارة الشخصية من حيث أنه لا يميز فقط الأشخاص الأطهار عن غير الأطهار، بل يميز أيضًا الإسرائيليين عن الأمم الأخرى. كان السبب الرئيسي لتعليمات الطهارة هو إبقاء إسرائيل منفصلة عن الأمم المجاورة (لاويين 18: 3؛ 20: 24، 26). منعت قوانين الطعام الإسرائيليين من المشاركة في العبادة الوثنية للآلهة الأجنبية، كما جعلت احتمال الزواج المختلط مع غير المؤمنين أقل احتمالًا (انظر 11: 44-45؛ تثنية 14: 2، 21).